Define your generation here. Generation What
في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. مأزق التشريعات الصحفية في مصر
 
 

بينما يحتفل العالم، اليوم، باليوم العالمي لحرية الصحافة، يمر المشهد الصحفي المصري بواحدة من أكبر لحظاته تأزمًا. فقبل يومين، قامت قوات اﻷمن -في سابقة تاريخية- باقتحام مقر نقابة الصحفيين وإلقاء القبض على كل من الصحفي عمرو بدر، رئيس تحرير موقع “بوابة يناير”، ومحمود السقا، الصحفي بنفس الموقع، واللذين كانا معتصمين بمقر النقابة، على خلفية اتهامهما بالتحريض على التظاهر.

جاءت الحادثة بعد أيام من بيان أصدرته نقابة الصحفيين أعلنت فيه عن تقدمها ببلاغ عاجل إلى النائب العام ضد وزير الداخلية مجدي عبد الغفار ومدير أمن القاهرة خالد عبد العال بصفتيهما، على خلفية الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيين ومحاولة اقتحام مقر النقابة قبل أسبوع.

كانت قوات اﻷمن قد أغلقت شارع عبدالخالق ثروت، حيث مقر النقابة، يوم الاثنين 25 أبريل الماضي، إثر دعوات للتظاهر أمام المقر في ذلك اليوم، ضمن عدة أماكن أخرى أعلن منظمو المظاهرات المناهضة للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير اعتزامهم التواجد فيها، ومنعت قوات الأمن الصحفيين النقابيين من الوصول لنقابتهم، فيما لم تسمح سوى لعدد من مؤيدي النظام بالتواجد أمام النقابة، والذين قاموا بالاعتداء عليها ومحاولة اقتحامها تحت حماية الشرطة.

أتى اقتحام مقر نقابة الصحفيين من قبل قوات اﻷمن بعد تكرار هجوم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على وسائل اﻹعلام المصرية خلال خطابات له، عبر فيها عن عدم رضاه عن عدد من المواقف والتغطيات اﻹعلامية.

وبدا هجوم السيسي على الدور اﻹعلامي غريبًا في ظل القبضة القوية التي تتحكم بها الدولة في وسائل اﻹعلام بمختلف صورها.

فطبقًا لتقرير أصدرته لجنة الحريات بنقابة الصحفيين في فبراير الماضي، جاء بعنوان “صحفيون تحت مقصلة الحبس والاعتداءات”، فإن الصحفيين تعرضوا خلال عام 2015 لأكثر من 782 انتهاكًا جاء معظمها من وزارة الداخلية وعدد آخر من مؤسسات الدولة، وتنوعت صورها بين “السجن والحبس، والحبس الاحتياطي، والتوقيف، واقتحام المنازل للقبض، وتلفيق التهم، وإصدار أحكام شديدة القسوة، وكذلك المنع من مزاولة المهنة وتكسير المعدات والكاميرات، مع تعسف واضح ضد كل محاولة لرصد الانتهاكات التي يتعرض لها الزملاء في ميدان العمل”.

وامتدت الانتهاكات، بحسب التقرير، إلى “المنع من الكتابة أو وقف المقالات وكذلك المطاردة القانونية واقتحام مقار صحف أو مواقع إخبارية، فيما عادت أساليب قديمة كانت الصحافة قد تجاوزتها مثل تعطيل طباعة عدد من الصحف أو فرم نسخ منها من خلال جهات رقابية موجودة في مطابع الصحف الكبرى”.

وطبقًا للرصد الذي أجرته اللجنة، فإن الصحافة الالكترونية (شبكات إخبارية ومواقع)، كانت الأكثر عرضة للانتهاكات، فيما جاءت الصحف الخاصة في المرتبة الثانية.

أتى كل ذلك في سياق الهجوم الشرس الذي تتعرض له الجماعة الصحفية في مصر في ظل غياب تشريعات لتنظيم العمل الصحفي وحماية الصحفيين، خصوصًا مع التغيرات الكبيرة التي تراكمت عبر السنوات اﻷخيرة، بسبب اتساع فضاء اﻹنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، والزيادة الكبيرة في عدد المواقع الصحفية اﻹلكترونية، والمواقع المحلية.

كانت اللجنة الوطنية ﻹعداد تشريعات الصحافة واﻹعلام -وهي لجنة أنشأها رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب أواخر 2014 لصياغة مشاريع قوانين للصخافة واﻹعلان- قد انتهت في منتصف أغسطس الماضي من إعداد مشاريع قانوني “تنظيم الصحافة واﻹعلام”، ومنع حبس الصحفيين، بعد ما يقرب من عام كامل على بدء إعدادهما.

وبرغم الانتهاء منها قبل ثمانية أشهر، تأخرت مشروعات القوانين المقترحة. فيما صرح يحيى قلاش، نقيب الصحفيين، لـ “مدى مصر” مسبقًا أنه كان يأمل أن يقوم الرئيس باستغلال سلطاته التشريعية قبل انعقاد مجلس النواب وأن يصدر مراسيم بالقوانين المقترحة.

وعلى الرغم من أن اللجنة الوطنية التي تم تكليفها رسميًا من رئيس مجلس الوزراء السابق قامت بالفعل بإعداد مشروعات القوانين، إلا أن عددًا من اﻹعلاميين المحسوبين على الدولة هاجموا قوانين اللجنة. فعلى سبيل المثال، وصف أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب ووزير اﻹعلام اﻷسبق، مشروع قانون تنظيم الصحافة واﻹعلام بأنه غير دستوري. بدوره، اتهم نقيب الصحفيين أسامة هيكل بأنه “يحرض ضد المشروع ويقود حملة صحفية ضده” بهدف تعطيله.

من جانبه، وبعد أيام من الإعلان عن مشروع القانون، أعلن الصحفي مصطفى بكري عن وجود “لجنة أخرى تضم قامات صحفية منهم مكرم محمد أحمد، وصلاح منتصر، أعدت مشروعاً جيداً يتوافق مع الدستور”.

وبالفعل، نجحت الخطوة في إحداث تأثيرها. ونقلت صحيفة اﻷهرام عن المستشار مجدي العجاتي، وزير الشئون القانونية ومجلس النواب، أن لجنة في وزارة العدل هي التي تقوم بـ “صياغة مشروع قانون الصحافة والإعلام الجديد”. وطبقًا له، فإن لجنة وزارة العدل تشكلت ﻷن “الجماعة الصحفية لم تتفق على لجنة محددة تعكف على إعداد القانون”.

لتصدر نقابة الصحفيين بيانًا أعربت فيه عن “قلقها البالغ” بسبب تصريحات العجاتي المتعلقة بقانون تنظيم الصحافة والإعلام، “والتي أشار فيها إلى أن لجنة بوزارة العدل ستراجعه منفردة، بعيدًا عن النقابة واللجنة الوطنية للتشريعات الممثلة لكل الهيئات الصحفية والإعلامية”.

وأضاف البيان أن “تصريحات العجاتي سابقة خطيرة وتمثل ضربة قوية للدستور وللتوافق الصحفي والإعلامي مع الحكومة كما تمثل تراجعًا خطيرًا عن طلب الرئيس من الجماعة الصحفية والإعلامية أن تعد قانونها”.

فيما أشار صلاح عيسى، الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة، عضو اللجنة الوطنية لصياغة تشريعات الصحافة والإعلام، في تصريح لـ “مدى مصر” تعقيبًا على تصريحات العجاتي، إلى اعتقاده أن أحد أجنحة الحكومة لا يريد إصدار تشريعات اللجنة الوطنية ﻷنه يعتقد أنها “ديمقراطية أكثر مما ينبغي وإن الوقت غير ملائم لمثل هذه التشريعات”.

وأسفرت المناورة الحكومية عن قبول اللجنة الوطنية ببعض التغييرات. وعملت اللجنة الوطنية مع اللجنة الحكومية من أجل الانتهاء من مراجعة مشروع القانون الموحد لتنظيم الصحافة والإعلام.

ونقلت صحيفة المصري اليوم منتصف الشهر الماضي عن عيسى قوله إن برنامج اللجنة المشتركة يقوم على أمرين، “الأول أننا أوشكنا على الانتهاء من مشروع الصحافة والإعلام، وسننتقل بعدها إلى الأمر الثاني وهو مشروع قانون إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر”.

وفي 25 أبريل الماضي، أعلن ضياء رشوان، اﻷمين العام للجنة الوطنية ونقيب الصحفيين السابق، عن انتهاء اللجنة المشتركة من مراجعة القوانين المقترحة، وتقديمها إلى الحكومة.

وأكد رشوان أن “المشروع جاء بتوافق كامل بين اللجنة الوطنية والحكومة، سواء السابقة برئاسة محلب، أو الحالية برئاسة المهندس شريف إسماعيل، وسيتم تقديمه لمجلس النواب باسم الحكومة وليس اللجنة الوطنية”.

وفي حين لم يُشر أيًا من الحكومة أو اللجنة الوطنية إلى التعديلات التي تم إدخالها على القانون المقترح، إلا أنه، وطبقًا للمسودة التي تم نشرها في أغسطس الماضي، سيتم إنشاء بنية تشريعية موحدة لكل وسائل اﻹعلام دون تفرقة. وتخضع وسائل اﻹعلام بأنواعها المختلفة لسيطرة “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، وهو مجلس “يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، وله ميزانيته المستقلة”.

وحسبما تحدد المادتان 63 و64 من المشروع، فإن إنشاء موقع إلكتروني “صحفي” سوف يتطلب في المستقبل الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عبر طلب كتابي، يبت المجلس فيه خلال مدة لا تتجاوز تسعين يومًا. كما يتوجب للحصول على الترخيص إنشاء شركة مساهمة، لا يقل رأس مالها عن نصف مليون جنيهًا، يودع نصفها في أحد البنوك المصرية قبل بدء “البث”. وتتضمن الشروط أيضًا أن تعين كل “مؤسسة” مسؤولًا عن “البث”، يشترط فيه أن يكون مصريًا وله خبرة لا تقل عن عشر سنوات في العمل الصحفي، وأن يكون متفرغًا لعمله، وأن يتمتع باﻷهلية القانونية. وفي حال استيفاء الشروط السابقة، وموافقة اللجنة على منح الترخيص، والبدء بالبث فعلًا، سيحتاج القائمون على الموقع إلى موافقة جديدة مختلفة من المجلس في حال رغبوا أن يصل هذا “البث” إلى “الهواتف الذكية”. يقترح القانون أيضًا معاقبة من يقوم بـ”البث الرقمي” دون ترخيص بـ “غرامة لا تقل عن ربع مليون جنيه ولا تزيد على نصف مليون جنيه.”

في مقابلة سابقة مع “مدى مصر” أوضح الصحفي إيهاب الزلاقي أنه رغم احتواء لجنة إعداد مشروع القانون على عدد من أصحاب الخبرة الكبيرة في مجال التشريعات الصحفية، إلا أن الكثير منهم ليسوا على دراية بالتطورات الحادثة في مجالات الصحافة واﻹعلام.

لكن تشريعات تنظيم الصحافة ليست إلا رقمًا واحدًا في معادلة حرية الصحافة.

يرى محمد طارق، الصحفي بجريدة “المصري اليوم”، أنه لا بد من توفير مناخ أكبر من الشفافية وحرية تداول المعلومات للسماح للصحفيين بممارسة عملهم.

ويضيف طارق، الصحفي الشاب والذي يقوم عادة بالكثير من العمل الصحفي الميداني، أنه لا يمكن الاكتفاء بعضوية نقابة الصحفيين كمظلة للعمل الصحفي، مطالبًا الصحفيين بالضغط لتفعيل البنود المتعلقة بتوفير الحماية القانونية للصحفيين غير المقيدين بجداول النقابة.

ويؤكد كذلك على أن المعركة الحالية بين الجماعة الصحفية والدولة تمثل فرصة مناسبة لتحديد عدد من الحقوق الواجب انتزاعها من السلطة، ووضع أسس التعامل الأمني مع الصحفيين.

ومع مرور 25 عامًا على إعلان ويندهوك، والذي تم على أساسه اختيار يوم 3 مايو للاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يزال أمام الصحافة المصرية طريق طويل من أجل تحقيق مكتسبات هذا اﻹعلان: ضمان بيئة إعلامية حرة ومستقلة وتعددية كشرط لحرية الصحافة، وضمان أمن الصحفيين أثناء ممارستهم أعمالهم، وضمان التحقيق الشفاف في جرائم التعدي على حرية الصحافة.

اعلان
 
 
محمد حمامة