Define your generation here. Generation What
قاعدة بيانات “وثائق بنما”: ما الجديد بشأن مصر؟ ولماذا عليك أن تهتم؟
 
 

أطلق الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أمس الموافق 9 مايو، قاعدة البيانات الكاملة للأشخاص والشركات الذين يمتلكون شركات مسجلة في الملاذات الضريبية، والتي تم جمعها من محتويات 11.5 مليون وثيقة سرية لشركة موساك فونسيكا للمحاماة في بنما.

وكان مصدر غير معلن قد قام العام الماضي باختراق نظم الشركة، والتي تعد واحدة من أكبر شركات العالم المتخصصة في تقديم الخدمات القانونية لتلك الأنشطة والمعروفة بشركات “الأوفشور”. وحصل المصدر على كافة مراسلات الشركة منذ السبعينيات، قبل أن يقدمها لصحيفة ألمانية تعاونت مع الاتحاد الدولي لبدء نشر الوثائق الشهر الماضي.

وتضمنت الدفعة الأولى من الوثائق التي نشرها الاتحاد الدولي في 3 أبريل الماضي معلومات تتعلق فقط بإحدى الشركات المملوكة لعلاء وجمال مبارك والمسجلة في الجذر العذراء البريطانية وتدعى “بان وورلد انفتمنتس“.

أما قاعدة البيانات التي انطلقت أمس فلا تتضمن أية وثائق، وإنما تقتصر على أسماء الأشخاص والشركات المسجلة في ملاذات ضريبية، والتي وردت في الوثائق التي يفترض أن يتم نشرها على دفعات لاحقة.

“مدى مصر” التقى أسامة دياب، الباحث المتخصص في العدالة الضريبية ومكافحة الفساد لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لفهم ما تضمنته قاعدة البيانات الجديدة من معلومات حول مصر، وحول شركات “الأوفشور” بشكل عام.  

س: هل تضمنت قاعدة البيانات الجديدة إشارات إلى شخصيات وشركات مصرية؟

ج: حضرت مصر بنصيب غير قليل في التسريبات الجديدة. حيث يظهر البحث في قاعدة البيانات 38 شركة “أوفشور” مرتبطة بنحو 300 شخصية مصرية.

من أبرز الأسماء الواردة في قاعدة البيانات المنشورة أمس: رجال الأعمال نجيب ساويرس وصلاح دياب وحسن هيكل وحازم بركات وبدر صيدناوي، وممدوح عباس وعدد من أفراد عائلته، فضلاً عن أفراد عائلات منصور وغبور ونصير، بالإضافة إلى رجال أعمال مرتبطين بشخصيات سياسية مثل نجلي الرئيسين السابقين جمال أنور السادات، وعلاء حسني مبارك، ومنير ثابت شقيق زوجة مبارك سوزان.

كما ضمت قاعدة البيانات الجديدة أسماء لأطباء ومهندسين مصريين، وإعلاميين من بينهم عمرو أديب، والذي ورد اسمه كأحد المساهمين في شركة كوينزجيت Queensgate Overseas Ltd والتي لا يعرف مجال نشاطها بالتحديد.

س: ما معنى ورود أسماء تلك الشخصيات كمؤسسين أو مشاركين في شركات “الأوفشور”؟

ج: لا يعد تملك شركات “الأوفشور” في حد ذاته مخالفة للقوانين القائمة، لكن الممارسات المرتبطة بتملك تلك الشركات عادة ما تكون غير مشروعة، مثل تبييض الأموال وإخفائها عن أعين السلطات والرأي العام، أو لأسباب تتعلق بالتهرب من دفع الضرائب أو تجنبها، حيث تتميز مراكز “الأوفشور” تلك بسرية شديدة في التعاملات ومعدلات ضرائب صفرية أو قريبة من الصفر، ما يشجع على نقل الأرباح المحققة في مصر إلى حسابات تلك الشركات بشكل مصطنع. أحيانا ما تنطوي تلك الممارسة على جريمة تهرب ضريبي واضحة، وفي أحيان أخرى يتم ذلك بشكل لا يخالف القانون وهو ما يسمى بالتجنب الضريبي. لكن الضرر واحد في الحالتين: وهو حرمان خزينة الدولة من إيرادات ضريبية مستحقة من شخصيات طبيعية (أفراد) واعتبارية (شركات) حققت أرباحاً في مصر بشكل فعلي، لكن هذه الأرباح تظهر على الورق وكأنها تحققت في تلك الملاذات الضريبية. ويتسبب ذلك بالتالي في حرمان المجتمع من خدمات عامة تمول من الضرائب مثل المدارس والمستشفيات والطرق.

س: ألا يعد الاستخدام الواسع لهذه الممارسات في مصر، بل وفي الكثير من دول العالم، دليلاً على مشروعيتها؟

ج: المتابع لتسريبات بنما من المتوقع أن يواجه رد فعل من اثنين: الأول هو الصدمة من انتشار تملك سيدات ورجال أعمال وساسة وحتى رجال إعلام معروفين لشركات “الأوفشور”، أما الثاني فسيذهب إلى أنه ما دام الموضوع بهذا الانتشار، وما دام الكل مشاركاً فيه، فإن ذلك يعني أن الممارسة عادية وبالتالي شرعية.

في حقيقة الأمر فإن انتشار تلك الظاهرة يجب أن يعامل معاملة الأوبئة، فمن المستحيل أن تجد عاقلا يأخذ من انتشار مرض إلى حد الوباء ذريعة لعدم محاربته، أو أن يجادل بأن الكثيرين يعانون من هذا المرض لذا وجب تطبيعه والتعايش معه، ففي الأمراض كلما زاد انتشار المرض أو قابلية انتشاره زادت الحاجة لتكاتف الجهود لمواجهته، وهكذا يجب أن يتم التعامل مع ظاهرة الملاذات الضريبية واعتبار انتشارها سبباُ أدعى لمواجهتها مواجهة حاسمة ومباشرة، وليس سببا لـ “تطبيعها”.

Osama Diab profile pic.jpg

فهي ممارسة، كما ذكرنا، تساعد شبكات الإجرام والإرهاب والأنظمة الديكتاتورية والمحاسيب المرتبطين بها من رجال الأعمال على إخفاء أموالهم، وتساعد رجال الأعمال الكبار والشركات متعددة الجنسيات على التهرب والتجنب الضريبي عن طريق نقل الأرباح بشكل مصطنع إلى شركات وهمية مسجلة على الورق فقط في تلك الجزر البعيدة التي لا تحاسب شركاتها ضريبيا، مما يؤدي إلى انهيار الحصيلة الضريبية للدول، وبالتالي إلى التأثير سلبا في قدرة الدول على تقديم خدمات التعليم والصحة والطرق وغيرها لمواطنيها، وهو ما قد يؤدي مع الوقت إلى أزمات اقتصادية يدفعها ثمنها الفقراء وأصحاب الدخول المتوسطة، ويؤدي بالتبعية لاحتقان سياسي واجتماعي.

س: كيف ينطبق ذلك على الوضع في مصر؟

ج: على عكس دول أخرى وردت في وثائق بنما المنشورة حتى الآن، فإن الحكومة المصرية لم تعلن بدء التحقيق في المعلومات التي جرى الكشف عنها حتى الآن. لكن يكفي النظر إلى ما أورده “مدى مصر” في تقريره عن الدفعة الأولى من وثائق بنما والتي تعلقت بشركة واحدة فقط مسجلة في ملاذ ضريبي واحد فقط، لتجد أن شبكة استثمارات تلك الشركة في مصر تضم عشرات الشركات المصرية من أسمنت السويس والبنك الوطني المصري ومجموعة طلعت مصطفى القابضة وشركة الإسكندرية للزيوت المعدنية إلى شركة إيديتا للصناعات الغذائية، وشركة الوادي القابضة، وشركة مصر أكتوبر للصناعات الغذائية (المصريين) وغيرها. كل تلك الاستثمارات تحقق أرباحاً لعلاء وجمال مبارك دون أن نعلم شيئاً عنها أو عن تحصيل ضرائبها.

س: بخلاف التهرب الضريبي، هل هناك أضرار اقتصادية أخرى؟

ج: هناك جانبان آخران لا يتم التطرق لهما بشكل كاف، وهما تأثير تلك الممارسة على أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة، وكذلك على دقة بيانات الاستثمار التي يصيبها الكثير من التشوه لدرجة قد تنزع كل وأي معنى منها.

أولا، أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة يعانون من ضعف قدرتهم التنافسية مقارنة بنظرائهم من الشركات الكبيرة بسبب عدم قدرتهم على بناء تلك الشبكات المعقدة من شركات “الأوفشور” التي تسمح لهم بتخفيض فاتورتهم الضريبية وبالتالي تعظيم أرباحهم. فوفقا لدراسة لعبد الفتاح الجبالي اعتماداً على بيانات الضرائب الرسمية في 2009، فإن شركات الأشخاص التي يقل حجم أعمالها عن 2 مليون جنيه قامت بدفع نحو 28% من أرباحها كضرائب، أما الشركات التي زاد حجم أعمالها على مليار جنيه، فدفعت فقط 3.5% من أرباحها كضرائب، وهو ما يشكل خطراً اقتصادياً ومجتمعياً باعتبار أن الأعمال الصغيرة والمتوسطة تشكل الجزء الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أيضا المشغل الأكبر للمصريين.

أما على مستوى البيانات، فإن كل هذه الشركات “الأوفشور” عندما تعيد استثمار أرباحها في مصر تسجل ورقياً بوصفها استثمارات أجنبية برغم تملكها لمصريين، وفي الكثير من الأحيان تعامل قانونيا معاملة الاستثمارات الأجنبية من حيث القدرة على اللجوء للتحكيم الدولي الذي كبد الموازنة المصرية مؤخرا مليارات الدولارات. ولذلك نصحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا (OECD) في تقرير أصدرته في فبراير 2015، باستبعاد الاستثمارات التي تمر عبر شركات “الأوفشور” من بيانات الاستثمار الأجنبي، لأنها تشوِّه تلك البيانات بما لا يتيح الاعتماد عليها. ففي بعض الدول مثل لوكسمبورج وهولندا فإن نسبة استثمارات “الأوفشور” التي تمر فقط من تلك الدول ولا تقدم أي قيمة فعلية للاقتصاد أو المجتمع تصل إلى 90% من إجمالي حجم الاستثمارات “الأجنبية”. وتوصي المنظمة لذلك بأن يتم أيضا تجميع بيانات عن الدولة المستثمرة الفعلية (Ultimate Investing Country) بهدف وجود بيانات دقيقة عن الاستثمار الأجنبي في الدولة المستقبلة لتلك الاستثمارات.

س: مرة أخرى.. كيف ينطبق ذلك على الوضع في مصر؟

ج: للأسف لا يتم تطبيق ذلك في مصر. فوفقا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار، فإن الاستثمارات القادمة من شركات “الأوفشور” المسجلة في الملاذات الضريبية تحتسب بشكل عادي كاستثمارات أجنبية مثلها مثل الاستثمارات الحقيقية القادمة من أي دولة أخرى.

فنجد أن من أكبر الدول المستثمرة في مصر دويلات صغيرة جدا مثل جزر الكايمان والجزر العذراء البريطانية، متفوقة على استثمارات دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، وهو أمر بلا شك عبثي جدا.

س: كيف ترى تعامل السلطات المصرية حتى الآن مع المنشور من الوثائق؟

ج: أي تعامل؟ مر أكثر من شهر دون أن تتخذ الحكومة أو القضاء أو البرلمان أي إجراءات بشأن تلك الممارسات.

نستطيع طبعاً أن نفعل ما تفعله الدول الفاشلة والمارقة (أو “أشباه الدول”) من وصف وثائق بنما على إنها مؤامرة بهدف زعزعة الثقة بالمناخ الاقتصادي، ومن الممكن أن نفعل ما تفعله الدول الناجحة من التعامل مع وثائق بنما كفرصة في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية لعلاج كل هذه الاختلالات الهيكلية والمعلوماتية بهدف تحقيق الصالح العام وزيادة موارد الدولة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ينوه “مدى مصر” أن الزميل حسام بهجت عمل بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في الفترة من 2002 وحتى 2013 قبل انضمامه لفريق الموقع.

اعلان