Define your generation here. Generation What

من أهان القضاء اليوم؟

حين كشفت الداخلية بخطأ ساذج يناسب أداءها خطتها للتعامل مع ردود فعل الصحفيين على اقتحام مقر نقابتهم أوردت نقطة محورية تبدأ بالقول : “استثمار بيان النيابة العامة..”.

تكفي هذه الجملة كتعبير عما صارت عليه الجهة الموصوفة تاريخيا بـ “محامي الشعب”.

في اليوم نفسه ظهرت النيابة العامة كضلع آخر من أضلاع السلطة، لا كجهاز يحاول إظهار استقلاليته، ليعلن حظر النشر في قضية اقتحام نقابة الصحفيين للقبض على اثنين من الصحفيين المعتصمين داخلها، في تصرف لم يحدث طوال عمر هذا الكيان، ولتتهم مجددًا نقيبها بالتستر على مجرمين، ومنح الختم القانوني بصحة إجراءات تخالف القانون والدستور.

تنضم هذه الإجراءات إلى ما بات تقليدًا متعارفًا عليه يصمت أمامه شيوخ مهنة القضاء خوفًا ربما من الاتهامات بالتسييس أو الاستقلالية التي صارت اليوم تهمة يلاحق من يحملها وتناله الإحالة إلى الصلاحية، بينما يترسخ لدى الناس يوميًا أن هذا الكيان لم يعد يختلف كثيرًا عن وزارة الداخلية وتحرياتها ونظرتها للمتهمين بل والمواطنين عموماً.

متهمون يدخلون إلى التحقيقات وآثار التعذيب على أجسادهم ووجوههم، ويخرجون وعيونهم معصوبة كأنهم أسرى أو رهائن دون أي تحرك قضائي. قرارات تخرج للمحامين بإخلاء سبيل موكليهم وتُعلَن للأهالي ثم تتراجع عنها النيابة وتغيرها إلى حبس على ذمة التحقيقات.

النيابة تحقق مع المتهمين داخل أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن. أيام من الحبس الاحتياطي، ومتهمون يظهرون بعد اختفاء قسري ولا تحقق النيابة ولا تهتم بما لاقوه في فترات غيابهم في دهاليز الأمن الوطني، بل وترفض أحياناً إثبات الفارق بين توقيت ظهورهم أمامها وتاريخ إبلاغ ذويهم باختفائهم في بلاغات وتلغرافات للنيابة ذاتها.

قرارات غير مبررة بالمنع من السفر بناء على رغبات الأجهزة الأمنية يكتشفها المواطنون في المطار. تعنت في زيارات المسجونين، وقرارات بحظر النشر في عصر لم يعد يخفى فيه خبر أو واقعة تفتح المجال للشائعات والتضييق على الصحافة والعاملين بها، وتغيب المعلومة والخبر عن المواطنين.

قرارات إحالة للمحاكمة الجنائية تستند إلى تعبيرات قرآنية حول حد الحرابة والإفساد في الأرض من أجل محاكمة المتهمين بالتظاهر، أو أخرى تستخدم أوصافا أخلاقية مع أعمال إبداعية لتكون مبررًا لإلقائهم في السجن.

اختارت النيابة أن تستثمر السلطة بياناتها وقرارتها، واختارت منذ سنوات أن تصطف مع باقي أجهزة الدولة لتخرج بياناتها وقرارتها مصاحبة لأحداث جسام كتبرير قانوني لحوادث ستبقى آثارها المؤسفة في التاريخ.

إضافة إلى ذلك كله تنتظر أحكام القضاء بتهم الإهانة والنيل منه من يوجه انتقادا لتلك الممارسات، ويحذر من مغبة الاستمرار فيها، ويطالب بمراجعة ما قد يزيد إحساس الناس بفقدان العدالة.

ربما ترضي هذه الأحكام نفوس أعضاء المؤسسة القضائية كرد على ما يعتبرونه نيلًا منهم، وتجدد إحساسهم بأن تقرير مصير البشر وأعمارهم وأموالهم رهن أيديهم، لكن الأخطر أنها لن تمنع ما يترسخ كل يوم في نفوس المواطنين: كل السلطات في مصر على قلب رجل واحد كما قالها رئيس مجلس النواب مباهيًا بنفسه من على منصة البرلمان: “وقت الشدة.. مفيش فصل بين السلطات”.

اعلان
 
 
أحمد خير الدين  @ahmedkhair