هيبتا: محاضرة “المُحن”
 
 

في العامية المصرية لدينا مصطلح متعدد الاستخدامات، وهو الـ “مُحن” الذي يبدو مرتبطًا بالجذر اللغوي “محَن، مِحْنة” بمعنى كرب، أزمة أو اختبار. لسبب ما ارتبط هذا التعبير بالرغبة الجنسية، خاصة لدى الأنثى. ربما كان الحرمان الذي يعانيه المرء -خاصة لو كان امرأة- في مجتمع ذي أغلبية محافظة، مثل معظم البلاد الناطقة بالعربية، سببًا في جعل الرغبة الجنسية كربًا يعانيه الناس واختبارًا على الجميع المرور به.

تطورت الكلمة لتخدم أغراضًا كثيرة في كلام المصريين اليوم. فأصبحت كلمة “ممحون، ممحونة” هي ما يصف به الناس الشخص المتلاعب الذي يظهر نوعًًا من الضعف المُصطنع مستجلبًا به شفقتهم أو اعجابهم. استخدام لفظ سئ السمعة مرتبط بالشوق لعلاقة حميمة في وصف نوع من أنواع التواصل لا علاقة له بالحميمية، حمّل الجنس المزيد من الارتباطات السلبية في أذهان الكثير من المصريين.  

لعوامل مثل تلك دُفعت “الرومانسية” في مصر ناحية منطقة شديدة التعقيد، حيث تُغطى أطنان من المشاعر الإنسانية العادية، تُضغط وترتبك وتضمُر إلى الحد الذي يجعل لا مجال لمناقشتها سوى محاضرة طويلة للغاية في فيلم حصد ١٠ ملايين جنيه في أسبوعه الأول في دور السينما.

صدم نجاح فيلم هادي الباجور الثالث “هيبتا: المحاضرة الأخيرة” الكثيرين -خاصة وأنه ليس موسمًا سينمائيًا معتاداً، وأن الفيلم لا يحوي الطبخة المعتادة من سكس، عنف وضحك. الرواية التي حوّلها السيناريست وائل حمدي لنص سينمائي هي أول رواية لمحمد صادق تحقق بعض النجاح الملحوظ بعد روايتين لم يلفتا الانتباه، ويُنظر لها من قبل مهاويس الأدب باعتبارها رواية مراهقين. هناك دائمًا أفلام ناجحة عن قصص حب -في الحقيقة فكل الأفلام الناجحة تقريبًا هي عن قصة حب. في الحقيقة كل الأفلام هي بشكل أو بآخر عن قصة حب. وهناك أيضًا الكثير من أدب المراهقين يُكتب طوال الوقت. ماذا يميز هذا العمل إلى هذا الحد إذن؟

ذكرني نجاح “هيبتا” بنجاح “سهر الليالي” الذي كتبه تامر حبيب وأخرجه هاني خليفة في ٢٠٠٣. حقق “سهر الليالي” أيضًا نجاحًا مباغتًا وغير متوقع، وتحدث الجميع عنه باعتباره عملًا تشريحيًا للحياة العاطفية للمجتمع المصري. بدا وكأن الفيلم كان مهتمًا بعوامل نفسية، اجتماعية وشخصية تربط مجموعة من الأصدقاء يمر كل منهم بلحظة مفصلية في حياته. بالإضافة لكونه متقن الصنع جدًا بالنسبة لظروف صناعة السينما في مصر وقتها، اختلف الفيلم نفسه عن أفلام عاطفية تجارية مشابهة بأن أضاف ما أسميه “العنصر غير المريح”، وهو المصداقية، المصداقية التي يضيفها صُنّاع العمل من واقع تجاربهم الشخصية وذكرياتهم المدفونة في أعماق المنطقة التي لا يريد أحد الذهاب إليها، اللاوعي. هذا ما جعل قطاعات عريضة من الجمهور تشعر بالألفة مع ما يحدث، وبالتالي نجح الفيلم.

من هنا تأتي شجاعة العمل الفني، وهو ما أتصور أن الجمهور يقدره، سواء في عمل عاطفي، درامي أو حتى كوميدي. كانت لدى صناع العمل الشجاعة الكافية للكشف عن جوانب من شخصياتهم، عن كيف كانت حياتهم عندما لم تكن أنت هناك، ولمواجهة العالم بها، مثلما يسخر محمد هنيدي من قصر قامته، أو عندما يتقمص محمد سعد هذه الشخصيات التي تبدو مستلهمة من بشر عاش معهم في أفقر أحياء مصر، أو عندما يخاطر صُنّاع “هيبتا” بمكاشفة العالم بما يظنون أنه الحب، بغض النظر عن عدد الناس الذين قد يجدون هذا سخيفًا أو مبتذلًا للغاية.

وقد يكون “هيبتا” سخيفًا بأكثر من طريقة. ففكرة أن يكون هناك فيلم عن مثقف مصري متوسط العمر لطيف يحاضر الناس عن المراحل السبع للحب في جامعة القاهرة فكرة مضحكة بالنسبة لي. وفكرة أن هذا الرجل يعظ الناس كبطريرك أصيل من كرسيه الفاخر المهيب من فوق المسرح -والمرة الوحيدة التي يتحدى سلطته فيها شاب صغير، يهزمه البطريرك- هي أيضًا فكرة محبطة بالنسبة لي، خاصة في مجتمع يوعَظ طول الوقت بخصوص أي شيء وكل شيء، ولا يجري فيه تحدي سلطة الكبار فوق الكراسي الفاخرة بالقدر الكافي على الإطلاق. نظرات الانبهار الطفولية على وجوه المستمعين لخطبة الحب ضايقتني، وعلاقة فوقية مثل التي كانت بين المحاضِر وبينهم هي السبب في كثير من هموم المصريين في اعتقادي.  

أيضًا، من المفترض أن يكون  الفيلم عن “المراحل السبع للحب” (لدى المثقف متوسط العمر هذه النظرية عن مراحل الحب التي يسميها “هيبتا”)، ولكنه في الحقيقة عن أربعة رجال يقعون في الحب بأشكال مختلفة، وفي النهاية عن رجل واحد. نشاهد خطوطًا درامية لأربع علاقات عاطفية تتطور، والرجال دائمًا في مركز الأحداث، يفعلون كل شئ، بينما لا تقوم النساء سوى بالتفاعل معهم. أتفهم أن الاختيار متروك للكاتب ليركز أينما يشاء ويمركز الأحداث حول من يشاء، ولا ضرر إطلاقًا من صنع فيلم عن حياة رجل ما العاطفية، أو عن عالم الحب عند الرجال إذا أردت. أتفهم أيضًا كيف أن منعطفًا دراميًا في نهاية الفيلم يتطلب أن يكون موقع الرجل حيويًا في كل قصة. لكن إذا كان الوعد الذي قدمه الفيلم هو استكشاف لمعنى الحب بشكله العام، بينما كل ما تشاهده هو رجل ذكي يتحدث عن تجارب الرجال العاطفية، يُستشعر هنا مستوى من العزلة،  يجعل التظاهر بالحكمة المطلقة والمعرفة الكلية يبدوان في منتهى الهشاشة، عندما يكون الأمر كله متمحورًا حول ذات المؤلف وما يريده هو كذكر بهذا الشكل.

أذكر أن أول صدمة كانت قبل مرور دقيقة على أحداث الفيلم، عندما قال ماجد الكدواني شيئًا جميلًا عن الحب كشعور عام، ثم أتبعه بأن الواحد “مننا” بيبقى محتاج ست حنينة تهون عليه مصاعب الحياة التي نواجهها.. إلخ إلخ إلخ، وكأنـ”نا” بالضرورة رجال، والنساء هم من ضمن الأشياء التي نحتاجها في الحياة لتحمل مصاعبها، وهو طرح يحمل تحت كونه مغازلة رقيقة، بذرة العلاقة الملتبسة بين الرجال والنساء في العالم عموماً، عندما يُنظر للعلاقات العاطفية بمعزل عن حجم الظلم في توزيع الامتيازات بين الرجال والنساء.   

ولكن رغم أن “هيبتا” لا ينتمي لنوعي المفضل من الأفلام، ورغم أني كنت أعرف قبل مشاهدته أنني قد لا أستمتع بمشاهدته كثيرًا، إلا أنني استمتعت أكثر مما توقعت. كانت القصص الأربع مسلية إلى حد كبير، خاصة في النصف الأول، وكانت مطعمة بتفاصيل ثرية للغاية. رُسمت الاختلافات بين الشخصيات بدقة وأداها الممثلون ببراعة ودون مبالغة؛ كنت أتذكر أشخاصًا أعرفهم بينما أشاهد الفيلم. أنا سعيد أن هذا الفيلم صُنع بنية تشجيع الناس على الوقوع في الحب وتقبل آلامه والتعلّم منها. أنا سعيد ﻷنه، رغم كل “المُحن” في الفيلم، فقد حاول على قدر استطاعته تحدى تقاليد وعادات تقمع مشاعر إنسانية طبيعية. أنا سعيد أيضًا لأن هذا الفيلم يبدو مقتنعًا أن “الحياة حلوة” ويشجع الناس على الاستمتاع بها في وقت ينظر فيه الكثير من المصريين لمستقبلهم باكتئاب وتشاؤم. أنا سعيد بأن فيلمًا مثل هذا حقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا وأن الكثيرين يريدون إنفاق أموالهم على فيلم يخاطب غرائز مختلفة عن الخوف والتنافسية والاستغلال.  

تفوقت سعادتي بالفيلم في النهاية على إحباطي منه. أتمنى أن يلهم نجاحه الكثير من صُنّاع الأفلام لاستكشاف كنوز أدبية لدى الحضارة العربية قادرة، إذا دُمجت مع فن السينما بالحرفية المطلوبة، على صنع شئ جديد، يوحي للناس بمجابهة ما يقمعهم دون أن تتلبسهم نفس الأدوار الأبوية القامعة.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن