Define your generation here. Generation What
محامي متهمي “الهلايلة والدابودية”: القضية تصفية حسابات بين الداخلية والأهالي
 
 

سادت حالة من الصدمة بمنطقة السيل الريفي بأسوان التي شهدت منذ عامين أحداث عنف دامية بين قبيلتي الهلايلة والدابودية بعد أن قضت محكمة جنايات أسيوط أمس بإحالة أوراق 25 متهمًا (بينهم تسعة هاربين) من القبيلتين للمفتي لبيان الرأي الشرعي بشأن إعدامهم، وحددت المحكمة جلسة 7 يونيو المقبل للنطق بالحكم على المتهمين الـ 25، بالإضافة إلى 138 متهمًا آخرين في القضية نفسها.

كانت الاشتباكات بين قبيلتي الدابودية النوبية والهلايلة العربية قد بدأت في أبريل عام 2014، بعدما اندلعت مشاجرات بين صبية من القبيلتين تبادلوا كتابة عبارات مسيئة لنساء القبيلتين على جدران المدارس، وتطورت لاشتباكات استمرت لعدة أيام، مخلفة عدد كبير من القتلى، قبل أن تتجدد الاشتباكات مرة أخرى بعد شهرين، مما أدى لارتفاع أعداد القتلى إلى 28 شخصًا، فضلًا عن إصابة المئات، بالإضافة إلى حرق وتدمير الكثير من المنازل والممتلكات الخاصة والعامة.

وواجه المتهمون في القضية اتهامات بالقتل العمد، والشروع في القتل، والتحريض على العنف، وحيازة أسلحة بدون ترخيص، وتدمير ممتلكات عامة وخاصة، بالإضافة للاعتداء على رجال الأمن.

كانت قيادات قبلية من الطرفين قد تبنت عملية صلح عرفي برعاية وزارة الداخلية ومؤسسة الأزهر، توقف على إثرها القتال، وتم دفع الدية الشرعية للمتضررين من الطرفين، إلا أن الصلح لم يمنع استمرار المسار القضائي على عكس المعتاد في الصراعات القبلية المشابهة.

من جهته، قال القيادي بقبيلة الهلايلة وأحد ممثليها في لجنة الصلح، أحمد السيد، لـ “مدى مصر” إن تجدد الاشتباكات بين القبيلتين أمر صعب الحدوث، خاصة مع التزام الطرفين ببنود الصلح لسنتين، مؤكدًا أن اجتماعًا سيضم أعضاء اللجنة قريبًا لتباحث الأمر. ووصف “السيد” الحكم بـ”الصادم والموجع” لأهالي المتهمين الذين عانوا لمدة سنتين معنويًا وماديًا، خاصة في تحمل نفقات السفر من أسوان لأسيوط أسبوعيًا لزيارة ذويهم.

واتفق ممثل قبيلة الدابودية والناشط النوبي، عبد الدايم عز الدين، مع رأي “السيد”، مطالبًا بإصدار عفو رئاسي عن المتهمين، وقال: “إذا كان أهالي الطرفين ممن فقدوا ذويهم قد قبلوا بالصح ودفع الدية، فعلى الدولة أن ترحم أهالي هؤلاء المتهمين بإصدار عفو رئاسي”.

ويعزو “عز الدين” طلب العفو الرئاسي إلى حالة الغضب التي تسود القبيلتين، ليس فقط بسبب الحكم المشدد، ولكن بسبب شخصيات بعض المتهمين الذين أُحيلت أوراقهم للمفتي. من بين هؤلاء الشيخ عارف صيام، ممثل الدابودية في لجنة الصلح ونقيب معلمي أسوان الأسبق وعضو مجلس الشعب الأسبق، والذي يقول “عز الدين” إنه لعب دورًا هامًا في الوصول للصلح، وليس له أي علاقة بالأحداث، موضحًا: “من الواضح أنه تم تلفيق تهم القتل ضد صيام، كيف يمكن للشخص الذي أشرف على عمليات الصلح أن تكون يداه ملطخة بالدم؟”.

ومن بين المحال أوراقهم للمفتي أيضًا أحد أبناء “صيام”، بينما تشمل قائمة المتهمين الذين لم تصدر بعد أحكام بحقهم ابنه الآخر، وسبعة آخرين من عائلته، حسبما أفاد محمد عزمي، محامي بعض  المتهمين. وتشمل قائمة المتهمين أيضًا قيادات قبلية أخرى من الطرفين من أعضاء لجنة الصلح من بينهم يسري حسن بحر، حمدي حجاج، نوبي بلمون، عمرو محفوظ، وسعد حسن، حسبما أفادت جريدة “الوطن” اليوم.

ويرى “عزمي” أن قيادات وزارة الداخلية في أسوان لم تجر تحقيقاتها بشكل دقيق في الأحداث، حيث قدمت للمحكمة أوراق القضية وبها الكثير من المشكلات القانونية، مثل أن أحد أبناء “صيام” الوارد اسمه في أمر الإحالة متوفى منذ ستة سنوات، ويقول: “تم عقاب صيام لأنه رفض الإرشاد عن أسماء بعض الشباب الذين اعتقدت الداخلية أنهم متورطون بالأحداث من الطرفين، كما شمل أمر الإحالة أسماء نشطاء نوبيين مثل هاني يوسف وعادل أبو بكر، الذين أدلوا بتصريحات صحفية للفضائيات وقتها، وليس لهم أي علاقة بالعنف. حتى القيادات القبلية التي وجهت اللوم للداخلية بسبب عدم سيطرتها على الموقف الأمني وردت أسمائهم بقرار الإحالة. شهدت هذه القضية حالة من تصفية الحسابات بين الداخلية والأهالي”.

وأضاف عزمي: “الآن الأهالي من الطرفين موحدون في غضبهم ضد الداخلية”.

فيما لم يتمكن “مدى مصر” من التواصل مع أي من قيادات وزارة الداخلية للرد على هذه الانتقادات.

ويعتبر العنف القبلي ممارسة شائعة في محافظات الصعيد، حيث غالبًا ما يتم حسم الصراعات القبلية بجلسات الصلح العرفي، التي ترعاها في الأغلب الدولة ممثلة في وزارة الداخلية، بالإضافة للقيادات الدينية ذات الثقة. ولا تقتصر الحلول العرفية على الصراعات القبلية فحسب، بل تمتد لحسم الصراعات الطائفية أيضًا.

من جهته، يرى شريف عازر، الباحث في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أن اللجوء للحلول العرفية دومًا ما كان بديلًا لغياب الدولة وعدم قدرتها على السيطرة على العنف القبلي في الصعيد، ويضيف: “تنازلت الدولة طوعًا عن دورها الحصري في تطبيق القانون وتحقيق العدالة، وهذا أمر كارثي، لأن الحلول العرفية لا تحل أساس المشكلة في كثير من الأحيان”.

يفسر “عازر” مسلك السلطات بإحالة واقعة الهلالية والدابودية للقضاء وعدم الاكتفاء بالحل العرفي كالمعتاد، باهتمام الإعلام المحلي والدولي وبالتالي الرأي العام بالقضية، ما شكل ضغطًا كبيرًا على الدولة لتحويل القضية لمسار قضائي، مضيفًا: “إلا أن هذا العدد الكبير من المتهمين وشيوع الاتهامات بينهم وصعوبة الوصول للجناة الحقيقيين في ظل تضارب الحقائق والمعلومات، يوحي بوجود ثغرات كبيرة بالقضية”، مشيرًا إلى أنه في قضايا مشابهة “دومًا ما يكون هناك أحكام ضد أشخاص على الرغم من عدم صلتهم بالأحداث، وفي كثير من الأحيان يتم إجبارهم على الاعتراف تحت التعذيب. نحن في مرحلة لا يمكن فيها الاعتماد على الحلول العرفية التي تُضيع مسار العدالة، ويتسم فيها المسار القضائي بالعديد من الثغرات التي تضر بالعدالة أيضًا”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين