Define your generation here. Generation What
“أطفال شوارع”: بين خوف الدولة من السخرية.. وخوفها من الشارع
 
 

أمرت نيابة شرق القاهرة الكلية أمس، الثلاثاء، بحبس أربعة من أعضاء فرقة “أطفال شوارع” 15 يومًا على ذمة التحقيق، فيما لم يتم بعد تنفيذ قرار إخلاء سبيل العضو الخامس بالفرقة، عز الدين خالد، الذي صدر عن محكمة جنح مستأنف أمس، بعد رفضها لاستئناف النيابة على قرار قاضي المعارضات الصادر أمس الأول بإخلاء سبيل “خالد” بكفالة عشرة آلاف جنيه، حيث ما زالت إجراءات صحة الإفراج عنه مستمرة حتى الآن.

كانت الشرطة قد ألقت القبض على “خالد” من منزله يوم السبت الماضي، وأمرت النيابة العامة بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق، بعد أن اتهمته بالتحريض على التظاهر، ونشر فيديوهات على الإنترنت بها ألفاظ نابية مسيئة لمؤسسات الدولة، وفي اليوم نفسه داهمت قوات الأمن منزل محمد عادل أبو الفضل، أحد أعضاء الفرقة، غير أنه لم يكن متواجدًا بالمنزل. واصلت الشرطة ملاحقة عادل قبل أن تلقي القبض عليه هو وأعضاء الفرقة الثلاثة محمد عبد المجيد جبر، ومحمد دسوقي سيد حسن، ومحمد يحيى محمد، أمس الأول، الاثنين، ليصبح خمسة من الستة “أطفال شوارع” رهن الاحتجاز.

وجاء استهداف أعضاء الفرقة بعد أيام من نشرهم فيديو على صفحتهم على فيسبوك يسخرون فيه ممن أطلقوا عليهم “عبيد البيادة“، وهو الفيديو الذي وجهت فيه الفرقة انتقادات للنظام السياسي والرئيس عبدالفتاح السيسي.

كان نشاط الفرقة قد بدأ مطلع هذا العام فقط: تختار المجموعة المكونة من ستة أفراد أماكن عشوائية في الشارع؛ يقدمون فيها عرضًا سريعًا يستغرق في المعتاد دقائق قليلة، يصورونه بأنفسهم مستخدمين هاتفًا محمولًا كـ”سيلفي”، وينشرونه على صفحتهم على فيسبوك.

خلال شهور قليلة، استطاعت الفرقة جذب انتباه الكثيرين إليها عبر فيديوهات بسيطة، تحتوي في اﻷغلب على فقرة غنائية قد يتخللها بعض المشاهد التمثيلية، لم يتجاوز أطول تلك الفيديوهات ست دقائق.

الفيديو اﻷول الذي نشروه اسمه “براعم اﻹيمان” يرددون فيها مقاطع شهيرة نسمعها على الدوام من إذاعة القرآن الكريم، وتمثل مكونًا أساسيًا من مفردات حياة القطاع اﻷوسع من المصريين، وتنوعت موضوعات باقي الفيديوهات بين السخرية من تناول الأغنيات والأفلام لموضوعات بعينها، وبين السخرية من موضوعات اجتماعية، مثل فيديو عنوانه “اللي مبيصوموش” والذي يمثلون فيه مشاهد من حوارات المصريين خلال شهر رمضان. في حين تطرقت الفرقة في الفترة الأخيرة لموضوعات سياسية، بدأوها بفيديو عن “سد النهضة” ومعاناة مصر المتوقعة من أزمة مياه بسببه، وصولًا إلى فيديو عن تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافي للمملكة العربية السعودية، والذي سبق فيديو “عبيد البيادة”.

يقول أحد اﻷصدقاء المقربين من “أطفال شوارع”، رفض نشر اسمه، إن الفرقة تقوم بالتعليق على ما يحدث في البلد دون تركيز على أن يكون المحتوى سياسيًا. “زي ما كان فيه فيديوهات عن السياسة، فيه فيديوهات عن الثقافة”.

لكن سرعة إلقاء القبض عليهم، بدءًا بعز الدين خالد، بعد نشرهم فيديو “عبيد البيادة” وإصرار قوات اﻷمن على البحث عن باقي أعضاء الفرقة طوال ثلاثة أيام كانت إشارة إلى أسباب أبعد من المحتوى الساخر الذي يقدمه عدد من الشباب على شبكة الإنترنت، حتى إذا لم يكن ذو طابع سياسي في معظمه: المشكلة اﻷساسية هي أنهم في “الشوارع”.

يعتبر الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير في تحليله عن السياسة أن عمل الشرطة اﻷساسي يكمن في التحكم في المساحات العامة. “الشرطة تقول إنه لا شيء لرؤيته على طريق، لا شيء يمكن فعله سوى الاستمرار في الحركة. تؤكد على أن فضاءات الحركة ليست سوى مساحة للحركة”، يقول رانسيير في كتابه “عشر أطروحات حول السياسة”.

يعتبر الصديق المقرب من الفرقة أن نشاطهم لا يمثل أي فعل سياسي. “حياة أعضاء الفرقة تتمثل بشكل أساسي في التواجد المستمر في الشارع”، وردًا على سؤال حول سبب تسميتهم بهذا الاسم، يقول إنهم “ساعات بيباتوا في الشارع، أطفال شوارع حرفيًا”.

لكن المشكلة لا تخص الشرطة بقدر ما تخص نظام كامل تمثله الشرطة.

ترى المخرجة المصرية سلمى الطرزي أن حق التواجد في المساحة العامة يمثل الجوهر اﻷساسي للحرية. تتحدث الطرزي عن المشاكل التي تواجهها أثناء عملها. “لازم تاخد تصاريح عشان تقدر تصور في أي مكان”، وتضيف أن “أي محاولات من قبل الناس لتنظيم أنفسهم أو القيام بأي نشاط في المساحة العامة، مهما كانت هذه النشاطات فارغة، تمثل فكرة مزعجة بالنسبة للدولة”.

تتذكر، على سبيل المثال، محاولات وزارة الثقافة لاحتواء فناني الجرافيتي بعد الثورة. “الجرافيتي كفن يعتمد في ممارسته على المساحة العامة، الشوارع”، توضح الطرزي. لهذا بدت لها محاولات وزارة الثقافة تنظيم نشاط هؤلاء الفنانين، وتجميعهم في أماكن تابعة لها مقابل السماح لهم بممارسة فنهم، كمحاولة للسيطرة على جزء منفلت من المساحة العامة بشكل أساسي.

وإن كان “أطفال شوارع” وفنانو الجرافيتي يقدمون فنهم في الشوارع دون أن يحتاجوا إلى تصريح من أحد، وهو ما قد يراه البعض انتهاكًا للمجال العام بشكل ما، لكن الحقيقة أن المنع من ممارسة وتقديم الفنون واستغلال المساحات العامة يبدو كسياسة دولة، أوسع من فكرة الحصول على تصريح من عدمه.

كانت أجهزة اﻷمن قد قررت في أغسطس 2014 منع إقامة أنشطة مبادرة “الفن ميدان”، وهي بالأساس مهرجان فني بدأ مع الثورة في يناير 2011 ويقوم على التواجد في أماكن وشوارع مختلفة في عدد من مدن الجمهورية وممارسة عدد من اﻷنشطة الفنية فيها في السبت الأول من كل شهر.

وقال الشاعر زين العابدين فؤاد، أحد مؤسسي “الفن ميدان” لموقع “رصيف 22” في تقرير عن المهرجان، إنه كان يمثل “مساحة استثنائية من الحرية شكلت ثقافة جماهيرية حقيقية، لكنها أزعجت النظام الحالي، فعصف بها لتخلو له الميادين، وليمارس سيطرته على الفضاء العام من جديد”.

توضح “الطرزي” أن أعضاء “أطفال شوارع” قابلوا بعضهم ﻷول مرة في إحدى الورش المسرحية، وقرروا نقل تجربتهم إلى الشارع، وتصفهم بأنهم “مجموعة من الشباب الذي يبدأ حياته، بلا إمكانيات تسمح بالتصوير في بلاتوهات متخصصة وجدوا في الشارع بلاتوه جاهز”.

لهذا قرر أعضاء الفرقة نقل تجربتهم إلى الشارع. وتعتبر “الطرزي” أن قرار الفرقة الانتقال إلى الشارع جاء كاختراق للمجال العام؛ سواء كان القرار بشكل واعٍ أو غير واع.

يعتبر رانسيير أن السياسة تتمثل في “تحويل مساحة الحركة إلى مساحة لظهور الموضوع: الناس، والعمال، والمواطنين. [السياسة] تتكون من إعادة تشكيل المساحة، لما يمكن فعله، وما يمكن رؤيته أو تسميته فيها”.

من جانبها، ترى “الطرزي” أنه يحق لها كمواطن عمل ما تريده في الشارع كمساحة عامة طالما أنها لا تسبب أذى ماديًا ﻷحد، لكنها تضيف أن الدولة تصر على معاملة مواطنيها كـ “ضيوف”. ربما كضيوف “غير مرغوب فيهم” أيضًا.

ولكن تفاصيل ما جرى مع “أطفال شوارع” قد توضح أن المشكلة ليست في الفضاء العام، وليست مع الدولة، لكنها مع استخدام الفضاء العام في انتقاد “رأس الدولة”.

على الرغم من نجاح الفرقة واكتسابها شعبية لدى قطاع مهم من جمهور اﻹنترنت، إلا أنها -بعد الفيديوهات التي مسّت موضوعات سياسية حساسة، وبالتحديد أكثر بعد أن انتقاد أعضائها لرأس السلطة التنفيذية في مصر، رئيسها- لاقت استنكارًا كبيرًا وسط مؤيدي النظام، ليطالب بعض المؤيدين في تعليقات على صفحتهم على فيسبوك بالقبض على أعضاء الفرقة، وهو التعليق الذي تشابه مع تعليق لإحدى الصفحات التي تزعم صلتها بالشرطة المصرية، التي وضعته على فيديو “عبيد البيادة” الذي وصفت “أطفال شوارع” أنهم “أهانوا الشعب المصري فيه”، وإن كان كثير من المتضامنين مع الفرقة يزعم أن مشكلة الفيديو ليست فيما قالوه عمّن وصفوهم بـ “عبيد البيادة”، ولكن في الجملة التي ختموا بها الفيديو “ارحل خلّي عند أمك دم”.

بعد هذا الفيديو الذي أبدى فيه أعضاء الفرقة اعتراضهم على تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير” للسعودية، استطاعت الشرطة أن تلقي القبض على أعضاء الفرقة “المسرحيين” خلال أقل من ثلاثة أيام، لتحيلهم إلى النيابة التي حققت معهم بتهم الإساءة لـ “مؤسسات الدولة” والتحريض على التظاهر، لتأمر بحبس الأربعة المقبوض عليهم مؤخرًا 15 يومًا، قبل أن تعود النيابة وتستدعي الرباعي وتضيف لقائمة التهم الموجهة لهم “الترويج لأفكار إرهابية، واستخدام مواقع الشبكات الإليكترونية في الترويج للأفكار الإرهابية، والتحريض على الاشتراك في التظاهرات، والتحريض على الاشتراك في التجمهر”، ثم تأمر مجددًا بخبسهم 15 يومًا.

محمود عثمان، المحامي بمركز حرية الفكر والتعبير، وأحد أفراد فريق الدفاع عن “أطفال شوارع” يرى أن النيابة قررت “تطويع” القضية، لتصبح جناية بدلًا من كونها جنحة، ليُعرض أعضاء الفرقة على نيابة كلية بدلًا من النيابة الجزئية، ويتم حبسهم 15 يومًا بدلًا من أربعة أيام، وليصبحوا متهمين بمواد قانونية تؤدي لعقوبات سالبة للحرية أكثر من التهم الأولى، وهو ما يرى أن فيه نية وإصرار على حبسهم وترهيبهم، دون تتبع للأدلة.. وهو ما وصفه بـ “الانتهاك”.

هذا الانتهاك لا يمكن النظر له فقط كرد فعل على “استغلال مساحة الحركة” التي تحدث عنها رانسيير، بل يجب أيضًا النظر إليه كرد فعل على الخروج عن طوع “الأب” الذي أمر بـ “عدم الكلام في هذا الموضوع مجددًا”.

وإن كان في حبس هؤلاء الشباب وانتهاك حرياتهم انتصار لمؤدي دور الأب، أو للمدافعين عنه، تبقى حملة إلكترونية مثل “كاميرا التليفون بتهزك؟”، وهاشتاج مثل “#الحرية_لأطفال_الشوارع“، اللذين شهدا انتشارًا واسعًا على الإنترنت اليوم، دليلًا على أن معركة استغلال المساحات والفضاءات العامة ما زال بها الكثير من الفصول. وأن ما يبدأ في فضاء الإنترنت، قد ينتهي في مساحات الواقع، التي يظن النظام الحاكم عادة أنه يسيطر عليها، تمامًا كما يظن أن من يهدد وجودهم فيها هم مجرد “أطفال شوارع”.

اعلان
 
 
محمد حمامة