Define your generation here. Generation What

لهذا انتصرت “عمومية الصحفيين”

لم يفُق مفاجأة اقتحام مقر نقابة الصحفيين، سوى مفاجأة الحشد الذي حضر اليوم اجتماع أعضاء الجمعية العمومية، والذي تجاوز عدده 3000 صحفي.

من البداية، جاء رد الفعل السريع للصحفيين، عقب اقتحام النقابة وإلقاء القبض على الزميلين عمرو بدر ومحمود السقا يوم الأحد ١ مايو، بالتوافد إلى مقر النقابة وإعلان الاعتصام، ليرسم الملامح الأولى لمشهد اليوم. كان استمرار الصحفيين في اعتصامهم طوال اليومين الماضيين بمثابة كسب ﻷرض جديدة وتصعيد لسقف المطالب، ما أجبر الجميع على التعامل مع ما حدث باعتباره حدثًا جللًا لا يمكن التعاطي معه بإصدار بيانات الشجب والإدانة أو تقديم البلاغات للنائب العام.

ثم أتت قرارات وإجراءات الدولة- من حصار للنقابة وتحرش دائم بالمعتصمين ومنع وفود المتضامنين وبيانات وتصريحات وزارة الداخلية وقياداتها وصولًا إلى بيان النائب العام أمس- التي عكست عدم رغبة أو عدم قدرة على المناورة حتى في حدّها الأدنى، لتساهم في حشد الصحفيين.

مشاهد اليوم كانت غير مسبوقة. فقد امتلأ المسرح الكبير وبهو النقابة بالآلاف الثلاثة من الصحفيين، رغم حصار شارع عبد الخالق ثروت من الناحيتين من الشرطة وحاملي صور السيسي، والذين استمروا لساعات في الهتاف ضد الصحفيين ونقابتهم.

لم يتحقق ما توقعه الكثيرون من حشد الدولة لعدد كبير من الصحفيين المؤيدين لها، لرفع مطالب بسحب الثقة من المجلس والنقيب، بهدف خلق حالة من الانقسام داخل الجمعية العمومية. على العكس، بدت الجمعية موحدة بشكل مفاجئ. كانت صياغة القرارات ناجحة وذكية ومنضبطة في خطابها ومناسبة لسقف أعضاء الجمعية الذي أتى أعلى مما توقعه الكثيرون.

مثّل الحشد الصحفي اليوم إنقاذًا حقيقيًا لأعضاء مجلس النقابة ونقيب الصحفيين يحيى قلّاش الذي بدأ يدخل مرمى النيران بعد التلويح في بيان النائب العام الصادر أمس بإمكانية اتهامه بالتستر على “مطلوبين للعدالة”؛ وهو ما انعكس على أعضاء المجلس واستجابتهم لهتافات الجمعية العمومية التي طالبت بتعديل بعض القرارات، كأن يأتي الاعتذار من رئاسة الجمهورية وليس رئيس الحكومة، وإصرار الصحفيين على إصدار قائمة سوداء بكل من حرّض على النقابة وأعضائها خلال الأيام الماضية. في النهاية بدت الجمعية العمومية صاحبة الصوت الأكثر تأثيرًا، وهو ما استفاد منه أعضاء المجلس وتعاملوا معه بذكاء.

وكما مثّل الاعتصام خلال اليومين الماضيين ومسيرة الصحفيين رافعي الأقلام لمكتب النائب العام يوم السبت الماضي كسبًا لأرضٍ جديدة، فإن تسابق الصحف لإعلان استجابتها لقرارات الجمعية العمومية عبر مواقعها الإلكترونية يؤكد انتقال المعركة إلى مستوى جديد، فالمسارعة بنشر صورة “نيجاتيف” لوزير الداخلية يعني أن قطاعًا هامًا من المشهد الإعلامي يدخل بثقلِه إلى خط المواجهة، حتى ولو لفترة مؤقتة.

يبقى أن اليوم يؤكد أن تغيرًا في موازين القوى يحدث. فبعد مرور ثلاث سنوات، لم يعد النظام السياسي قادرًا على حشد أكثر من عشرات لا يملكون إلا «مكايدة» من يحاولون دخول مقر النقابة أو الخروج منه، وربما الاعتداء على بعضهم مثلما حدث مع الزميلة بيسان كسّاب والصحفي والسياسي خالد داوود. من غير الممكن مقارنة ذلك باحتشاد الملايين في ٢٦ يوليو ٢٠١٣ لتفويض عبد الفتاح السيسي لمواجهة ما وصفه بـ”العنف والإرهاب المُحتمل”، والذي جاء قبل فض اعتصامي رابعة والنهضة بثلاثة أسابيع.

ربما لا ينتهي ذلك التحرك إلى تحقيق المطالب التي رفعها الصحفيون، فالنظام السياسي يبدو بلا قدرة على المناورة أو رغبة فيها، إلا أنه يؤكد بدء انفصال قطاع كبير من الصحفيين، وقبلهم الأطباء والمحامون، عن النظام السياسي وخطابه، وأن شعبية النظام مستمرة في التدهور بمعدل سريع على صدى الهتاف الذي تردد اليوم: «السيسي هو المسؤول».

 
اعلان