Define your generation here. Generation What
خمسة أيام حرجة في 10 شارع النبراوي
 
 

كان مصطفى نصار نائمًا في ورشته للنسيج الواقعة على أحد جوانب المبني عندما انهار الجانب الآخر. وقع بسرعة وفي هدوء، لكن الأمر لم يكن مفاجئًا. حدث ذلك يوم الأربعاء 6 أبريل بعد التاسعة صباحًا بقليل، وفي الحادية عشرة مساء الليلة السابقة كان مصطفى قد بدأ يحذر بقية السكان وناظر المدرسة المجاور من وجود خلل ما. كان قد رأى حجارة تتساقط من أعلى خمسة طوابق على واجهة جانب من المبني معروف أن به نشعًا مائيًا وشقوقًا ظاهرة. والآن استيقظ  مصطفى على صراخ سيدات يقفن بالأسفل في الحارة، من سكان شقة لم تعد موجودة فجأة.

لم يصب أحد بفضل تحذير مصطفى، وأيضًا لتأخر اثنين من العاملين على عملهم في ذلك اليوم. كانت خسارة البعض دائمة ومباشرة أكثر من البعض الآخر، لكن بشكل عام كان أثر الانهيار أقل بكثير من المتوقع، كما كان أضيق نطاقًا مما أوحت به أولى الصور والأخبار المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي. الجزء المنهار فعليًا كان الزاوية التي تقع على يمناك إن كنت تقف بمواجهة مدخل المبنى، شق على الجانب الجنوبي الشرقي لا يتجاوز سدس البناء بأكمله. خلف فراغًا أملس على نحوٍ شبه عبثي، وكأن طرفًا قد استؤصل تاركًا زاوية قائمة من الجدران الحاملة والأبواب المغلقة، ليشكل ندبة على أنسجة دواخل المبنى المكشوفة.

تجنب السكان الخسائر بالمبيت لدى الأصدقاء والأقارب، لكن الجميع شعر أن المبنى لا يزال ثابتًا وسرعان ما بدأوا الحديث عن كيفية إصلاحه. لكن على مدار الأيام الخمسة التالية زاد تعقيد الموقف وحدته بسبب تدخل عدة جهات حكومية بدأت تتهافت بسبب انهيار جزئي بسيط بالمبنى.

Diagrams by Mido Sadek, using images © Elke Uitentuis & Wouter Osterholt (project and exhibition Model Citizens at Townhouse 2008-09)

رسم بياني لميدو صادق باستخدام صور من تصوير إلكه يوتينتويس ووتر أوسترهولت (مشروع Model Citizens بالتاون هواس 2008-2009)

رسم بياني لميدو صادق باستخدام صور من تصوير إلكه يوتينتويس ووتر أوسترهولت (مشروع Model Citizens بالتاون هواس 2008-2009)

View of Townhouse from the Talaat Harb Technical Industrial School For Girls by Mido Sadek

صورة للتاون هاوس من مدرسة طلعت حرب الفنية الصناعية بنات، تصوير ميدو صادق

صورة للتاون هاوس من مدرسة طلعت حرب الفنية الصناعية بنات، تصوير ميدو صادق

يعرف الكثيرون عمارة رقم 10 بشارع النبرواي بوصفها مبنى تاون هاوس، لكن نظرًا لتأسيسه عام 1998 يعد المعرض أحد أحدث المستأجرين. وطبقًا لكتاب نشر عام 2015 بعنوان “وسط البلد القاهرة: عمارة وقصص” والذي حررته فيتوريا كابريزي وباربرا بامبي، يظل عام إنشاء هذا المبنى ونوع عمارته الذي يشبه “قصرًا صغيرًا قائم بذاته” غير معروفين. لكن الكتاب ينقل على لسان السيدة م. التي عاشت في المبنى حتى عام 1958 وكانت تلعب كما تذكر تنس الطاولة في صالون العائلة -المكان الذي أقيمت فيه لاحقًا مكتبة تاون هاوس- أن تاريخ بنائه يعود تقريبًا إلى عام 1902.

تحول المبنى إلى مساحة مختلطة بين السكني والتجاري، كما هو شائع في وسط البلد. وبالإضافة إلى المؤسسة الفنية التي تحتل أربع شقق في ثلاثة طوابق، هناك اليوم شقق تعيش بها أربع أو ست أو ثماني عائلات (يختلف الرقم باختلاف من تسألهم)، واثنتا عشرة ورشة مكدسة على جوانب الطابق الأرضي بالمبنى، تفضي إلى حارة صغيرة تتسع بالكاد للمشي.  يدير هذه الورش عمال تصليح سيارات ونجارون وأصحاب حرف أخرى اتخذوا المكان مقرًا لهم منذ نصف قرن أو أكثر.

يقول عطية عبد العزيز صاحب ورشة السروجي: “أنا أعمل في هذه الزاوية منذ عام 1973.” يحظى عبد العزيز بسلطة ناعمة على باقي الرجال، ويعمل مستخدمًا ماكينة سنجر للخياطة التي صارت قطعة من الأنتيكا. لديه معرفة واسعة بتاريخ الحي منذ أن كان أغلبه يهوديًا، وبعدها عندما أصبح أغلبه أرمينيًا، كما يعرف هذا المبنى تحديدًا جيدًا، منذ أن كان مقر حزب الوفد الأصلي وعندما كان رئيس الوزراء مصطفى النحاس يتردد عليه.

كانوا قد جاؤوا بخمسة أطنانٍ من المواد تقريبًا إلى شقة بالطابق الثالث للقيام بتصليحات دون الاستعانة بالمحترفين، ويقال إن هذا كان السبب في انهيار الأساس الذي أفسده نشع الماء، حيث سقطت هذه الشقة وشقتان أخريان مع هذا الثقل لتسحق أجزاءً من ملحق تاون هاوس الذي افتتح حديثًا في جاليري الدور الأول ويُدفن تحتها اثنان من محلات إصلاح السيارات. ربما بسبب الصدمة الجماعية، أو عدم جدوى إلقاء اللوم على شخص لا تقل حالته سوءًا عنك، أو بدافع التضامن وحسب، لم يظهر أي سوء نية تجاه هؤلاء السكان من الدور الثالث، حتى عندما تبين أنه كان يمكن تجنب الانهيار تمامًا وأن الانهيار لسوء الحظ سرّع من وقوع البيئة الهشة في هذه الحارة تحت رحمة السلطات. واجه الناس الانهيار في بسالة وهم يتجاوزون سريعًا مرحلة التنظير لتكوين جبهة موحدة وعملية.

أنور محمد علي بائع قطع غيار السيارات وزينب عالم التي عاشت عاش طوال حياتها في 10 شارع النبراوي

أنور محمد علي بائع قطع غيار السيارات وزينب عالم التي عاشت عاش طوال حياتها في 10 شارع النبراوي

الصف الأمامي من اليسار: محمود "ميدو" علي محمود، عطية عبد العزيز. الصف الخلفي من اليسار: حسن محمود حسن، أحمد "صعيدي" عبد التواب أحمد

الصف الأمامي من اليسار: محمود “ميدو” علي محمود، عطية عبد العزيز. الصف الخلفي من اليسار: حسن محمود حسن، أحمد “صعيدي” عبد التواب أحمد

بقي معظم عمال الحارة في المبنى بعد انهياره. وكانت دوافعهم واضحة: هذا كل ما يملكونه وكل ما يعرفونه، كما كانوا خائفين من سرقة ممتلكاتهم أو إغلاق السلطات لمحالهم دون إنذار. كان يجب الاستمرار في العمل المتعطل بسبب الانهيار. نظم الرجال أنفسهم بحيث يعملون لنوبات مطولة ليلًا ونهارًا. ونظرًا لانقطاع الماء والكهرباء عن المبنى، نقلوا عملهم إلى الحارة، واستمروا في العمل ليلًا تحت أعمدة النور بالشارع ذات الضوء البرتقالي المُصْفَر الكثيف. بعد الفحص الأولي للمبنى وتشميعه من قبل البلدية يوم انهياره مباشرة اضطر أصحاب المحال والعمال جميعهم إلى توقيع استمارات إخلاء مسؤولية تؤكد أنهم باقون هناك على مسؤوليتهم. لم يكن هناك بديل آخر سوى الرحيل، وكان جميعهم يرى أن هذا ليس بديلًا أصلًا.

يقول محمود “ميدو” محمد علي: “إن أقدم من عاشوا هنا جدي الذي جاء عام 1952، ثم والدي، ثم أنا.” ورشة ميدو لا تزال مدفونة تحت الحطام إلى جوار سيارة ودراجة نارية كان يعمل عليهما ويتحمل مسؤوليتهما. الوضع بالنسبة لميدو سيء بالفعل، لكن كان يمكن أن يكون أسوأ لو لم يتأخر أبوه علي وأخوه شريف على العمل ذلك اليوم لحسن الحظ.

يقول عطية: “لن نجد أبدًا مكانًا مميزًا مثل هذا. طالما كانت هذه المنطقة مليئة بالحرفيين، وكل محل يشغّل من 15 إلى 20 عاملًا، وبعضهم من المغتربين.” ويضيف متحدثًا عن محله المتواضع: “قبل خمس أو ست أو سبع سنوات كان لديّ الكثير من العمال أيضًا. لكن الآن لدي عاملًا واحدًا فقط وكل ما يشغلني هو أن أتمكن من دفع راتب هذا العامل الوحيد.”

أما ورشة أحمد “صعيدي” عبد الوهاب أحمد لدهان السيارات، والتي يتشارك فيها مع ولديه الشابين محمد وعبد الوهاب، فهي مخزن صغير في نهاية الزقاق وتقع بين المبنى وحائط يفصلها عن المدرسة المجاورة وإحدى العمارات الكبيرة. لم يقع ضرر يذكر على ورشته، لكنها صارت معزولة وراء تلال مرتفعة من الحطام حاصرت سيارة أحد زبائنه أيضًا. يقول:  “كبرنا في هذا الحي وعشنا هنا طوال حياتنا. زبائني يأتون هنا. وحتى لو تمكنت الحكومة من توفير بدائل لنا، سينقلوننا إلى آخر الدنيا.”

ويقول أنور محمد علي بائع قطع غيار السيارات: “عندما كنت في المدرسة كنت آتي إلى ورشة والدي. كانت تقع في هذا المكان الذي تهدم [في الانهيار]. وفي عام 1981 توليت إدارة هذه الورشة [التي لا يزال معظمها بحالة جيدة]، ولقد قضيت حياتي هنا. إن لم نتمكن من ترميم المبنى وتقرر هدمه، أين سأذهب إذن؟ سأبني كشكًا وأبقى فيه هنا إذا لزم الأمر.”

من اليسار إلى اليمين: حسن محمود حسن مع أحد الجيران، تامر أنور وأسامة محمد أحمد الشافعي، وصعيدي ومن ورائه ولديه محمد وعبد التواب أحمد عبد التواب، وأنور محمد علي ومن ورائه معروف عبد الواحد، وعطية عبد العزيز وميدو صادق.

من اليسار إلى اليمين: حسن محمود حسن مع أحد الجيران، تامر أنور وأسامة محمد أحمد الشافعي، وصعيدي ومن ورائه ولديه محمد وعبد التواب أحمد عبد التواب، وأنور محمد علي ومن ورائه معروف عبد الواحد، وعطية عبد العزيز وميدو صادق.

محل أنور محمد علي لقطع غيار السيارات

محل أنور محمد علي لقطع غيار السيارات

محمد أحمد عبد التواب وحسن محمود حسن وعبد التواب أحمد عبد التواب

محمد أحمد عبد التواب وحسن محمود حسن وعبد التواب أحمد عبد التواب

لم يكن هناك متسع من الوقت للتفكير في المستقبل البعيد، حيث باغتت الشرطة الجميع بزيارة مفاجئة في الثامنة من صباح السبت. كان قد مضى ثلاثة أيام على الانهيار، وكان أهل الحارة في انتظار مساعدة الجيش لإزالة الحطام. لكن بدلًا من ذلك جاء عشرات من ضباط الشرطة بالزي الرسمي ليعلنوا أنهم سيهدمون المبنى. لم تكن معهم أي تصاريح بذلك. ونتج عن ذلك مواجهة ما بين السكان والشرطة امتدت حتى العصر. بعد ساعات من الصراخ والبكاء والتوسل من جهة، والصياح والاستهزاء والتهديد من الجهة الأخرى، أمهلوهم حتى صباح اليوم التالي لإخلاء المبنى قبل هدمه.

تطلع باقي السكان إلى تاون هاوس ليروا إن كان أحد من الجاليري سيدخل المبنى بعد فك الشمع من عليه لإخراج محتوياته، وقد نزع العاملون في الجاليري في البداية إلى المقاومة لأسباب أيدلوجية، لكن الاستسلام أمام التهديد كان أهون من خطر فقدان الأرشيف والمكتبة—وفيهما أعمال لا يمكن تعويضها من نتاج جهود المؤسسة والعديد من الفنانين لما يزيد عن 15 عام. وهكذا وقبل حلول المساء، اتخذوا قرارًا بإخلاء المكان الذي احتله تاون هاوس منذ تأسيسه. استجاب المتطوعون للنداء على مواقع التواصل الاجتماعي وحضروا لمساعدة العاملين في نقل المكتبة والمكاتب والأرشيف إلى “فاكتوري سبيس” المجاور، والذي يستأجره تاون هاوس من شركة الإسماعيلية لتطوير العقارات. كون الناس سلسلة بشرية تبدأ من الطابق الثالث بالمبنى، مرورًا بالسلالم وبطول الحارة وصولًا إلى “فاكتوري سبيس.”

السكان يخلون المبنى يوم 11 أبريل

السكان يخلون المبنى يوم 11 أبريل

من عمارة رقم 10 شارع النبراوي فوق قهوة منير

من عمارة رقم 10 شارع النبراوي فوق قهوة منير

كان صباح الأحد ربيعيًا وجميلًا وكأنه يهزأ من حالة الهياج التي سادت في الساعات الماضية. وكانت الحارة هادئة والعصافير تقف على شجرة التوت أمام ورشة تاون هاوس، والناس يرشفون النسكافيه والشاي في قهوة منير التي ظلت مفتوحة للزبائن. افتتحت القهوة قبل 25 عامًا في شريط ضيق من الحارة ما بين عمارة رقم 10 بشارع النبراوي وجراج سيارات، أمام “فاكتوري سبيس” مباشرة. ولو كنت تجلس ملاصقًا للحائط على ناحية التاون هاوس قد تحميك بالكاد شرفات المبنى في حالات المطر النادرة من البلل. وفي الليالي المزدحمة يقوم زبائن المقهى الأوفياء بمد كراسيه إلى داخل الحارة في المكان الذي كانت تحتله قهوة التكعيبة الاكبر حجمًا، وهي نقطة التجمع السابقة في الحارة والتي اشترتها شركة الإسماعيلية وأغلقتها منذ عامٍ بالضبط، في الأول من أبريل 2015.

وصلت أخبار جديدة جعلت الجميع يتنفس الصعداء. أعلن سيلٌ من الرسائل والمنشورات على فيسبوك من مصادر مختلفة أن عمارة 10 بشارع النبراوي تحت الحماية وفي انتظار تقرير اللجنة الفنية. كان ذلك خبرًا هائلًا لو استطاع الناس تصديقه، لكن نظرًا لسير الأمور بطريقة غير متوقعة استقبل الناس سكون العاصفة بشيء من الحذر.

من أمام المبنى يوم 11 أبريل

من أمام المبنى يوم 11 أبريل

لم يستمر الأمان الظاهري بوجود أوراق رسمية تدعم موقف السكان طويلًا، ففي الصباح التالي، يوم الإثنين 11 أبريل، أغلق اثنان من مداخل الحارة الثلاثة على يد قوات الأمن المركزي، المسلحة ببنادق آليه وقاذفات الغاز المسيل للدموع مع ثلاث مدرعات إضافية للتعزيز. رفضت الشرطة الاعتراف بقرار تأجيل الهدم الجديد أو تقديم ما لديهم من تصريح بالهدم. أجبروا السكان الذين نجحوا في التسلل إلى المبنى على الخروج، واحتلوا المبنى وأشاروا لمجموعة من العمال بالدخول، وكانوا شبابًا لم يتجاوزوا العشرينات من عمرهم يرتدون شباشب ويحملون مطارق هدم ومعاول وجواريف. هدم هؤلاء العمال دواخل كل غرف المبنى وأجزاء من البناء الخارجي، وأخذوا ينزعون الأراضي الخشبية ويكسرون البلاط والأسمنت، ويهشمون الزجاج ويزيلون الشرفات. ولأنهم قد أزالوا النوافذ أو فكّوها في زيارتهم السابقة قبل يومين كان صوت الهدم مسموعًا عن بعد.

قالت يسرا منير، التي تسكن في الدور العلوي وفقدت إحدى غرفها في الانهيار، إنهم عندما استلموا القرار الرسمي بوقف قرار الإزالة الأول “كنا سعداء جدًا، ظننا أن هذا القرار أنقذنا. قلنا إننا سوف نعلق المستند على أبوابنا وهكذا لن يتمكن أحد من الدخول.” بعد طردهم من المبنى يوم الإثنين سلمت يسرا نسخ من الشهادة نسختها بنفسها لباقي السكان المبعثرين بين عشرات المواطنين المجتمعين في الحارة. حاولت لساعات إقناع الشرطة بالمنطق حتى وهم يصيحون في وجهها قائلين: “لن يفيد ذلك. هذه مجرد ورقة.”

توجهت وسائل الإعلام وآخرون ممن يوثقون الحدث إليها. كلما زاد انهيار أصدقائها وعائلتها وزاد بكاؤهم وفقدوا اتزانهم كانت يسرا تبدو أكثر قوة وتركيزًا. سألتها لاحقًا عن سبب وقوفها للدفاع عن الجميع. سكتت برهة ثم قالت إنها لم تكن مدركة أن هذا ما فعلته، لكن قد يكون ذلك رد فعل على ما شعرت به من عجز في أحداث جبل سانت كاترين. اتضح أن يسرا كانت ضمن الناجين من المأساة التي تصدرت عناوين الأخبار في فبراير عام 2014، حيث علق ثمانية من الشباب كانوا يصعدون الجبل في عاصفة ثلجية جنونية بالقرب من دير سانت كاترين في سيناء، وجاءت محاولات الإنقاذ متأخرة. لم يخرج أربعة من أصدقائها منها أحياء. “ربما أشعر بقوة كبيرة الآن لأني لم أفعل شيئًا يذكر وقت الحادثة. لم أكن أعرف ماذا أفعل. كنت مصدومة فقط. حاولت مساعدة زملائي لكن لم أعرف كيف، لم يكن لديّ ما يبقيهم على قيد الحياة.” وتضيف قائلة: “حاولت أن أعرف لماذا نجوت، لماذا لم أمت معهم. دائمًا كنت أسأل الله: لماذا أنا موجودة هنا؟ لمَ حدث ذلك لي؟ وأحيانًا أشعر بالذنب، لكني كنت معهم في نفس الموقف. لم أترك أحدًا منهم حتى النهاية.”

يسرا منير يوم 11 أبريل

يسرا منير يوم 11 أبريل

كما بذل ميدو ذو النبرة الهادئة قصارى جهده لوقف الإزالة، لكن “الشرطة أخبرتنا أن هذه الورقة مصيرها الدرج.” وبعد أن استسلم السكان وأصحاب الورش للهزيمة، طلبوا من الشرطة السماح لهم بالدخول لإخراج ممتلكاتهم.  أخبروهم أنهم كانت لديهم فرصة لذلك أمس لكن الوقت تأخر الآن، قبل أن يسمحوا لهم أخيرًا بالدخول. كان السكان قد شاهدوا فريق تاون هاوس وهو يخلي المبني قبل يومين وقاموا الآن بالمثل. ومع حلول الليل بدا قلب المبنى وكأنه انقلب على ظهره. نشر ميدو صادق، وكان يعمل سابقًا في تاون هاوس وهو أحد المتطوعين لمساعدة السكان، على حسابه على فيسبوك صورة لإحدى العائلات تنام جالسة على مقاعد أمام محتويات شقتها المتراصة عند المدخل المغلق بسلاسل.

ورشة نسيج مصطفى نصار وقد أخليت في الحارة

ورشة نسيج مصطفى نصار وقد أخليت في الحارة

سكان عمارة 10 بشارع النبراوي يبيتون في العراء يحرسون ممتلكاتهم بعد الإخلاء، 11 أبريل

سكان عمارة 10 بشارع النبراوي يبيتون في العراء يحرسون ممتلكاتهم بعد الإخلاء، 11 أبريل

مع حلول ظهيرة يوم الثلاثاء كان معظم الممتلكات قد نُقل بالفعل إلى مكان آخر، وبدت هذه كأنها آخر أيام تقضيها تلك المجموعة سويًا. يزيد عمر محمد “فؤش” فؤاد عن عمر قهوة منير بقليل، حيث عمل نادلًا بها منذ أن كان عمره 18 عامًا. يقول فؤش: “لن نستطيع البقاء هنا إذا هدموا المبنى طابقًا تلو الآخر. عندما يصلون إلى الطابق الثاني سيكونون فوقنا مباشرة وسيكون علينا الرحيل. لا يمكننا المجازفة بحياة الناس.” وقرر فتح المقهى لأسبوع آخر فقط. “لن يجتمع هؤلاء الناس مرة أخرى أبدًا، فكل واحد سيسعى وراء رزقه. من وقتٍ لآخر إذا مررت ووجدت مينا هنا سألقي عليه السلام. لكن إذا رحل مينا وعم عطية مثلًا وذهبا للعمل في مكان آخر، لن أذهب وراءهما بالتأكيد. انتهى الأمر، سيصبحون أشبه بالذكرى.”

كان فريق تاون هاوس قد قسّم المساحة في “فاكتوري سبيس” إلى عدة أقسام للمكتب والمكتبة والأرشيف والمحل. وكان مينا نصحي أول موظف في تاون هاوس وقد بدأ العمل هناك قبل بضعة أسابيع من افتتاحه، وكان وقتها في التاسعة عشرة من عمره، وهو الآن يدير المحل. يقول: “إن أكبر التغييرات الطارئة على تاون هاوس حدث هذه السنة والسنة الماضية، سنوات شؤم. حتى وقت قريب كان تاون هاوس مكانًا لا يمكن لأحد الاقتراب منك فيه. كان حرية. لكن الحكومة أغلقت المشروع، وعندما فعلوا ذلك لم يغلقوا المكان وحسب، بل أغلقوا قلوبنا أيضًا. جعلونا نشعر بالخوف. والآن عندما أرى شخصًا يدخل المكان يرتدي بذلة أفكر في أسوأ الاحتمالات، لم تكن هذه الحال من قبل قط. كنا نشعر بالأمان، وكأن أحدًا لا يستطيع أن يمسنا. كنا نعمل مع الأجانب وكانوا يعملون معنا. لكن العمل مع الأجانب الآن أصبح أكثر خطورة. والتمويل الأجنبي، يا ربي!”

ومع ذلك يضيف مينا المتفائل دائمًا قائلًا أن هناك أشياء أخرى إيجابية: “كان المكتب بالأعلى في الطابق الثالث، لكننا الآن نعمل في “فاكتوري” وكأننا قد عدنا 15 عامًا إلى الوراء، عندما بدأنا ببضع غرف في الجاليري بالدور الأول. أصبحنا الآن جميعًا في مكانٍ واحد مرة أخرى، المحل والمكتب والمكتبة. هي بداية جديدة.”

ورشة أحمد "صعيدي" عبد التواب أحمد للدهان السيارات من أعلى كومة الحطام

ورشة أحمد “صعيدي” عبد التواب أحمد للدهان السيارات من أعلى كومة الحطام

وفي اليوم التالي، الأربعاء 13 أبريل، بعد أسبوع من انهيار زاوية المبنى، حدث تحول درامي آخر في سير الأحداث. فقد كشفت اللجنة المتخصصة حيلة الشرطة وأنهت احتلالها للمكان الذي دام خمسة أيام. وقال شاهد طلب عدم ذكر اسمه إن حتى هذا الوقت كانت السرقة تحدث علنًا: “كانت الشاحنة محملة بالدرف والنوافذ والأبواب. كمية كبيرة جدًا. وعندما وصلت اللجنة أمرت بوقف كل شيء وأخلت الشرطة المكان بسرعة. رفعوا الشاحنة لينزلق كل شيء عنها ويتحطم على الأرض، وما تركوه موجود الآن أمام المبنى.” ورغم إرهاق الجميع، إلا أن عمر نجاتي من مختبر عمران القاهرة للتصميم والدراسات (CLUSTER)، والذي كان يساعد السكان في النواحي الإجرائية، أصر على ضرورة إعادة هذه الأجزاء إلى المبنى لتكون في مأمن. قال: “هذه الأبواب والنوافذ لا يمكن تعويضها.”

وفي الظهيرة تمكن الناس من دخول المبنى مجددًا، وبدأوا معاينة حجم الضرر الواقع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ومع مغادرة آخر شاحنة جاءت هدى لطفي، وهي واحدة من أولى الفنانين الذين تعاونوا مع تاون هاوس وكان لديها ستوديو في المبنى لما يزيد عن 10 أعوام، لتعبر عن غضبها وهي تمر بآخر كومة من الأبواب والنوافذ المكسورة مستخدمة المثل المصري المعروف: “خربوها وقعدوا على تلها.” تقول مدام زينب التي تسكن في شقة بالدور الأخير ولم يصبها الانهيار: “نزلت لتوي من الدور العلوي، وحزنت جدًا لرؤية ما فعلوه هناك. عندما صعدت إلى الأعلى تشاجرت معهم. كنت مشحونة جدًا. لا أصدق ما يحدث، هذا ظلم. الشقة كانت بحالة جيدة حقًا، لم يمسها ضرر، والآن دمرت. حفروا في الأرض. لا أفهم. لا أجد سببًا لما يفعلونه. حتى النوافذ دمروها تمامًا فقط ليأخذوا الأجزاء المعدنية منها. لم فعلوا ذلك؟ ليتها تعود إلى حالتها السابقة. لقد قضينا عمرنا كله هنا.”

ويقول ساكن آخر: “صباح أمس دخلت المبنى ونظرت حولي وقلت لا بأس، هذا البلاط يمكن إصلاحه. يمكننا التعامل مع هذه الأضرار. لكن بعد الظهر لم تعد هناك أرضية. لقد خربوه بعشوائية، بلا سبب.”

المحامية ريهام سمير، صديقة عائلة لمياء وابنها طارق هاني التي فقدت شقتها بالدور الرابع بالكامل في الانهيار، تولت قضية العمارة بلا مقابل. تقول: “أرجح وجود فساد في مجلس المدينة، خصوصًا في المحافظة، لأنهم كانوا على استعداد لإزالة المبنى في لمح البصر. هناك أشخاص كانوا ينتظرون هدم المبنى لشراء الأرض. لا أعلم من المستفيد من هدم المبنى، لكني أعلم أن هناك أشخاصًا لها مصالح في ذلك، وإلا ما كان المحافظ ليوافق على إزالة المبنى في يوم وليلة. أضف على ذلك أن مكتب المحافظ قال إن علينا الذهاب إليهم ودفع أموال لاسترداد النوافذ والمفاصل المعدنية التي أخذوها. أنت إذن تأخذ أشياءً تخصني ثم تجبرني على الدفع لاستردادها. هذا أمر غريب جدًا، ما زال يثير تساؤلي.”

ورشة مصطفى نصار للنسيج في الطابق الثاني

ورشة مصطفى نصار للنسيج في الطابق الثاني

المنظر من ورشة أسامة أحمد الشافعي يبين جاليري تاون هاوس في الدور الأول

المنظر من ورشة أسامة أحمد الشافعي يبين جاليري تاون هاوس في الدور الأول

شكل الواجهة وقد خلعت عنها النوافذ، أبريل 2013

شكل الواجهة وقد خلعت عنها النوافذ، أبريل 2013

تقول الفنانة رنا النمر التي عرضت أعمالها عدة مرات في تاون هاوس: “لقد توالى الكثير من الأحداث في الأيام السابقة، مستحيل تذكرها جميعًا. وهو أمر غريب. قد تدرك بعد أسبوع أنك لم تعد تذكر معظمها. كنت أقول أمس -كان ذلك يوم السبت أو الأحد- هل هذا هو الترتيب الصحيح؟ لقد فقدت إحساسي بالزمن. وكأني أكافح ضد النسيان.” وتقول هدى لطفي: “لن يطردونا. التمسك هو فعل المقاومة.”

معظم الأشخاص الذين أشرنا إليهم في ما سبق عبر عن رغبته في بدء حملة للتمويل الجماعي، وكل منهم لديه دوافعه وجوانب يريد التركيز عليها. أحد العوائق التي قد تضعف روابط هذه المجموعة هو الحديث عن المال، سواء الداخل أم الخارج. قد يكون ذلك من أكثر المواضيع الشائكة التي يجب عليهم التعامل معها.

يقول ميدو: “نتمنى فعلًا أن يكون الشخص المسؤول عن إعادة الترميم معنيًا بالهوية المعمارية. فكل المقاولين يقولون: نعم، يمكنني بناءها على الطراز الحديث بالحديد والخرسانة. وإذا فعلوا ذلك سيدمرون هوية المبنى بأكملها. ولذا نأمل حقًا أن يعود هذا المبنى إلى ما كان عليه من قبل.”

ويقول عطية: “كل سكان المبنى يحبونه، لكن بعضهم للأسف كان يحبه بطريقة خاطئة. لو أحبوه على نحوٍ صحيحٍ أكثر لما وصلنا إلى هذه الحال. أتمنى أن نتعلم جميعًا من أخطائنا. لقد تعلمنا قليلًا لكن بعد فوات الأوان.”

حتى نهاية شهر أبريل كان الردم لا يزال يسد المدخل الرئيسي لمدرسة طلعت حرب الثانوية الفنية بنات المجاورة، لكن الدراسة لم تنقطع لأن الطالبات يستخدمن مدخلًا جانبيًا الآن. عادت يسرا إلى عملها حيث تدير شركة رحلات صغيرة مقرها قريب في “جريك كامبس” بالجامعة الأمريكية. وقد وجدت مكانًا جيدًا للإقامة المؤقتة، لكنها ترغب في العودة. واستمر فؤش في العمل لدى قهوة منير مثل العادة، كما استمر مينا في العمل بمحل تاون هاوس. وقام عطية وأنور بتنظيف محليهما وعادا إلى العمل. وقد مدّا مع النجارين كابلات كهرباء من الجراج المجاور، نظرًا لاستمرار انقطاع الكهرباء والماء. أما ميدو وأبوه علي وأخوه شريف، ومحمد (إسماعيل مبروك) وحسين (عبد العزيز محمد علي) العاملان في إصلاح السيارات، وصعيدي عامل دهان السيارات، فما زال جميعهم عاطلًا عن العمل. تهدّم المحل النوبي المحبوب جدًا أمام ورشة عطية بالكامل بفعل مطارق الهدم، وتديره نسمة حداد التي لم تعد حتى الآن. ولم يتمكن أحد من العثور على مصطفى: يقال إنه نقل ورشة النسيج إلى مكان قريب من أخيه في بولاق.

فريق تاون هاوس الفني، من اليسار إلى اليمين: هشام محمد ومحمد أنور وأحمد حمادة وإبراهيم شرقاوي، 19 أبريل

فريق تاون هاوس الفني، من اليسار إلى اليمين: هشام محمد ومحمد أنور وأحمد حمادة وإبراهيم شرقاوي، 19 أبريل

اعلان
 
 
أليكسندرا ستوك