Define your generation here. Generation What

“الصحفيون الشرفاء” أخطر

خلف الحواجز الأمنية التي تحاصر نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت، تطل وجوه يشبه بعضها أهالي منطقة قلعة الكبش، وقد يكون بعضها ممن لم يُدفنوا تحت صخور المقطم بعد انهيارها على عششهم عام 2008، ووجوه أخرى تحمل ملامح أهالي رملة بولاق، ربما يكونون ممن نجوا من التشريد وفرّوا قبل بناء أبراج نايل سيتي فوق جثثهم، بعض الوجوه لمعاقين ذهنيًا لم يجدوا من يحنو عليهم، وبعضها يشبه سائق الدرب الأحمر المقتول على يد أمين شرطة، ووجوه شابة تشبه مصطفى إبراهيم، ابن العشرين ربيعًا المقتول بالتعذيب في قسم المطرية، وسيدات بـ”عبايات” سمراء يشبهن “نوارة” في فيلم هالة خليل الأخير.

وجوه كثيرة لن تراها في قلب المدينة، فهي ﻷشخاص قادمين من تحت قاع الفقر، يعيشون على هامش الهامش، يسعون لفعل أي شيء وكل شيء للبقاء على قيد الحياة، وفي الأغلب ليسوا مهتمين بقراءة الصحف، ربما لأنهم لا يملكون ثمنها، أو لأنهم حُرموا من التعليم أصلًا، لكنهم قرروا تكريس أنفسهم على مدار ثلاثة أيام لحصار “الصحفيين الخونة”، المعتصمين في نقابتهم منذ الأول من مايو احتجاجًا على اقتحام الأمن لمقر النقابة والقبض على اثنين من أعضائها.

إذا كانت الدولة قد نجحت في شيء خلال الثلاثين عامًا الماضية، فهو سحق ملايين البشر تحت وطأة القهر والفقر، ليس فقط ماديًا، ولكن إنسانيًا أيضًا، فأصبحوا جيشها الاحتياطي في سلاح “المواطنين الشرفاء” إلى جانب البندقية والعصا، لمواجهة احتجاجات المعارضة، وربما كانت “موقعة الجمل” أبرز مثال.

اصطف “المواطنون الشرفاء” خلف قوات الأمن يلوحون بأعلام مصر وبصور للرئيس عبد الفتاح السيسي مطبوعة على ورق فاخر، يرقصون ويغنون على أنغام “تسلم الأيادي” و”بشرة خير” و”سيسي يا عمهم، يا حابس دمهم”، المنبعثة من سماعات ضخمة تحملها سيارة نصف نقل، يسبون الداخلين والخارجين من الصحفيين والصحفيات، يلوحون للمعتصمين بأحذيتهم وبإشارات بذيئة من أصابع اليد، يعتدون أحيانًا على بعض الصحفيين، لكن الأمر لا يتطور أبدًا إلى هجوم شامل أو اشتباكات واسعة، حتى مع زيادة عددهم يوم اجتماع الجمعية العمومية الأربعاء 4 مايو.

عقب إحدى المناوشات الصغيرة التي وقعت بين “المواطنين الشرفاء” وعدد من الصحفيين عند حواجز شارع رمسيس، أمر ضابط بزيٍّ مدنيٍ الصحفيين بالتراجع للوراء ناحية النقابة: “لو سمحتم احنا هنا عشان نحميكم”. سألته: “لو انت بتحمينا ليه سامح لهم بالتواجد أصلًا؟” فجاء رده مُفحِمًا: “زي ما انت مواطن من حقك تتظاهر وتعتصم، هو كمان من حقه يتظاهر ويعبر عن رأيه”!

هدأ بالتدريج قلق الصحفيين المعتصمين من “المواطنين الشرفاء”، بعد الشواهد الكثيرة الدالة على أن التعليمات في موقعة الصحفيين هي عدم الاشتباك. بدا واضحًا أن هدف تواجدهم هو المساهمة في الحصار والتضييق على المتضامنين من غير الصحفيين، وإظهار صورة إعلامية مؤيدة للنظام ورافضة للجماعة “الصحفية الإرهابية”، كما كانوا يهتفون.

قلقٌ من حصارٍ آخر، أهم وأخطر، كان ينمو داخل المعتصمين، خاصة خلال اليومين السابقين لعقد اجتماع الجمعية العمومية.

فمن ضمن إنجازات الدولة القليلة أيضًا نجاحها في خلق سلاح “الصحفيين الشرفاء”، الذي تربطه بمؤسساتها المختلفة شبكة أخطبوطية من المصالح والعلاقات الوطيدة، فمنهم من يتبع وزارة الداخلية، وآخر بوقٌ لجهاز سيادي، وثالث صديقٌ لمؤسسة الرئاسة، وهكذا. وعلى عكس سلاح “المواطنين الشرفاء”، الذي غالبًا ما يكون التجنيد فيه إجباريًا، فإن الانضمام لسلاح “الصحفيين الشرفاء” يكون طوعيًا، وغالبًا بـ”واسطة”، لأنه لا يشترط أي كفاءة مهنية بل مهارات تحمل ماركة “أحمد موسى” و”مصطفى بكري”، كذلك فالمزاحمة على دخول هذا السلاح طاحنة نظرًا للمزايا الجمة المترتبة عليه.

لم يطل الوقت كثيرًا حتى تيقن المعتصمون في النقابة أن سلاح “الصحفيين الشرفاء” دخل المعركة.

خلف كاميرات مدينة الإنتاج الإعلامي وعلى صفحات صحف الدولة وبعض الصحف الخاصة أطلت وجوه “الصحفيين الشرفاء”. أناس أنيقون، يرتدي بعضهم باروكة إمعانًا في التأنق، وجوههم خالية من العلامات المميزة، لا يلوحون بعلم مصر أو يرقصون على “تسلم الأيادي”، يصطفون وراء الأفكار الأمنية، يهاجمون نقابة الصحفيين والمعتصمين بها، ويبررون اقتحامها بدعوى إيوائها إثنين من المطلوبين أمنيًا، يصرخون بضرورة استعادة النقابة المختطفة على يد الخونة أعداء الوطن الذين جعلوا سلالم النقابة منبرًا للتظاهر والتعبير عن الحريات.

وعلى عكس التعليمات الموجّهة لـ”المواطنين الشرفاء” بعدم الاشتباك مع الصحفيين، يبدو أن التعليمات الصادرة لسلاح “الصحفيين الشرفاء” كانت بالهجوم الشامل، ليس فقط بالدعاية وتحريض الرأي العام على موقف النقابة، ولكن أيضًا بـ”موقعة جمل” نقابية تحمل شعار “تصحيح المسار”، ذلك أن النجاح المذهل لاجتماع الجمعية العمومية، وما خرج به الاجتماع من قرارات أبسطها جعل صورة وزير الداخلية “نيجاتف”، كان جرس إنذار لخطة وأد حرية الصحافة، بأن هناك الآلاف المستعدين للقتال حتى النهاية من أجل الحرية.

إن معركة “الصحفيين الخونة”، الذين خانوا الاستبداد، القابضين على جمر الحرية والاستقلال، ليست مع “المواطنين الشرفاء” الذين يحاصرون مقر النقابة خلف خطوط الأمن، وليست فقط ضد وزارة الداخلية. إن معركتنا الحقيقية مع الدولة السلطوية وأذرعها الإعلامية من “الصحفيين الشرفاء”. وأول خطوة في هذه المعركة مهنية، تبدأ بالإصرار على دور الصحفي كمخبر، لكن ليس لدى الدولة أو أي مؤسسة، إنما لدى الرأي العام. سنصرّ على دورنا في تقديم الحقيقة فحسب للقارئ الذي نعمل لديه، سنصر على حق عمرو بدر ومحمود السقا في إعلان رأيهما بكل حرية “الجزر دي مصرية”. ثم تأتي الخطوة التالية، الحفاظ على النقابة منبرًا حرًا مستقلًا. سنقاتل من أجل كيان نقابي يحمينا من ضغوط تحوّلنا إلى مخبرين لدى أصحاب المؤسسات الصحفية وأجهزة الدولة، سنقاتل لتظل نقابة الصحفيين دائمًا قلعة كل المدافعين عن حرية الرأي والتعبير من أبناء المهنة أو لكل المصريين.

شئنا أم أبينا، فمعركة النقابة لا تخص الصحفيين وحدهم. بات الأمر واضحًا وضوح الشمس، فمنذ انقلاب 3 يوليو اتخذت الدولة في ثوبها الفاشي الجديد قرارًا بوأد حركة الشارع وعدم السماح بعودتها بأي ثمن، ونجحت خلال العامين الماضيين في إضعافها كثيرًا، حتى جاءت معركة “الأرض” بعد التنازل المخزي للنظام عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، لتكتشف الدولة أن أوهامها حول قتل الحركة بالرصاص والاعتقالات وكبت الحريات لا تزال بعيدة المنال. لم تكن صدفة أن يجري الاقتحام بعد أسبوعين فقط من تنظيم أكبر مظاهرة خلال العامين الماضيين، من قوى غير إسلامية، تهتف ضد نظام السيسي على سلالم “الصحفيين”، وبعد أسبوع واحد فقط من اندلاع مظاهرات لنفس السبب في أماكن مختلفة، كانت إحداها أمام النقابة، وأجهضها الأمن بحصار الشوارع المحيطة، وبعد ساعات قليلة من ضرب مظاهرة لعمال جاؤوا للاحتفال بعيد الأول من مايو على سلام النقابة. باختصار، قررت الدولة المضي في نهجها البوليسي الساذج إلى آخره. إذا كانت نقابة الصحفيين هي المأوى الأخير للدفاع عن الحريات واحتضان حركة الشارع، فلنضربها.

في قلب هذه المعركة سنواجه من اختاروا استغلال المهنة لبناء مصالحهم الشخصية وتكوين الثروات، سنواجه “الصحفيين الشرفاء”، وسنجدهم دائمًا متمترسين خلف خطوط أولياء نعمتهم من السادة الكبار، مستعدين للتضحية بأي شيء وكل شيء من أجل تلك المصالح، ولذلك فهم أخطر كثيرًا من هؤلاء الغلابة المسحوقين، الذين لا تتجاوز مصالحهم الخمسين جنيهًا أو الانعتاق من “رذالة” الشرطة في عشوائياتهم. لا يجب أبدًا أن ينخدع الصحفيون بشعارات الوحدة النقابية أو المهنية ويظهروا لينًا أو تهاونًا مع من قرروا حصارهم من أبناء مهنتهم.

افضحوهم في كل مكان، أعيدوا نشر تاريخهم الأسود في التطبيل وتزييف الحقائق والتحريض على القتل، ضعوهم على قوائم سوداء وانشروها على الرأي العام.

اعلان