Define your generation here. Generation What

من المحامين إلى الصحفيين: سقوط نظرية ترميم الأنقاض

في أوائل شهر يونيو من العام الماضي وقع اعتداء من الشرطة بالحذاء على المحامين في مدينة فارسكور. استشاط المحامون غضبًا، وقررت النقابة الإضراب وإصدار كتاب أسود يوثّق انحرافات الشرطة واعتداءاتها على المحامين وغيرهم من أبناء الوطن، ولم تهدأ الأزمة إلا بمبادرة الرئيس السيسي نفسه مشكورًا بالاعتذار للمحامين، في يوم 7 يونيو.

كان هذا الاعتذار جديدًا ومفيدًا، لكن ظل فريدًا من نوعه. كان جديدًا لأن رؤساءنا لم يعتادوا الاعتراف بالخطأ، فضلًا عن الاعتذا،. ومفيدًا لأنه نزع فتيل أزمة ضخمة، كانت لتشعل حراكًا شعبيًا غاضبًا في مواجهة رئيس لم يكن أكمل بعد عامه الأول في الرئاسة. كان يمكن لهذا الاعتذار أيضًا أن يبث روحًا بناءة بين السلطة والمجتمع، لو كان ترتب عليه التغير المطلوب في نظرة النظام ككل للمواطنين، وفي أسلوب التعامل معهم بالقانون، وبالدستور طبعًا.

وظل هذا الاعتذار فريدًا من نوعه لأنه لم يتكرر، لا من الرئيس ولا من أي من كبار المسئولين في نظامه في أزمات مشابهة، أو أشد خطورة، إلا إذا أوقفت النظام على حافة الهاوية، كما كان الحال في أزمة قتيل الدرب الأحمر برصاص أمين شرطة.

وقد أدى عدم الالتزام بالاعتذار عن الخطأ كمنهج عام إلى عدم الشعور بالحاجة لمعالجة الأسباب الناجمة عنها هذه الأخطاء، وهذه عينة من أبرزها منذ الأزمة مع المحامين في يونيو من العام الماضي وحتى الأزمة مع الصحفيين في مايو الحالي، أي في عام واحد فقط، والعينة لا تقتصر على الأزمات الناشئة عن أخطاء أو تجاوزات الشرطة، ولكنها تشمل أيضًا أزمات أخرى تصب بدورها في مجرى الأزمة العامة المحتكمة في البلاد.

بدأ شهر مايو 2015 بأزمة رفض وزير العدل الأسبق محفوظ صابر تعيين ابن زبالفي منصب قضائي، ودفاعه عن ذلك علنًا مستندًا إلى عُرف طبقي، وليس إلى دستور أو قانون، ما أدى إلى استقالته تحت وطأة الغضب العام. ومع ذلك لم يأخذ ابن الزبال حقه، مما فهم منه أن طبقية الوزيركانت ذريعة لإقالته أو استقالته، حيث كان مطلوبًا الإتيان بأحمد الزند إلى وزارة العدل لدور بعينه.

في يوم 29 يونيو وقع حادث اغتيال النائب العام السابق هشام بركات.

في سبتمبر اعتُقل وزير الزراعة السابق صلاح هلال بتهمة الرشوة والفساد في ميدان التحرير، وبعد دقائق من تقديم استقالته.

في الشهر نفسه أثار الرئيس السيسي بنفسه الشكوك حول الدستور بقوله إنه كُتب بحسن نية، لأنه أعطى صلاحيات واسعة للبرلمان، والأوطان لا تدار بحسن النوايا فقط! ما أثار مخاوف الكثيرين من العصف بالدستور نفسه، أو تفريغه من محتواه بتجاهله، والخروج على مقتضياته، ما أدى بدوره إلى هندسة البرلمان بالطريقة التي جعلته في نظر كثيرين أسوأ برلمان عرفته مصر، حتى بمعايير برلمانات الديكتاتوريات.

لم ينته سبتمبر إلا وكانت حادثة مقتل السياح المكسيكيين في الصحراء الغربية قد وقعت، وكالعادة سارعت وزارة الداخلية بالقول إن جماعة إرهابية هي من قتلتهم، ليتضح سريعًا أن قوات مصرية هي التي ارتكبت الحادث بطريق الخطأ، مما أجبر الداخلية على الاعتراف.

في شهر أكتوبر بدأت أزمة سعر صرف الجنيه أمام الدولار تتصاعد، وأقيل هشام رامز محافظ البنك المركزي، غضبًا من تصريحه بالأسباب الحقيقية لأزمة الدولار، ومنها سداد مستحقات الشركات الأجنبية المساهمة في حفر تفريعة قناة السويس الجديدة.

وفي أكتوبر أيضًا غرقت الإسكندرية والبحيرة مرتين بسبب السيول، ومات 9 من سكان اﻷولى، وغرق 24 من سكان الثانية.

في نوفمبر، وقع حادث سقوط طائرة السياح الروسية بعد مغادرتها مطار شرم الشيخ، وبالطريقة نفسها أنكرت السلطات المصرية أن الحادث نجم عن قنبلة زُرعت في المطار، وظلت تتحدث عن عطل فني، أو تدعو لانتظار التحقيق، حتى أعلن ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا أثناء زيارة الرئيس المصري للندن أن الحادث وقع بسبب قنبلة، وسحب سياح بلاده من مصر، وكذلك فعلت روسيا.

في اﻷسبوع الأول من نوفمبر، داهمت الشرطة فجرًا منزل رجل اﻷعمال ومؤسس صحيفة المصري اليومصلاح دياب، واعتقلته هو وابنه، ونُشرت صورهما مكبلين بالأصفاد، ووُجهت إليهما تهمة حيازة سلاح دون ترخيص، والاستيلاء على أراض من أملاك الدولة منذ عام 1997، وفُرض التحفظ على أموال الأسرة في اليوم نفسه. ثم اضطر الرئيس السيسي نفسه إلى تهدئة مخاوف رجال الأعمال من حادثة صلاح دياب، وأكّد أن الدولة لا تستهدفهم، وأنه لا يسمح بإهانة أحد، ثم بقدرة قادر أُطلق سراح دياب بعد أيام، وأُلغي التحفظ على أمواله، بعد أن تتالت توابع زلزال القبض عليه بهذه الطريقة، في مصر وفي الخارج بطريقة جعلت الجميع يقفون على حافة الهاوية، وكان أبرز هذه التوابع بيان شديد اللهجة من الخارجية الأمريكية، فضلًا عن انهيارات البورصة، واضطراب السوق المحلية ككل.

وفي الأسبوع نفسه اعتُقل حسام بهجت الصحفي الاستقصائي والناشط الحقوقي، ما تطلب بيانًا من السكرتير العام للأمم المتحدة يحتج بشدة، ويدعو إلى إطلاق سراحه فورًا، وهو ما حدث قبل مرور الأيام الأربعة التي كان قد تقرر أن يقضيها في الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق، ثم تكرر الأمر نفسه مع رسام الكاريكاتير إسلام جاويش، الذي اعتُقل ثم أطلق سراحه بعد ثورة الرأي العام الصحفي والحقوقي.

قرب نهاية نوفمبر قتلت الشرطة المواطن طلعت شبيب في الأقصر، واندلعت مظاهرات الغضب في هذه المحافظة الصعيدية، فسارعت الداخلية بإحالة الضباط المتهمين إلى التحقيق، خوفًا من شدة احتجاج أهالينا في الصعيد المعروفين ببأسهم. ويلاحظ أن الداخلية سارعت إلى الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه، لدرجة أن وزيرها قبّل رأس والد قتيل الدرب الأحمر للسبب نفسه الذي أحيل ضباط الأقصر للتحقيق من أجله، وهو الخوف من جماهير الدرب الأحمر (الشعبية)، في حين تقاعست الداخلية، ولا تزال تتقاعس في حادث وطء رقاب أطباء المطرية بأحذية أمناء الشرطة، وسحلهم من مقر المستشفى حتى قسم شرطة المطرية، اعتقادًا منها بأن غضبة الأطباء ستبقى سلمية، والحادثان كما هو معروف وقعا بعد حادثة الأقصر بمدة طويلة.

في يوم حادثة الأقصر قُتل طبيب بيطري، يملك هو وزوجته صيدلية، تحت التعذيب في الإسماعلية حتى يذعن لرغبة صاحب العقار الذي تقع به الصيدلية في إخلائها وإنهاء عقد اﻹيجار تعسفًا، ولم يعتذر أحد، لأنه لم تكن هناك جماهير شعبية غاضبة، ومع أن الضابط الجاني أحيل للتحقيق وأُوقف عن عمله، فإن سجل الداخلية في مناصرة رجالها، ظالمين أو مظلومين، يقلق أصحاب الحقوق على حقوقهم.

تفجرت قضية تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات حول حجم الفساد المالي (الحكومي) في شهر نوفمبر أيضًا، وظلت تتداعى فصولها دون فتح تحقيق جدي، لا برلمانيًا ولا قضائيًا، حتى أُقصى رئيس الجهاز من منصبه في أواخر مارس الماضي بقرار صدر في منتصف الليل.

طوال شهري ديسمبر 2015 ويناير 2016 سيطرت مهازل الحملات الانتخابية للبرلمان على المشهد، وكذلك سادت أجواء التخويف من مظاهرات محتملة في ذكرى ثورة يناير، يقودها أهل الشر، وتوجهها المؤامرات العالمية، وتحولت القاهرة وغيرها من المدن الكبرى إلى ثكنات مسلحة.

في شهر فبراير بادر الرئيس بنفسه إلى مداخلة تليفزيونية لامتصاص سخط شباب ألتراس أهلاوي، الذين تجمعوا في النادي في ذكرى مذبحة ستاد بورسعيد، متعهدًا بحوار بينهم وبين الرئاسة، ثم لا شيء بعد ذلك.

وما هي إلا أيام حتى وقع اعتداء أمناء الشرطة على أطباء المطرية، والبقية معروفة انتهاء بالاجتماع الطارئ للجمعية العمومية لنقابة الأطباء. وحتى ساعته وتاريخه لا وزير الداخلية اعتذر للأطباء، وبالطبع، ولا رئيس الجمهورية اعتذر، كما فعل من قبل مع المحامين!

ثم انفجرت أزمة العثور على الباحث الإيطالي الشاب جوليو ريجيني مقتولًا بعد تعذيبه، ثم توالت تخبطات السلطة المصرية، ولأن الحادثة ما تزال حية، والتخبطات ما تزال تتوالى، بما أدى لسحب السفير اﻹيطالي من القاهرة، فلا داع للاستطراد، لكن لابد من الانتباه إلى أن الرئيس السيسي حمّل الإعلام مسئولية اﻹضرار بالموقف المصري في قضية ريجيني، مع أن اﻹضرار جاء من تخبط وزارة الداخلية عبر بيانات رسمية منها، أو تصريحات رسمية من رجالها.

ولم ينته شهر فبراير إلا ووقعت حادثة الدرب الأحمر، التي قُتل فيها سائق برصاص أمين شرطة، ولولا سرعة الاعتراف بالخطأ، لعُصف بمديرية أمن القاهرة على يد الجماهير التي حاصرتها، ولوقعت مذبحة في دفاع رجال المديرية عن أنفسهم.

أما شهر مارس فقد وقعت فيه أزمتان كبيرتان من نوع مختلف، بالإضافة طبعًا إلى إقالة رئيس جهاز المحاسبات. الأولى أثارها وزير العدل حين برر تشدده في قضية حبس منتقديه، أو المتجاوزين في حقه من الصحفيين، بأنه مستعد لحبس النبي نفسه إذا تجاوز في حقه، ما أدى لإقالته.

ثم الأزمة التي افتعلها محافظ البنك المركزي بقرار ليس من سلطته يفرض حدًا أقصى للبقاء في مناصب رؤساء البنوك العامة والخاصة، وظلت الفتنة في السوق المصرفية قائمة، حتى اضطر الرجل للتراجع قائلًا إن كلامه كان توصية وليس قرارًا.

وأتي شهر أبريل ومعه أزمة جزيرتي تيران وصنافير، ومعه أيضًا أزمة انهيار سعر الجنيه أمام الدولار لمستويات قياسية، لندخل شهر مايو مع الأزمة الحادة المترتبة على اقتحام قوات الأمن لمبنى نقابة الصحفيين لضبط وإحضار زميلين صحفيين حرّضا على مظاهرتي 15 و25 أبريل ضد موقف الحكومة في قضية تيران وصنافير، ومع أنه كان من اليسير جدًا استصدار أمر من النائب العام بدخول مبنى النقابة تحت إشراف ممثل للنيابة العامة، وبحضور نقيب الصحفيين أو من يمثله، كما يحتم القانون، لضبط وإحضار الزميلين، فإن الشرطة اختارت الطريقة التي تُفهم الجميع أن القوة فوق القانون، وأن لا تسامح بعد الآن مع أية احتجاجات.

***

لديّ سؤال قرب نهاية هذا المقال:

هل يستطيع القارئ بعد قراءة المقال أن يستعيد من ذاكرته عدد هذه الأزمات التي وقعت في عام واحد فقط، فضلًا عن استعادة بعض تفاصيلها؟

أظن أن اﻹجابة بالنفي.

معنى ذلك أنها أكثر من اللازم بكثير، وهذا بدوره يعني أننا بلد يتخبط ويتناحر، وأن النظام الذي يقود البلد لا يملك الرؤية أو الإرادة لفهم جذور هذه الأزمات وإدارتها، فضلًا عن امتلاك بوصلة الإبحار بعيدًا عن الأعاصير والأمواج، وكل ذلك بأداء يتسم بالعصبية المبالغ فيها، رغم أن النظام لا يزال يحظى بتأييد غالبية ضخمة من المواطنين تكفي وتزيد لشئ من الهدوء والتفكير الجدي في تصحيح المسار، كما قلنا أكثر من مرة.

لم نتحدث في تلك القائمة عن الإرهاب في سيناء، أو الصمت المريب في أزمة سد النهضة الإثيوبي، أو الوعود التي قطعت ولم تنفذ، مثل الاستراتيجية القومية الشاملة لمكافحة الفساد، أو الرؤية السياسية لمصر مجتمعًا وحكمًا، ولم نتساءل من أين تُدفع الآن عائدات الشهادات الشعبية لتمويل تفريعة قناة السويس، في حين أن إيرادات القناة الأصلية قد انخفضت، كما لم نتساءل إلى متى نستمر في تلقي النفحات الإماراتية والسعوديةﻹبقاء سعر الجنيه أمام الدولار ضمن مستويات معقولة لا تحرق الفقراء بنيران الأسعار، ولم نتساءل أين برنامج تشغيل الألف مصنع المتوقفة، ولم نتحدث عن التطبيق الانتقائي للقانون، وانحياز السلطة السافر، ولو على حساب القانون، لمناصريها، كما لم نتحدث عن الحملة غير المتوقفة على المنظمات الحقوقية، والتمييز بين تمويل خليجي مرحب به للأنصار، وتمويل خارجي مؤثّم للمنظمات المدافعة عن المواطنين، وعن ضحايا التعسف السلطوي.. إلخ.

فقط ركزنا على الأزمات التي صنعتها السلطات العامة بنفسها ولنفسها ولمصر كلها معها. فمتى تحين لحظة الوقفة الموضوعية مع النفس التي تعطي الشعب حقه، وتعترف أن المهمة الرئيسية والتاريخية التي يحتاجها وطن بحجم مصر وبحجم أزماتها هي بناء نظام سياسي جديد يتحرر من إرث نظام يوليو1952، الذي صار باليًا، نظام غير معبأ حول شخص الرئيس من الصحف إلى البنوك، ومن الشرطة إلى البرلمان.. إلخ، نظام يقبل المساءلة ويلتزم بالقانون ويعترف بالخطأ، ويعتذر عنه، ولا يدعي الوصاية على شعب قاصر عن معرفة ما ينفعه وما يضره، فيُطلق المجتمع من عقاله لتبادر قواه الخلاقة بالتجديد الاقتصادي والسياسي والتعليمي، أو بالتعبير القديم الشهير نظام يصون ولا يبدد، يحمي ولا يهدد”؟

من لا يسمعون صوت التاريخ، يدهسهم التاريخ، أو كما قال أديب فرنسا الكبير وشاعرها فيكتور هوجو في معارضته لثورة نابليون الثالث المضادة لثورة 1848 في فرنسا وبقية أوروبا: “إن جيوش العالم لا تستطيع أن تهزم فكرة جاء زمانها، والزمان في مصر الآن هو زمان الديمقراطية، فلماذا تضييع الوقت والجهد والمال والحريات والأرواح لترميم الأنقاض المتداعية؟

بقيت كلمة أتدارك فيها سؤال من سيقولون: ألم تكن هناك إنجازات تستحق الذكر بجانب هذه القائمة من الأزمات؟ والرد هو أن الإنجاز الأبرز هو انتهاء مشكلة انقطاع التيار الكهربائي في الصيف، وشقّ بعض الطرق الرئيسية، لكن هذا كما يقال ليس أكثر من نقطة في بحر. ومع ذلك فكم أنجز نظام عبد الناصر من إجلاء الاحتلال، إلى تأميم القناة وكسر احتكار السلاح، والتصنيع، والسد العالي، والعدالة الاجتماعية، وفي النهاية ضاعت كل التجربة بسبب الخلل الهيكلي في نظامه السياسي وانغلاقه، وفردية القرار، وكم أنجز نظام حسني مبارك في مجالي البنية التحتية والنمو العقاري، ولكن كل هذا ضاع ومعه التعليم والصحة والصناعة والمكانة الإقليمية والدولية وغير ذلك، بسبب الخلل والفساد في بنية النظام نفسه.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد