Define your generation here. Generation What
التعذيب والاختفاء في مصر.. قصص ما وراء الأرقام
 
 

في تقرير حديث، قال مركز النديم للعلاج وتأهيل ضحايا العنف والتعذيب إن العام 2015، شهد 700 حالة تعذيب فردي وجماعي في أماكن احتجاز مختلفة من أقسام الشرطة والسجون ومقار أمن الدولة وأماكن غير معروفة، من بينها 39 حالة لأشخاص لقوا مصرعهم.

وفقًا للتقرير، كان سجن العقرب هو الأول بين السجون المصرية في التعذيب الفردي والتكدير والتعذيب الجماعي، وكان قسم المطرية في المرتبة الأولى بين أقسام الشرطة بواقع سبعة قتلى نتيجة التعذيب، بينما يشير بيان صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في فبراير الماضي إلى أن هذا القسم شهد 14 حالة وفاة نتيجة التعذيب في العامين الماضيين من بينهم المحامي كريم حمدي وآخرين.

هذا بخلاف ضحايا آخرين لقوا مصرعهم نتيجة الإهمال الطبي في أقسام وسجون أخرى أو الذين قُتلوا في احتكاكات مع أجهزة الأمن المصرية، والبالغ عددهم 474 شخصًا في عام واحد، حسب التقرير.

وفي العام نفسه سجل تقرير آخر للنديم 38 حالة اختفاء قسري في شهر أغسطس فقط.

وفي حين يعتقد البعض أن وقائع تعذيب 700 شخص ووفاة 39 منهم في عام واحد، أو اختطاف أفراد من قبل السلطات، أخطاء فردية لمسئولين في جهاز الشرطة، يعتقد آخرون أن تحديات الأمن التي تواجهها مصر في السنوات الأخيرة قد ينجم عنها مثل هذه “التجاوزات” التي إذا نظرنا إلى عددها بالمقارنة بتعداد مصر البالغ 90 مليون نسمة، تصبح أمرًا هينًا، كما عبر عن ذلك الرئيس عبد الفتاح السيسي في لقائه الأخير مع ممثلي المجتمع.

لكن الثابت الذي لن يتغير في الأحوال كلها، أن تلك الحالات من التعذيب والاختفاء القسري، والتي سبقتها حالات أكثر خلال الأعوام الماضية، وكانت إحداها بمثابة الشرارة التي أشعلت ثورة 25 يناير، وهي مقتل خالد سعيد، هذه الحالات ليست مجرد أرقامًا، هم بشر، ورائهم حيوات وأسر كاملة أصبح مصيرها في مهب الريح نتيجة فقد عائلها، فضلًا عن الألم والمرارة التي تلازم ذوي الضحايا حين يودعون جثامين أحبابهم مشوهة، أو تلك الذكرى الرهيبة لعملية التعذيب لمن كتب لهم النجاة، وتزداد المرارة مع ضياع الحق في القصاص في معظم الحالات.

“لو مات يدونا جثته”

وسط حجرة صغيرة بمدخل أحد العقارات، حيث تعيش أسرة هاني عبد الستار، وقفت مَلك، الابنة الوسطى لهاني، تردد أغنية تعلمتها في المدرسة: “علمونا في مدرستنا إزاي نحبها.. نخاف عليها طول حياتنا ونحمي أرضها.. فهمنا يعنى إيه بلادي.. تحية العلم ننادي لكي حبي وفؤادي.. بنحبك يا مصر”، فيما تقول الأم بحسرة: “جم من المدرسة في يوم مبسوطين بيغنولي الأغنية دي، كنت عايزة أقولهم ما تغنوهاش.. مصر عملت لنا إيه؟.. مصر خدت أبوكو”.

اختفى هاني عبد الستار، 37 عامًا، في العاشر من أغسطس من العام الماضي، لم يعد لزوجته وأبنائه في الخامسة مساءً كعادته كل يوم بعد انتهائه من العمل الإضافي في شركة تكنولوجيا في منطقة مجاورة للعقار الذي كان يحرسه هو وزوجته في مدينة نصر.

ذهبت الزوجة، حنان صلاح، إلى مقر الشركة في المساء، لتخبرها حارسة المبنى هناك أن قوة أمنية ملثمة جاءت ظهرًا وألقت القبض على صاحب الشركة ويدعى هشام أحمد الطيب، ومعه هاني.

في اليوم التالي توجهت حنان برفقة شقيقها محمد، وشقيق زوجها للسؤال عن هاني في قسم أول مدينة نصر، لكنهم لم يجدوه. قال لهم الضباط في القسم أن يبحثوا في الجمارك، أو في الأموال العامة، أو في وزارة المالية لاختصاص الشركة في الاستيراد والتصدير.

بحثت الأسرة في كل مكان. يقول محمد صلاح شقيق الزوجة: “رحت المشارح ومديرية أمن القاهرة ومديرية أمن الجيزة والمستشفيات، حتى العباسية (مستشفى الأمراض النفسية والعصبية) وما لقيتهوش”.

ثلاثة أيام كاملة من البحث ولم تجد الأسرة هاني، وبصعوبة بالغة وبـ “المشاكلة”، على حد قول الزوجة، وافق القسم على تحرير محضر للأسرة للإبلاغ عن اختفاء الزوج.

تجدد الأمل لدى الأسرة حين تلقت يوم 26 أغسطس اتصالًا هاتفيًا من محامي صاحب الشركة، الذي قبض عليه مع هاني، يخبرهم أن موكله موجود في سجن الاستئناف لاتهامه مع تسعة آخرين بـ”التخابر وتأسيس خلية عنقودية للتهريب لصالح عناصر إرهابية بشمال سيناء وحركة حماس”.

توجهت الأسرة على الفور إلى السجن ظنًا منها أن هاني هناك، لكنها لم تجده، وبصعوبة بالغة تمكنت الأسرة من التواصل مع صاحب الشركة عبر نافذة خلفية للسجن، وأخبرهم أن هاني كان معه لثلاثة أيام في أحد المباني التابعة لجهة سيادية، وفقًا للزوجة وأخيها. وأضاف أنه رآه في اليوم الثالث يُجر على الأرض ويبدو عليه أنه قتل من الضرب والتعذيب، ونصحهم أن يسألوا إثنين آخرين كانا معه في هذا المبنى، هما عادل إبراهيم وسامح الشرقاوي، واللذان أكدا الأمر، وأبدى الثلاثة استعدادهم للشهادة بتعذيب هاني وقتله أمام الجهات الرسمية.

“سألنا عليه في الجهة اللي صاحب الشركة قال لنا عليها، قالولنا ما لناش دعوة، جبنا محامي بـ 2000 جنيه عشان بس يسأل في المحكمة العسكرية عن اسمه في القضية ولا لأ، وما لقاش اسمه، وكل ما كنت أروح لمحامي يقولي 50 ألف جنيه عشان أطلعه أو أجيب شهادة وفاة. كتبنا تلغرافات للرئيس ووزير الداخلية والنائب العام ورئيس الوزراء إنه مفقود. إحنا مش عارفين نتهم حد، واتهمنا المخابرات الحربية وطلبنا الناس اللي قالولنا إن هاني اتوفى للشهادة، وما حصلش حاجة”، تقول الزوجة.

علمت الأسرة أن جلسة المحكمة العسكرية للقضية المتهم فيها صاحب الشركة ستعقد يوم 28 أكتوبر 2015، فتوجهت لمقر المحكمة على أمل أن يجدوا هاني بين المتهمين وللسؤال عن مصيره مرة أخرى. “كل المتهمين أكدولي إنه اتوفي من التعذيب، وقالولي إنهم اتعذبوا وفضلوا متغميين، وإنهم قالوا كده في جلسة المحكمة”،  يقول محمد صلاح شقيق زوجة هاني.

يصف مختار منير، المحامي الحقوقي ووكيل المدعين في قضية هاني عبد الستار، الأمر بأنه اختفاء قسري، وإن صحت رواية الشهود فهو تعذيب أفضى إلى موت، وهو ما تقدم بناء عليه ببلاغ آخر للنائب العام، بالإضافة إلى البلاغ الذي قدمته الأسرة قبل ذلك.

يقول “منير”: “طلبنا فتح التحقيق لأن هناك ثلاثة شهود قالوا إن هاني كان موجودًا معاهم في مبنى الجهة السيادية، وتوفى في اليوم الثالث، وعلى النيابة العامة أن تستدعي هؤلاء الأشخاص الثلاثة، خاصة أنهم على ذمة قضية، وأن تفتح تحقيقًا رسميًا معهم، وهم عندهم استعداد للشهادة، وطبقا لرواية محاميهم فقد قالوا هذا في محضر الجلسة، لكن المحامين لم يتعاونوا في إعطائنا ورق القضية أو محضر الجلسة التي شهد فيها هؤلاء الأشخاص”.

البلاغ، حسب “منير”، لم يتهم أشخاص بشكل واضح، ما طلبوه هو التحقيق في اختفاء شخص تم اختطافه، وهناك شهود على وفاته، إلا أن القضية حُفظت، ما دفع الأسرة للتقدم بتظلم لإعادة فتح التحقيق، وبالفعل أعيد فتح التحقيق في ديسمبر الماضي، وحفظ مجددًا، لكن النيابة العسكرية ترفض طلب استدعاء الأشخاص الثلاثة للشهادة، كما أن المدعي العام العسكري رفض استلام بلاغ من الأسرة.

كل ما تريده زوجة هاني أن تعرف “لو عايش هو فين، ولو ميت يدونا جثته، إحنا مش عايزين حاجة تانية، أنا مش عارفة أنقل العيال من المدرسة ولا عارفة أعمل أي ورق، ولو مات بس العيال يعرفوا إن أبوهم مات”.

بحسب الزوجة، قبل اختفاء هاني بأربعة أيام، طلب منها أن تذهب بالأولاد إلى ميدان التحرير للمشاركة في الاحتفالات بافتتاح “قناة السويس الجديدة”، لأنه كان من محبي الرئيس عبد الفتاح السيسي، واعتاد أن “يضرب له تعظيم سلام” أمام صورته التي وضعها على باب الغرفة، تقول الزوجة، “هو ما يعرفش حاجة عن الشركة دي، هم قالوله تعالى اشتغل معانا ساعي، وكان عايز يزود دخله عشان يعلم العيال كويس”.

تضطر حنان الآن للعمل، بالإضافة إلى حراسة العقار، في التنظيف والطبخ بالمنازل لتدبير مصاريف الأسرة.

التعذيب في النيابة

رغم مأساة حنان، فهي تعيش على أمل أن تجد زوجها أمامها في أي لحظة، لكن أم عادل عبد السميع أيقنت أنها فقدت ابنها بعد أن تسلمت جثته بما عليها من آثار تعذيب ووارتها الثرى قبل خمسة أشهر، وبدأت رحلة المطالبة بالقصاص.

في الرابع من أكتوبر الماضي، اشترى عادل عبد السميع، 28 سنة، “نجار أرزقي”، هاتفًا محمولًا مغلقًا من أحد البائعين الجائلين، دفع ثمنه 200 جنيهًا، حسبما تقول نجوى، شقيقة عادل، وحين فتح الهاتف جاءته مكالمة من صاحب الهاتف الذي اتضح أنه كان مسروقًا، وطلب استعادة الموبايل، وافق عادل مقابل أن يحصل على الثمن الذي دفعه. لم يكن يعلم أن صاحب الهاتف قد أعد له كمينًا، حيث أنه بمجرد استلامه الهاتف، ظهر أمين شرطة وألقى القبض على عادل، واقتاده إلى قسم شرطة المطرية، وتحرر ضده محضر بالسرقة.

قضى عادل 19 يومًا في الحجز، وفي كل مرة كانت الأسرة تذهب لزيارته يجدونه “مضروب ومتبهدل.. بعد أسبوع من حبسه جالنا وشه أزرق وعامل زي لوح الخشب وعينه وارمة، لما سألناه مين اللي ضربك ما ردّش”. تضيف نجوى أن من كان يحضره من الحجز أحد المحتجزين وليس فرد شرطة، وفي إحدى المرات وجدوا علامات خنق على رقبته، علموا لاحقًا من زملائه بالحجز أنها محاولة  لخنقه بفوطة، وأخبروهم أيضًا أنه مُنع عنه الطعام والشراب.

في 21 أكتوبر الماضي، اليوم السابق على موعد تجديد عرضه على النيابة، ذهبت الأسرة فوجدت عادل يبدو عليه التعب، حاولوا الاستنجاد بأفراد شرطة القسم لإدخال مضاد حيوي له، لكنهم نهروهم وطردوهم قائلين: “روحوا.. إحنا عارفين شغلنا”، حتى أن الابن بكى أمام والدته طالبًا طبيب للكشف عليه، ولم تستطع فعل شيء، وفقا لرواية الأسرة.

في اليوم التالي كانت المرة الأخيرة التي يرون فيها عادل في نيابة العباسية، حيث وجدوه حافي القدمين ويرتدي الملابس الداخلية وفوقها جاكيت. تقول الأم: “كان شكله مرعوب وخايف يكلمنا وكان متبهدل خالص”. في المساء تلقت الأسرة اتصالًا هاتفيًا يفيد بأن عادل مريض جدًا، ذهبوا إلى القسم، لم يفدهم أحد، حتى أخبرهم أهالي محتجزين آخرين أنهم رأوا عادل “ميت وبينقلوه على مستشفى المطرية”. وبالفعل ذهبت الأسرة ووجدته في المستشفى جثة هامدة وعلى جسمه آثار إطفاء سجائر وكدمات، فقاموا بتصوير الجثة بالموبايل، وتقدموا ببلاغ للنيابة بمقتل ابنهم أثناء احتجازه في القسم.

طلبت هدي نصر الله، المحامية والباحثة القانونية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ووكيل المدعين في قضية عادل عبد السميع، الاطلاع على ورق القضية، لكن النيابة تعنتت في أن تمنحها نسخة من الأوراق، بصعوبة اطلعت عليها في بداية توليها القضية، على حد قول المحامية.

وأضافت “نصر الله”: “وكيل النيابة رفض إني أصور الورق، ورفض إني ادّعي بالحق المدني عشان يقفل الباب إني أستأنف على قرار النيابة لما يصدر، النيابة عايزة تمشيها إن الآثار على جسم الولد مرض جلدي ومش سجاير، وإن المرض الجلدي موته لأنه كان ضعيف وما بياكلش”. اضطرت “نصر الله” لتقديم طلب نسخ ملف التحقيقات لرئيس النيابة، ورغم موافقته لم يُنفذ، ولم تتمكن من تصوير بعض الأوراق إلا بعد أشهر، ومنعت من تصوير تقرير الطب الشرعي النهائي رغم صدوره.

وفقًا لما اطلعت عليه نصر الله من التحقيقات في البلاغ الموجه ضد مباحث قسم المطرية، حقق وكيل النيابة مع أكثر من متهم في الحجز، قالوا إن في الحجز مسلحين ومسجلين خطر، بعض هؤلاء المحتجزون يضعون مخدرات في الشاي لكل محتجز جديد “عشان يدمنوا ويبقوا تحت سيطرتهم، وعادل مش أول واحد يتحطله برشام، بالإضافة إلى أن الحجز زحمة جدًا، وبلاطة النوم بـ 200 جنيه في اليوم وياخد أكله وشربه، ولو ما دفعش يتمنع عنه الأكل والشرب ويتضرب، والضرب ممكن يوصل للموت”.

كما علمت نصر الله من المحامي الذي سبقها في متابعة قضية السرقة أن صاحب الموبايل لم يعترف أن عادل هو السارق، وبالتالي هي ترجح أن القبض عليه وتعذيبه جرى لإجباره على الاعتراف بهذه السرقة وربما بسرقات أخرى “لتقفيل المحاضر المفتوحة عندهم”، على حد قولها.

تضيف “نصر الله” أنه وفقًا للتحقيقات كان هناك تفتيش دوري على القسم والحجز من النيابة، ولكنه لم يكشف عن المخدرات والأسلحة البيضاء التي خرجت لاحقًا من الحجز، وهذا يعني أن “النيابة مقصرة”، ويعني أن هناك “بيزنس” بين بلطجية الحجز وأفراد شرطة بالقسم.

وترى المحامية أن القسم مسئول في حالة تعذيب عادل مباشرة أو في حالة السماح للبلطجية بالاعتداء عليه، ولكنها ترجح تعذيبه مباشرة من أفراد بالقسم لعدة أسباب، منها أن تقرير المعمل الجنائي نفى وجود المخدرات بجسم الضحية، كما أن النيابة لم تحقق مع المحتجزين المتهمين بضرب عادل، كما أن هناك شهادة غير رسمية وصلت للأم بأن المباحث كانت تعيد عادل مضروبًا للحجز، كما لا يوجد حرق بالسجائر في عرف المساجين، والسبب الأخير أن التقرير الطبي النهائي أفاد بأن هناك آثار تعذيب على جسد عادل، وأن سبب الوفاة الإعياء الشديد، رغم أن أسرته حين رأته في جلسة التجديد قبل وفاته بساعات لم يبدو عليه الإعياء الشديد الذي قد يودي بحياته، لكن النيابة أيضًا لم تحقق حول آثار التعذيب تلك، بل حفظت القضية بتاريخ 3 فبراير وتم تأييد القرار بتاريخ 16 فبراير دون إعلام المحامية أو الأسرة.

وقفت الأم المسنة في 6 مارس الماضي برفقة بناتها ومعهم مجموعة من المحامين الحقوقيين، أمام مكتب المحامي العام لنيابة شرق القاهرة، يطلبون الدخول لتقديم بلاغ لإعادة التحقيق في القضية، ولكن المسئولون عن حراسة المكتب والضباط منعوهم من الدخول. انهارت الأخت الكبرى صارخة “إحنا مش خارجين”، فأرسلوا لهم أفراد من الأمن المركزي، لتسقط الأم مغشيًا عليها بنوبة سكر إثر “البهدلة”، وعندما حاول مرافقوها إجلاسها على مقعد، جاء أحد الضباط وركل المقعد بعيدًا. ولإنهاء الموقف، ألقى أفراد الأمن القبض على زوج إحدى البنات، الرجل الوحيد مع سيدات الأسرة، للمساومة على مغادرة المكان، وبالفعل استجابت الأسرة وغادرت دون تقديم البلاغ.

تقول “نصر الله” إن كل قضايا التعذيب التي عملت عليها كان الإثبات فيها صعبًا، وبالتالي الأحكام قليلة جدًا. وتضيف: “لو كان الاعتداء تم بالمقايضة أو بالاتفاق مع المباحث تكون العقوبة مدنية وليست جنائية، وفي حالة الاعتداء المباشر أو الأمر بالضرب، يكون تحريضًا على القتل أو قتل مباشر”.

فيما تضيف ماجدة عدلي، الطبيبة ومدير مركز النديم للعلاج وتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، أنه من خلال خبرتها في الأعوام الثلاثة والعشرين التي عملت فيها على قضايا التعذيب عوقبت نسبة ضئيلة جدًا من الجناة، وقد يكون الحكم ثلاث سنوات فقط، وهي من “أقسي” العقوبات التي شهدتها، ويستخدم القضاة الرأفة مع المتهمين لتخفيف الحكم أو وقف تنفيذه، وقد يعود المتهم إلى عمله بعد قضائه العقوبة مثلما حدث مع إسلام نبيل، الضابط المتهم بتعذيب عماد الكبير، أو ينقل أو يفصل، ويكون من حقه العمل في النيابة أو القضاء.

كان عادل عائل أسرته، فبعد زواج أخواته البنات الكبريات، كان يعيش مع والدته وأخته وأخيه الأصغر. تقول الأم التي لا تزال تفتح بيتها للعزاء، إن جنازة الابن “كانت زفة، كأنها زفة عريس.. حتى الشاي والسكر بتوع العزاء الجيران جابوه.. إحنا كنا بننام والشباك مفتوح على حِسه، من ساعة ما مات والشباك ما بيتفتحش”. وتضيف نشوى، الأخت الأصغر والأكثر ارتباطًا به: “إحنا مش مصدقين، إحنا مش عارفين ننام من غير مهدئات، اللي كنا بنتفرج عليه في التليفزيون حصل فينا، لما قالوا على المحامي (كريم حمدي) إنهم مسكوه وقطعوله لسانه وموتوه قولنا إيه الافترا ده، دي الشرطة هي اللي سهرانة علينا، ده إحنا شيلناهم أيام الثورة على دماغنا عشان نرفع معنوياتهم، ده جزاتنا”.

تقريران للطب الشرعي

في عام 2010 ألقي القبض على أحمد محمد إبراهيم، 23 عامًا، لاتهامه بسرقة “حلق”. وقال والده، مفتش نقل على المعاش، إن مباحث قسم المطرية برئاسة العقيد وائل طاحون، الذي أغتيل لاحقًا في أبريل من العام 2015، قد لفقوا له القضية، حيث وجدوا معه 300 جنيهًا، كانت “فلوس الدروس بتاعته”، فاتهموه بالسرقة.

صدر الحكم في 2012 بحبس أحمد ثلاث سنوات، قضى منها سنتين وشهرين فقط لحسن السير والسلوك، ثم خرج من سجن برج العرب في الإسكندرية، ونُقل إلى قسم الخليفة ومنه إلى قسم المطرية استعدادًا لإخلاء سبيله بعد استصدار صحة الإفراج عنه. تعطلت الإجراءات بسبب تزامن وقت خروجه مع تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في صباح يوم 14 يونيو 2014 سلم الأب صحة الإفراج في القسم، ثم توجه في موعد الزيارة العادية في المساء وقام بتسليم أحمد بعض الطعام والملابس، لاحظ الأب أن هناك “صهد” في الحجز فحاول التحدث مع أحد الضباط خوفًا على صحة ابنه، لكنه نهره وضربه على كتفه قائلًا بسخرية: “هاتلُه دكتور”، عاد الأب وسأل أحمد عن صحته، فأخبره أنه “كويس مفيش حاجة”، ورحل في حوالي العاشرة والنصف مساءً. وفي صباح اليوم التالي توجه الأب إلى القسم لاستلام ابنه فوجده جثة هامدة.

اتهم الأب في بلاغ للنيابة الضابط النباتشي بالقسم، حسام حنفي، بقتل ابنه.

أفادت شهادات بعض المحتجزين ضمن 67 محتجزًا في حجرة واحدة، وفق تحقيقات النيابة، والتي حصل “مدي مصر” على نسخة منها، بأن الحجز كان متكدسًا وخانقًا، وأن المحتجزين كانوا يدوسون بعضهم البعض، وفي نفس يوم وفاة أحمد أصيب أحد المحتجزين بحالة اختناق ونُقل إلى المستشفي، أما أحمد الذي تناول طعامه مع زملاءه، وجدوه “تعبان” بعدها بقليل من الوقت، فنادوا المسئولين بالقسم الذين أحضروا مسعفًا كان موجودًا بالصدفة لعلاج المحتجز المختنق، ثم علم زملائه لاحقًا بوفاة أحمد.

نفى المحتجزون الواردة شهادتهم في التحقيقات تعرض أحمد للاعتداء داخل الحجز أو خارجه قبل تعبه، أما الضابط الذي اتهمه الأب، والذي كان قد ضربه على كتفه قبل ذلك بيوم، نفى وجوده وقت تعب أحمد.

صدر تقرير الطب الشرعي المبدأي، والذي اطلع “مدى مصر” عليه، في سبتمبر 2014، بوجود كدمات وسحجات في الأنف والجبهة وأسفل العين وفي منتصف الرأس، لكن دون كسور أو نزيف داخلي، كما أشار التقرير إلى وجود نزيف في المخ ونزيف واحتقان في الرئة، بالإضافة إلى احتقان في القلب.

في فبراير الماضي، أي بعد حوالي عام وثمانية أشهر من حدوث الواقعة، صدر التقرير النهائي للطب الشرعي، لكن لم يتمكن أحد من الحصول عليه، حتى محامي أسرة الضحية، أحمد الحسيني، الذي تمكن فقط من معرفة محتواه عن طريق وكيل النيابة قبل حفظ القضية، وكان سبب الوفاة في التقرير “أزمة قلبية”.

يرجح “الحسيني” وفاة أحمد نتيجة سوء الوضع بالحجز والتكدس، لأنه لم ترد شهادات بالاعتداء عليه من زملاءه بالحجز، ولكنه لا يستطيع الجزم بالأمر، لأنه ربما يكون  “المحتجزين خافوا يتكلموا”.

تقول الدكتورة ماجدة عدلي إن كثير من التقارير الطبية غير مهنية، ولا يتم فحص الجثة كاملة، وأحيانًا يعتمدون على تقارير الوفاة من المستشفيات، وهي غير كافية، وفي النهاية تقارير الطب الشرعي تعد قرينة وليست دليلًا، فالدليل الوحيد في القانون هو اعتراف المتهم نفسه، كما أنه لا يوجد في القانون ما يعاقب المتواطئ أو من شهد وصمت، وبالتالي حتى لو كانت التقارير الطبية صحيحة قد تُحفظ القضايا.

وتشير “عدلي” إلى أن التشريح الطبي بعد الوفاة يُحدد وفقًا للإصابات وقت الوفاة والأدوات المستخدمة المتسببة في الوفاة، وهناك بعض الإصابات يجب الكشف عليها سريعًا خاصة تلك التي تكون في الجلد والأنسجة التي تتحلل بعد وقت من 24 إلى 48 ساعة، وفيما عدا الكسور أو الطلقات النارية، قد لا يكون التشريح دقيقًا لو كان متأخرًا، في النهاية فإن السحجات والكدمات ليست قاتلة، ولكنها تشير ربما لوجود نزيف داخلي بالمخ أو بالرئة، أو نتيجة توقف عضلة القلب في حالة الصعق الكهربائي، لافتة إلى أن آثار الصعق تشبه علامات إطفاء السجائر، وهي أكثر وسيلة تستخدم في التعذيب لصعوبة إثباتها.

تضيف مديرة النديم أن التقرير النهائي للطب الشرعي في أي مكان بالعالم يصدر خلال أسبوع على الأكثر، لكن في مصر قد يأخذ الأمر سنوات ولا يكون التقرير صحيحًا بالضرورة. وتفسر ذلك بأن الأطباء الشرعيين في مصر لا يتعدون المائة طبيب بسبب مشقة العمل وعدم وجود حوافز وإعارة الكثير منهم للدول العربية بسبب النقص الشديد للأطباء الشرعيين هناك، كما أنه هناك نقص في الخبرة ونقص في الإمكانات الأساسية البسيطة مثل الخيط أو المشارط أو الكاميرات لتصوير التشريح، مثلًا مشرحة زينهم التابعة لمصلحة الطب الشرعي لا يوجد بها ثلاجة لحفظ الجثث، وهي الوحيدة التي تغطي القاهرة الكبري، بينما تغيب المشارح عن بعض المحافظات.

وتشير “عدلي” إلى معضلة التداخل بين السلطات في عمل الطب الشرعي، فالأخير تابع لوزارة العدل، وهي جهة تنفيذية، المفترض أن تكون تابعة لسلطة القضاء أو سلطة مستقلة، مؤكدة أن الجهة التي تقوم بجمع الأدلة الجنائية لا بد أن تكون جهة تابعة للقضاء، خاصة عندما يكون المتهم موظف رسمي في الدولة، من أجل الشفافية حتى لا يتهموا بالانحياز للداخلية، كما يفترض أن تبقى النيابة مستقلة.

قبل اتهام أحمد في قضية السرقة كان طالبًا في قسم التكييف والتبريد بمعهد المطرية، هو الابن الوحيد لوالده، خاصة وأن الأم والأخت الأكبر تعيشان في محافظة البحيرة. يعيش الأب الآن بمفرده، وحين اقترح عليه محاميه أن يطالب بتعويض قال له: “أنا مش عايز فلوس، هاعمل إيه بالفلوس، أنا معاشي كنت محوشه عشان أجوز أحمد، ولما عرف إني هاجوزه فرح، وأديني قاعد في الشقة اللي كنت هاجوزه فيها لوحدي”. لم يكن لأحمد أي علاقة بالسياسة، وكان والده يخاف عليه حتى من المشاركة في التظاهرات، والمرة الوحيدة التي نزل بها التحرير كان للاحتفال مع الجيش الذي احتفظ بلقطات مصورة مع بعض جنوده، يقول الأب “ده أنا والله انتخبت السيسي عشان البلد تمشي صح”.

اعلان
 
 
هدير المهدوي