Define your generation here. Generation What
“عائدات قناة السويس”.. بين “كلام” الرئيس وواقعية الأرقام
 
 

في خطابه يوم الخميس الماضي، استعرض الرئيس عبد الفتاح السيسي إنجازات حكومته، ودافع عن قناة السويس قائلًا: “سمعت ناس بيقولوا إن إيرادات قناة السويس قلّتْ، لأ طبعًا.. إنما زادت، وأنا لما بقول كده ده كلام مسئول”.

بدا تصريح السيسي محاولة للرد على التقارير واسعة الانتشار في وسائل الإعلام المحلية والعالمية بشأن انخفاض عائدات قناة السويس أكثر من 5% في 2015.

تتخذ كل الأرقام طابعًا سياسيًا في مصر، لكن رسوم العبور في قناة السويس أصبحت سياسية أكثر مما ينبغي منذ افتتاح تفريعة القناة التي تم الترويج لها بكثافة في مطلع أغسطس 2015، حيث قال مسئولون إنها سوف تسهم في مُضاعفة عائدات قناة السويس لتصل إلى 13.5 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2023.

نفى الرئيس تقارير انخفاض عائدات القناة باعتبارها شائعات، إلا أن الأرقام المتاحة من هيئة قناة السويس نفسها، والتي تظهر انخفاضًا بقيمة 290 مليون دولار في 2015 عن 2014، كذلك تقارير البنك المركزي بشأن ميزان المدفوعات، ليست إشاعة.

Monthly revenue in $.JPG

Monthly revenue in US$

رسم بياني لعائدات قناة السويس بالدولار الأمريكي شهريًا

 

يتم الاعتداد بالدولار في الحسابات لأغراض عديدة، لأن مصر تحتاج إلى الدولار، وهو العملة التي تهيمن على التجارة العالمية، وهو العملة المُفضلة في شراء سلع كالبترول والقمح.

ومع ذلك، هناك طريقتان أخريان لحساب العائدات في مصر، بالجنيه المصري، و”بحقوق السحب الخاصة”، وهي عُملة غير واقعية، تتبع سلة العملات العالمية، ومن بينها الدولار الأمريكي، واليورو، والين الياباني، والجنيه الاسترليني.

في الواقع، بدءًا من 2016 استخدمت هيئة قناة السويس هاتين العُملتين فقط في إصدار البيانات، وتم حذف أي إشارة للدولار من جداول البيانات.

عائدات بالجنيه المصري

لا تقبل مصر دفع رسوم قناة السويس بالجنيه المصري، وهو ما يجعلها مصدرًا هامًا للعملة الصعبة. وتقبل هيئة قناة السويس تسع عُملات هي: الدولار الأمريكي، والدولار الكندي، واليورو، والجنيه الاسترليني، والين الياباني، والفرنك السويسري، والفرنك السويدي، والكرونا النرويجية، والكرونا الدنماركية.

يعني هذا أن أي تقرير عن عائدات القناة بالجنيه المصري يأتي بعد تحويله من عُملة أخرى. لتقديم البيانات بهذه الطريقة بعض النفع، حيث يستخدم أغلبنا الجنيه المصري في التعاملات اليومية. ومع ذلك، يمكن لهذه الطريقة إخفاء حقائق أكبر.

في الشهر الماضي، نشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط تقريرًا بعنوان “ارتفاع عائدات قناة السويس بنسبة 6.5% في الربع الأول لعام 2016”. والأكثر من هذا، أن التقرير نقل عن مُهاب مميش؛ رئيس هيئة قناة السويس، قوله إن عائدات القناة ارتفعت بنسبة 3% مقارنة بعام 2015.

يبدو أن “ميمش” كان يتحدث عن العائدات بالجنيه المصري. ولكنه لم يذكر انخفاض قيمة الجنيه في الفترة نفسها. ففي نهاية الربع الأول من عام 2015، كانت قيمة الدولار الرسمية 7.53 جنيهًا، مُقارنة بـ 8.78 جنيهًا في 2016، وهو انخفاض بنسبة 16.6%. ومقارنة بهذا الانخفاض، فإن زيادة بنسبة 6.5% في عائدات القناة لا تستحق الذِكر.

ماذا عن حقوق السحب الخاصة؟

هنا تبدو الأمور أكثر تعقيدًا. رغم أن هيئة قناة السويس تقبل الدفع بتسع عملات مذكورة سلفًا، يتم حساب الرسوم بـ”حقوق السحب الخاصة”.

“حقوق السحب الخاصة” ليست عُملة فعلية، ولكن صندوق النقد الدولي يطرح معدل التغير الخاص بها يوميًا اعتمادًا على أداء كل عُملة في سلة العُملات. لذلك تدفع شركات شحن السفن بأي عملة تختارها بحسب مُعدل التغير في “حقوق السحب الخاصة”.

اختيار سداد الرسوم بـ”حقوق السحب الخاصة” بدلًا من الدولار، يسمح لمصر بتقليل المُخاطرة في سلة عملات. وهو اختيار يحمي مصر في أوقات مُعينة يكون الدولار فيها أضعف من اليورو أو الجنيه الاسترليني، أو الين الياباني. ولكنه يعني خسارة مصر في حال تفوق الدولار. وهذا ما يحدث بالضبط منذ يوليو 2014.

 

revenue $ vs SDR.JPG

SDR vs $ comparison chart

رسم بياني لخريطة حقوق السحب الخاصة مقابل الدولار

 

يبدو هذا الرسم البياني مُعقدًا، إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه هو العلاقة بين الخطين الأحمر والأزرق في كل مجموعة. تخبرنا الخطوط الزرقاء لـ “حقوق السحب الخاصة” بكميات الشحن مُستحقة الدفع التي مرت من القناة. فيما تظهر لنا الخطوط الحمراء حجم الدولارات التي دخلت إلى هيئة القناة بالفعل. من الواضح أن كمية الشحنات مستحقة الدفع حتى يوليو 2015، كانت أكبر بكثير من العام السابق، ولكن العائدات بالدولار أقل. حدث هذا نتيجة تقييم الدولار في مقابل “حقوق السحب الخاصة”.

لم تعلن هيئة قناة السويس عن إجمالي عائدات “حقوق السحب الخاصة” لعامي 2014، و2015، ولكن اعتمادًا على مُعدلات التغير الشهرية التي نشرتها، يمكن أن نحسب قيمة عائدات السحب الخاصة في 2014 بمبلغ 3.6 مليار دولار تقريبًا، وأنها ارتفعت بنسبة 2.7 تقريبًا لتصل إلى 3.9 مليار في 2015.

بعبارة أخرى، إذا كانت حقوق السحب الخاصة عُملة واقعية وليست خيالية، فإن العائدات سترتفع بالفعل في 2015. (على الرغم من أن هذه الزيادة أتت قبل تشغيل “قناة السويس الجديدة”، وهو ما سيحزن المُدافعين عنها).

لم تتضمن تقارير هيئة قناة السويس انخفاض العُملات الفعلية التي تدفع بها شركات الشحن مقابل العبور، وهو ما يدفعنا للشك في أن الهيئة قامت بتحصيل المزيد من اليورو أو الكرونا على سبيل المثال. ولكن في النهاية، ومهما كانت طريقة الحساب، فإن قيمة عائدات القناة أصبحت أقل في السوق العالمي في 2015 عنها في 2014، ومن المُبكر التنبؤ بما سيحدث في 2016.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن