Define your generation here. Generation What

حلوى الشيخ: حديثي الأخير مع “الترابي”

منذ ثلاث سنوات تقريبًا التقيتُ حسن الترابي (1932 – 2016)، رجل الدين الأبرز في السودان، الذي يطلق عليه أتباعُه لقب (الشيخ) تبجيلًا، كما يطلقه عليه أعداؤه سخريةً، فقدم لي بعض الحلوى.

نظرت إليه من مقعدي ويده ممدودة بالحلوى. وقف فوقي بعينين متواضعتين وانحناءة أنيقة في ثوبه السوداني الأبيض الفضفاض وبلحيته البيضاء المهذبة. هيأته ساحرة. كان هناك شيء شيطاني سخيف في هذا المشهد، في غرفة المعيشة هذه، في هذا البيت في حي من أحياء الخرطوم. ترددت لحظة، ثم مددت يدي والتقطت قطعة حلوى.

كانت المقابلة من أجل رسالتي للحصول على الدكتوراه، وشيء ما في فكرة هذا اللقاء أخافني. لم أخش أن أجده رجلًا مخيفًا، بل خشيت ألا أجده مخيفًا. وعندما علم خالي بنيتي الذهاب إلى هناك قال لي بصوت يسوده الحزن: “إنه مقنع جدًّا”. ثم أضاف قائلًا: “من الأفضل أن تأخذ حذرك”.

كنت أدرك هذا بالفعل. أعرف ألا أحد يُلام على الفكر الحركي الإسلامي في السودان إلا أولئك الشباب السودانيين، الذين تلقوا تعليمهم في الجامعات البريطانية، والذين يترددون على منزل حسن الترابي. ولذلك أعددت عُدتي بأفضل ما استطعت وتوجهت إلى ذلك المنزل.

تخطيت حراس الأمن ودخلت إلى منزل هادئ فيه غرفة معيشة مليئة بصفوف من الكراسي المعدنية الخالية، كلها مصفوفة في مواجهة مسرح خال، ومنها وصلت إلى غرفة أصغر بدأنا فيها أول حوار من سلسلة لقاءات استمرت لعدة أيام، واستمر هذا الحوار الأول من الصباح مرورًا بالظهر والعصر، ولم ينته إلا قبل الغروب بقليل.

بعد إعطائي الحلوى أنزل الطبق من يده وجلس بدون النظر نحوي لدقيقة كاملة تقريبًا، ظل ينظر إلى يديه بهدوء. كنت قد سألت صديقًا مرة ممن التحقوا بجماعة الإخوان المسلمين من سن صغيرة كيف حدث هذا، فاسترجع ذكرياته وقال إنه كان يتردد على شيخ، وفي كل مرة يعطيه قطعة حلوى، كان شديد الكرم واللطف. وأضاف: “رجل عظيم، جميل، محترم، كريم، يُسمعك بعض الآيات وبعض الأحاديث ويعطيك بعض الحلوى، وكلها أشياء محبوبة جدًا، كلها أشياء في حد ذاتها إيجابية جدًا. مَن مِن العقلاء لا يحب أيًا من هذه الأشياء؟”، ظل صديقي هذا يزور هذا الرجل، إلى أن وجد نفسه يومًا أخًا من الإخوان المسلمين.

تناولت الحلوى وأنا أراقب الرجل بارتياب. بدا لي خجولًا قلقًا فيما يشبه ممثلًا متوترًا في مسرحية يقف خلف الكواليس منتظرًا رفع الستار . لكن سرعان ما وصل الحديث إلى السياسة وبدأ شيء عجيب في الحدوث. لم أكن منجذبًا إليه كمتحدث يظهر في التلفاز، علمًا بأنه كان ذا شعبية كبيرة كمتحدث من هذا النوع، فقد كانت تظهر عليه حلاوة مفرطة تبدو مصطنعة من فرط شدتها، وكان كثير الضحك وكأن الضحك حيلته التي يهدئ بها من روع جليسه. لكن عند لقائه وجهًا لوجه، لمست الحماس الصبياني الذي يصيبه لدى الحديث عن السياسة، وأدركت سهولة انتقال هذه الإصابة منه إلى جلسائه.

أطلقت صرخة خفية في سريرتي حين بدأ في الحديث. تحدث عن الديمقراطية، ليس كآلية وإنما كواقع يمارسه الناس بشكل حي، وتحدث عن الحق الواجب لكل الناس في تقرير مصيرهم ومسؤوليتهم المترتبة على ذلك، وعن السوق الحرة، وعن ضرورة وضع حدود لتدخل الحكومة وعن حتمية تدخلها في بعض الأحيان، وعن الحرية والمساواة والقانون وأوجه قصوره، والإسلام بالطبع. يا ربي، استغثت في سريرتي مرة أخرى، كيف يمكن لأحد أن يتجهّز بالحجة لخوض مناظرة يواجه فيها الديمقراطية الليبرالية والإسلام في آن واحد.

علمًا بأنه ما من خلاف بينهما، فبينما تشبّع لساني بمذاق الحلوى عرفت من الترابي أنه وجد ضرورة للعمل باقتصاد السوق الحر ومحدودية التدخل الحكومي في كل من كتابات آدم سميث وكذلك في سورة النساء في القرآن الكريم. وقد وردت سيادة الإرادة الشعبية في السيرة النبوية قبل أن تصل إلينا بدون إنذار سابق في فلسفة جان جاك روسو. وتطرق حديثنا فجأة في منتصفه إلى المساواة وحرية تكوين الجمعيات، بالاستناد أحيانًا إلى ما قاله أبو الليبرالية جون لوك، وأحيانًا إلى المدينة المنورة، حيث وجدتهما أنا بنفسي مرات كثيرة.

كلما مر الوقت كلما زاد سحر هذا الرجل. كان كمثقف أوروبي في إيمانه بالمساواة الطبيعية بين البشر، وكعالم أزهر في ولعه بالأخلاق، وكبدوي عربي في كرمه، أو لعل الصواب أنه كالعرب في إيمانه بالمساواة وكالأزاهرة في كرمه وكالأوروبيين في أخلاقه. على أيه حال، كل هذا أمتعني عند سماعه، ولا أذكر متى اختفى طعم الحلوى من فمي بينما أنا مفتون بهذا الرجل. ربما لم يحدث هذا إلا عند خروجي من بيته، أو قبل ذلك أو بعده أثناء سيري تحت أشعة الشمس السودانية الحارقة وسط التراب، أو بعدها حين عدت إلى كتب التاريخ في البيت.

بغض النظر عن التفاصيل وجدت نفسي نادمًا على أخذ الحلوى، وأثناء قراءتي للتاريخ لم تبق على لساني سوى المرارة التي تتبع مذاق الحلاوة المفرطة، ولأنني في السودان فقد صاحب ذلك طعم التراب أيضًا. شعرت بالتراب في فمي ووجدته يغطي الكتب التي تركتها لعدة ساعات على الطاولة. تذكرت المقابلة وشعرت بالذنب.

في يونيو 1989 استحوذ الترابي على الحكم في البلاد بالكامل من خلال انقلاب عسكري، وقد رُوِيَت قصة العقدين التاليين لهذا الانقلاب كثيرًا جدًا. وعادةً لا تُوفِّي الكلماتُ -مهما كانت- الأحداثَ حقها، فيبدو كأن اﻷثر الوحيد للكلمات هو إهانة كل من وقع تحت وطأة هذه الأفعال، من حرب واغتصاب وقتل وفقر وإهانة وظلم وصعق بالكهرباء وإبادة جماعية. الكلمات التي تصف هذا موجودة لكنها أحيانًا لا تفعل شيئًا سوى إسدال ستار يخفي الحقيقة، وأحيانًا يكون هذا نوعًا من الرحمة حتى لا نرى أثر الأشياء إلا من وراء ستار يُرفع قليلًا وبرفق.

والآن وصلت آثار هذه الأمور تحديدًا حتى إلى تلك الشقة الصغيرة متوسطة الحال في منطقة الكوربة بحي مصر الجديدة في القاهرة. هناك، وراء سينما نورماندي وذلك الكشك الذي لا يزال، لسبب أو آخر، يبيع نسخًا مستعملة ومستهلكة، واحدة وراء اﻷخرى، من كتاب “آمال عظيمة” لتشارلز ديكنز، استقر جدي في أيامه الأخيرة، حيث أخذ يقرأ كتبًا مستعملة لمؤلفين إنجليزيين فارقوا الحياة منذ زمن بعيد. وكان نوع محدد من الرجال، من ذوي الهيئة العسكرية، دائمًا ما يطرق باب الشقة، ولم ينقطع سيلهم أبدًا. ونادرًا ما أحاط بهم جو من الرسميات، لكن لم يكن ممكنًا للمرء أن يخلط بينهم وبين غيرهم من الرجال. كان انتظارهم عند الباب دائمًا يبدو ثقيلًا بعد طلبهم مقابلة سعادة الفريق، ثم انتظارهم بصبر منضبط بينما يستعد الفريق للقاء جمهوره. ورغم أن جدي وأنا لم نحتج عادة إلى مساحات تفصل بيننا، ولكني في تلك الأثناء كنت دائمًا أجد نفسي واقفًا عند الجانب البعيد من الستار الفاصل بين غرفة المعيشة القديمة، التي ترتفع نوافذها عاليًا فوق القاهرة، وبقية البيت. لكن الستار القديم هو الآخر كان ينفتح قليلًا في كل مرة تقريبًا ليكشف عن الفريق الجالس على كرسيه فيما يشبه القاضي أحيانًا وشاهد العيان أحيانًا أخرى، وعن الجندي الشاب أمامه الذي يشبه بدوره المرؤوس أحيانًا والابن أحيانًا، والجو مشحون بالندم. بكى رجال في تلك الغرفة على ما أعتقد. لكني سأذكر دائمًا رجلًا واحدًا، تسوده السكينة وتفوح منه الكرامة، أدخلته أنا من الباب.

بعدها، في طريقي إلى المطبخ رأيت من خلال فتحة الستار الرجل يقف شامخًا أمام جدي كاشفًا جسده، رأيته بدون قميص وقد تشوه ظهره القوي بجروح عميقة وقاسية. وقف عاريًا عاجزًا لا شيء بينه وبين العالم. وجدي، الذي كانت له أخطاؤه وأسبابه للندم، جلس ناظرًا إليه رافعًا ذقنه وأنفه الأرستقراطي المدبب، وعيناه تحملان مشاعر هول وحزن وكرم لا يمكن صدورها إلا من رجل سلطة يندم ولا يندم في آن واحد، أن السلطة لم تعد بيديه، ليمنح أي شيء غير انتباهه الكامل. كان هذا هو المشهد، ثم استدرت وسرت في طريقي.

لكن في اجتماعاتنا اللاحقة بعد أن فرغت من رسالة الدكتوراه وأسئلتها، وبعد أن سألت الترابي رسميًا وموضوعيًا عما فعله وكيف ولماذا فعله، ودونت كل شيء بعبارات واضحة على الورق، وبينما نشرب القهوة السودانية السوداء المرة، وجدت نفسي أتساءل: إذا كان في إمكان رجل أن يندم على أخذ الحلوى فربما كان في إمكان آخر أن يندم على تقديمها. ومع استمرار حديثنا لاحظت أكثر فأكثر أن صوت مكيف الهواء البطيء والضوء الخافت من بين الستائر السميكة وصفوف الكراسي الخالية، كل شيء في المكان تفوح منه رائحة الندم. سمعت نفسي أسأله تلقائيًا وبدون إدانة، رغم قسوة السؤال: “أين كان الخطأ؟”.

أذكر أنه لم يتردد أبدًا. حتى وقد تغير حاله بالكامل من حال الرجل الذي قدم لي الحلوى إلى رجل أقل سحرًا وخجلًا وأكثر يقينًا وحزنًا وهو يقول: “لم نغير أنفسنا أبدًا”. هذا ما رآه الأصل في كل ما ندم عليه. أخبرني بقصص حزينة عن السلطة. قال إن الجميع رأوا أهمية كبيرة في أخذ السلطة: “كنا نركز على السلطة بشدة حتى أننا لم نفكر فعلًا فيما سنفعل حين نحصل عليها. هذه الأمور تغير الناس”. كان يقصد الجيش، فلا ننسى أن الأعداء كانوا موجودين، أمريكا لم تكن لتسمح لهم بفرصة الوصول إلى الحكم بالديمقراطية، وإخوانهم السودانيون كانوا يتآمرون ضدهم. وكان ألد أعدائه مع أخي زوجته، هو صادق المهدي رئيس الوزراء أثناء الحرب الأهلية السودانية الأولى. أي أن كثيرين آخرين كذلك كانوا على نفس الاعتقاد، السلطة أولًا ثم نرى.

قال: “لم أكن حتى أعرف عمر البشير، لم أكن رأيته في حياتي. وعشية الانقلاب جاؤوا به إليّ ووضع يده بيدي وأقسم أن يخدم مصالح البلاد”. هكذا. “لكن عندما يحصل أحد على السلطة”، قال كمن يبلَّغ عن وحي: “يرفض أن يملي عليه أحد”. وتابع: “بعد فترة قلنا لهم حان الوقت، والشعب قادر على اتخاذ قراره الآن بعد أن هيأنا الأوضاع اللازمة. لكن ضابط الجيش لا يمكنه القبول بهذا. وإنما يقول: كيف أترك هؤلاء المدنيين يأمرونني ويسيّرونني، لا يمكن أبدًا.” وأشار بيده علامة على قلة الحيلة والتسليم بالأمر الواقع، وهز رأسه.

ليست السلطة وحدها التي تغير الناس، لكن كل شيء، قال الترابي: “حتى من تعرفهم منذ زمن بعيد، هؤلاء الذين اخترتهم لمناصب بعينها تحديدًا لأنك تعلم عدم اكتراثهم بالمال على سبيل المثال، عدم اكتراثهم بالمال أبدًا، تجد بعدها أنهم سرقوا أو قبلوا الرشوة أو اختاروا شيئًا دون آخر بسبب المال”. ثم جاء بعدها الشعور بالعجز عن تغيير الناس أو تغيير مسار الأحداث التي بدأها هو.

“حاولنا التغيير. عرضنا على الناس المال. قلنا لهم: تفضلوا، هذا الراتب الرسمي وعليه هذا المبلغ وهذا المبلغ، وكل هذا، وإن أردتم المزيد سنعطيكم، سنعطيكم، لكن لا تسرقوا. تمنينا أن يتوقفوا هكذا عن السرقة، لكن لم يحدث”. ثمة شيء مؤلم يتعلق ببساطة هذا الاكتشاف. قال الترابي: ” الطمع”. ولم يفارق التعجب وجهه.

رؤية كل هذا كانت مؤلمة جدًا ﻷن لا أحد إطلاقًا اتهم الترابي قط بحب المال. لم يُتهم بهذا أبدًا، لا من منتقديه الليبراليين المتعالين ولا من شركائه الإسلاميين الطامعين الذين تحولوا إلى منافسيه، ولا حتى من أبي الذي ظل يحمل بعد كل هذه الأعوام مرارة شيوعي سابق اختطف ثورته رجل واحد وأوقف مفعولها، ولا حتى ذلك الفريق الذي رحل بسبب الانقلاب.

لم أهتم بتفاصيل هذا الندم، ليس لعدم صحتها وإنما لصحتها الواضحة بشكل زائد. كانت ضئيلة جدًا ومتأخرة جدًا ولعل أسبابها كانت خاطئة كذلك. أضف إلى ذلك أني صدقته ولم أصدقه في آن واحد. على كل حال، كنت أعلم، ومن يدري لعله كان يعلم هو الآخر، أن هذه التفاصيل لم تكن في الواقع هي أصل المشكلة أبدًا.

الندم نفسه هو المهم. ببطء امتلأت به الغرفة عن آخرها، كمذاق حلو في الفم، وكلما امتد الحديث بدا وكأننا لا نفعل شيئًا سوى تدوين مجموعة ذكريات متناقضة. بدأنا بأسئلة لا تزال تبدو سياسية. حين سألته بقسوة عن سبب خيانته لكارلوس الثعلب، ذلك المقاتل الماركسي الذي أصبح رمزًا لمكافحة الإمبريالية أثناء الحرب الباردة، وتسليمه للسلطات الفرنسية بعد وعده بالحماية، كنت أنتظر أن يخبرني بما أخبرني به كثيرًا في الأيام الماضية، أن هكذا هي السياسة. لكني شعرت به يتراجع قليلًا وكأنه يتألم.

قال الترابي: “قلت له أرجوك، سنأخذك إلى أي مكان تريده، اختر المكان وسنقوم باللازم. لكنه لم يسمع”. ثم توقف لحظات وواصل بهدوء: “حين تكون السلطة بيديك يظن الناس أنك تتحكم في كل كبيرة وصغيرة، لكن الواقع غير ذلك”. أخبرني أن حتى إخوانه لم ينصتوا إليه، قال: “ذهبت إلى القاهرة بعد سقوط مبارك لأتحدث مع الإخوان. قلت لهم لا تأخذوها بعد، الأمور غير مستقرة بالمرة، لا تكرروا أخطاءنا، وما كان ردهم إلا أن ما يحدث في مكان كالسودان لا يمكن أن يحدث في مصر”. وهز رأسه: “أنت تعرف المصريين، لا يسمعون الكلام أبدًا”، هكذا قال.

أخذت تفاصيل الندم ترتبط بأحداث أقدم وأقدم حتى ابتعدت للغاية عن لحظة سلطته، ووصلت إلى طفولته، حتى أني أستغرب الآن كيف أني لم أتنبأ باقتراب وفاته. وكان من بين ما سألته، لأني طبعًا صغت نظريات عبقرية كثيرة، سؤال عن آثار التوتر بين تعليمه الحديث والصارم في كلية جوردون ميموريال البريطانية، والتعليم الصارم والتقليدي على يد أبيه في ساعات ما بعد المدرسة وأثناء العطلات.

أجابني بنظريات عبقرية توصل إليها هو الآخر وقال: “تعرف، لم أرد أبدًا أن أختلف عن أصدقائي بهذه الطريقة، بل ما أردته في الواقع”، وهنا ابتسم ابتسامة حزينة وخجولة كأنه طفل، واستطرد: “هو لعب كرة القدم بعد اليوم الدراسي”. وتكفي نقطة الندم الطفولية الصغيرة هذه ليفهم أي شخص الأمور التي لا يقرأ عنها عادة إلا في الكتب، ليس فقط فيما يتعلق بالترابي ولكن فيما يتعلق بأعدائه، وبنا نحن كذلك، بأبي وجدي الفريق، بصعوبة معرفة أنك لا تتلقى تعليمًا وإنما تخضع لبرنامج إعداد، بصعوبة الحياة في عالمين بشخصيتين في آن واحد، عالم المدرسة الداخلية البريطانية وعالم المنزل، عالم محوره الإله وعالم محوره آدم سميث، عالم مكرس للأسرة في حقول القطن تحت أشعة الشمس ووسط التراب، وآخر لكارل ماركس. أتساءل يا ترى إن كان هناك اختلاف بين الغرور وبين تفكير الإنسان في نفسه من هذه المسافة.

يبدو الأمر مؤلمًا بالنسبة لي في كل الحالات. وقد كتب الأكاديمي السوداني والشيوعي السابق عبد الله علي إبراهيم ذات مرة قائلًا إنه بالتأكيد كان من الصعب للغاية أن يرى حسن الترابي أباه الشيخ الفقيه صاحب المكانة الكبيرة وهو محل نبذ من أطفال في عمره لا يفهمون شيئًا ويصفونه بأنه بقايا عهد قديم وأسلوب حياة انتهى. وكان من الصعب أن يرى أباه بأصوله العربية والإسلامية العميقة يخدم دولة أجنبية بريطانية، وأن يرى تعليمًا، من المؤكد أنه اعتبره غريبًا وسطحيًا، يستولي على أطفال جيله. وقد سمّى الشيخ المعروف بعلمه وحكمته تلك النخبة من خريجي الكلية البريطانية بـ “أولاد ساكت” قائلًا إنهم مجرد أطفال غير ناضجين. لكنه أرسل ابنه ليصبح واحدًا منهم. ويرى عبد الله إبراهيم أن هذه التناقضات هي السبب إجمالًا في تاريخ السودان الدموي الحديث.

أدركت شيئًا وأنا أسمع ندمه. أدركت أن الترابي وأبي وجدي وكل الآخرين كانوا على علم طوال الوقت أنهم متورطون في هذا الندم، ويعلم الله وحده منذ متى والوضع كذلك.

“من أهلك؟”، سألني الترابي هذا السؤال قرب النهاية فأجبته. نظر إليّ بهدوء ولأول مرة منذ بداية حديثنا شعرت بابتعاده عني ببرود، لعل السبب هو اللوم ولعله شيء آخر. ثم قال: “جدك” وكان يقصد جد جدي “كان أستاذ أبي، وهو الذي جعل أبي يقبل وظيفة القاضي تلك. لم يحب أبي الفكرة أبدًا، بل إنها أرعبته، لكن جدك أصّر”.

على كل حال، كلهم ماتوا الآن، الترابي والفريق العجوز وأبواهما وجداهما وكل الشباب الذين ذهبت أرواحهم، بسبب الحروب الأهلية والثورات والحكومات الأجنبية أو غير الأجنبية التي تأسست أو دُعِمَت أو حوربت. أما حجتي أنا الدفاعية الخاصة ضد الشيخ فقد ظلت قائمة رغم أن بلورتها استغرقت ثلاثمائة صفحة. أعرف أن هناك أمورًا كان بوسعي فعلها بأسلوب مختلف، كان ينبغي أن أكون أكثر صرامة معه وأكثر صراحة وأكثر شجاعة. كان عليّ إخباره بذلك الرجل نصف العاري مشوه الظهر قليل الحيلة الواقف في بيتنا. كان عليّ أن أكون أكثر لطفًا معه وألا أسأله عن كارلوس.

شيء واحد لا أندم عليه، لكن لمجرد أنه مَرّ وانتهى ولأني بسبب ما حدث بعدها، أصبحت أعرف الآن أننا لا نختلف عنه كثيرًا وأعرف أني لا أطلب له إلا الرحمة.

لا أندم أني، للحظة واحدة فانية وخطرة، أخذت بعض الحلوى من الشيخ.

 

ملحق:

السيرة الذاتية لحسن الترابي وفقًا لهيومان رايتس واتش:

تخرج حسن الترابي من كلية الحقوق جامعة الخرطوم، ودرس كذلك في جامعة السوربون، ثم أصبح زعيمًا لجماعة الإخوان المسلمين أوائل الستينيات. وعندما تملك القائد العسكري جعفر النميري مقاليد الحكم في البلاد بعد انقلاب عسكري عام 1969، حلَّ حزب حسن الترابي وسجن أعضاءه، الذين عادوا وشاركوا في الحياة السياسية عام 1977 بعد جلسة مصالحة مع النميري، الذي عين الترابي نائبًا عامًّا له.

وفي سبتمبر 1983 أعلن النميري الشريعة الإسلامية قانون البلاد الوحيد. ولكن تطبيق بعض الحدود الشرعية، مثل قطع يد السارق والشنق، أدى إلى ثورة شعبية عنيفة أطاحت بالنميري عام 1985، وأعادت مرة أخرى الحياة البرلمانية إلى البلاد.

وفي عام 1986 أسس الترابي حزبًا جديدًا يجمع الإخوان المسلمين والجبهة الإسلامية القومية، وحصل على المركز الثالث في انتخابات مجلس النواب. ولكن الجبهة سعت منفردة لإقامة دولة إسلامية في السودان، وفي عام 1989 شارك الحزب سرًّا في انقلاب عسكري أطاح بالحكومة المنتخبة حينذاك. ومنذ ذلك الوقت حتى عام 2001 كان الترابي هو الحاكم الفعلي من خلف الستار، وكان القوة المحركة لنظام الحكم، سواء بصفته زعيمًا للجبهة، أو بصفته رئيسًا لمجلس النواب.

أنشأ الترابي دولة بوليسية بميلشيات من الجبهة الإسلامية القومية، ودَعَمَها لتقوية جبهة الإسلاميين، ومَنْع قيام انتفاضة شعبية. وقد وقعت في ظل هذه الدولة، وبأيدي تلك الميلشيات، انتهاكات بشعة لحقوق الإنسان، منها تنفيذ أحكام الإعدام بعد محاكمات سريعة ومختصرة، والحجز التعسفي، وسوء معاملة المسجونين، والتعذيب ، والحرمان من حرية التعبير عن الرأي، ومنع التجمعات، أو الخوض في الأمور الدينية. وكذلك انتهاكات لقوانين الحرب، خاصة في الجنوب؛ حيث اندلعت الحرب الأهلية منذ عام 1983 حتى وقتنا هذا.

ثم أنشأ الترابي في الخرطوم عامي (1990 – 1991) منظمة تجمع المناضلين الإسلاميين السياسيين، وهي المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي. وكان الغرض منها معارضة التدخل الأمريكي في حرب الخليج، ثم تولى منصب الأمين العام للمنظمة فيما بعد. وتبنت الحكومة السودانية تحت إشرافه سياسة الباب المفتوح للعرب، وأعلن تأييده الكامل لأسامة بن لادن، الذي اتخذ السودان قاعدته في الفترة ما بين 1990 – 1996. ولكن جهود الجبهة الإسلامية المبذولة لتكوين الدولة الإسلامية في السودان جاءت بنتائج متناقضة، نتيجةً للمعارضة التي نشرتها في البلاد، ونشرها للحرب الأهلية. وفي عام 2000 امتنعت الحكومة السودانية عن استضافة المؤتمر الشعبي الإسلامي العربي.

اعلان
 
 
وليد المشرف