Define your generation here. Generation What
قصة حلب من بداية الثورة وحتى المحرقة الكبرى!
 
 

في مأوى القديس إيليا، الواقع بالقسم الشرقي من مدينة حلب، الذي تسيطر عليه القوات المعارضة للأسد، يسكن عدد من العجائز. بعض من أبنائهم، للمفارقة، يسكنون في القسم الغربي الذي تسيطر عليه قوات النظام. “ماذا يمكننا أن نقول؟” يتساءل جوزيف، أحد المقيمين بالدار، بعد مقتل أصغر أولاده فادي، جراء قذيفة هاون انطلقت من حلب الشرقية إلى الغربية، على يد الثوار الذين يقدمون له ولزملائه من المسنّين -هم أنفسهم- الخبز والشاي.

هذه أحد المشاهد السريالية التي حدثت بحلب في السنوات الماضية، ويحكيها لنا كتاب “مآسي حلب.. الثورة المغدورة ورسائل المحاصرين”، الذي أعده صبر درويش ومحمد أبي سمرا، والصادر في مطلع عام 2016 عن دار “منشورات المتوسط- إيطاليا”، بالتعاون مع مركز “شرارة آذار الإعلامي”.

ضم الكتاب شهادات حية، وقصصًا وحكايات ومعلومات عن طبيعة الأحداث ومساراتها في مدينة حلب، تُروى بشكل سردي واستقصائي، ولهذا يعدُ الكتاب وثيقة ومدخلًا حيًّا لمحاولة فهم ما جرى في حلب منذ بداية الثورة السورية عام 2011 وحتى الآن، خاصة أنه حاول قدر الإمكان “عرض التجربة على لسان شهودها من دون تدخل من المعدَّين اللذين جمعا المادة وحرّراها”، حسبما جاء في المقدمة.

بالإضافة للرسائل واليوميات، جاء التحقيق الصحفي الذي قام به ماثيو أيكنز، عن الدفاع المدني في حلب، والتحقيق الذي كتبه كريستوف رويتر عن بعض جوانب الحياة اليومية فيها، وترجمهما للعربية محمد أبي سمرا، إضافة مهمة وثرية في التوثيق للحرب الدائرة في المدينة. كما ضم الكتاب عرضًا تفصيليًا لكافة الألوية العسكرية التي تقاتل على الأرض ضد النظام، بالإضافة للتغيرات الطارئة على تشكيلاتها وسياساتها، حسب الداعمين والممولين، مثل قطر وتركيا، ورجال الأعمال السوريين والخليجيين.

***

نفتقد رفاهية البحث عن لغة تعادل حجم المأساة السورية المتمثلة في اﻷيام الأخيرة بمدينة حلب. هل أن ما حدث هناك “محرقة” أم “إبادة جماعية” أم “أكبر كارثة إنسانية شهدها العالم في القرن الحادي والعشرين”؟ تختلط كل التوصيفات والعبارات في خيال المرء لدى مشاهدته الفيديوهات التي تعرض جثثًا مطحونة، وأشلاء متناثرة هنا وهناك، وبشرًا محتضرين تحت أنقاض بيوتهم.

باتت اللغة الدرامية التي تُحكى بها المأساة السورية أحد أهم اﻷدوات لتحويل أي سوري يعيش تحت خط النار إلى ضحية أبدية، بدءًا من لحظة مواجهته لمصيره، وانتهاء بموته. صورة الضحية اﻷبدية هي الصورة المكرسة اﻵن لدى التعاطي مع الموت اليومي في سوريا.

لكن عندما نقرأ عن هذه الضحية ذاتها، نجد أنها في خضم تعايشها مع مأساتها، ولفائض اﻷلم المحيط بها، تنتج لغة بعيدة تمامًا عن الدراما، كما يرينا الكتاب، كأن تغني مجموعة من الأفراد العاملين في الدفاع الوطني، وهم في طريقهم لانتشال العالقين من تحت ركام منازلهم: “يا منيك يلي تحت اﻷرض، جايين نشيلك، يا منيك يلي بقلب النار، جايين نطفيك”.

***

يتتبع الكتاب بدايات الحراك الثوري في حلب في عام 2011، ومحاولة القبضة الأمنية للنظام السوري الفصل بين المدينة وريفها. ذلك أن بعض المدن الريفية سبقت المدينة في خروج المظاهرات منها ضد النظام، وخاصة الريف الشمالي بمدينتي مارع 9 نيسان /أبريل 2011، وكوباني (عين العرب) في 12 من الشهر نفسه. بعد خروج تلك المظاهرات بالريف فوريًا، خرجت مظاهرة في كلية اﻵداب بجامعة حلب في يوم 13 من نفس الشهر. ونظرًا للاعتقالات والقمع والبطش بحق المتظاهرين من قِبل عناصر الأمن والشبيحة، اعتمد الناشطون على المظاهرات الطيّارة، التي لا تستمر أكثر من ربع ساعة، في كل من أحياء “طريق الباب”، “الصاخور”، “مساكن هنانو”، “الشعّار”، “المرجة”، “الفردوس”، “بستان القصر”، “السكري”، “جمعية الزهراء”، “حلب الجديدة”، “سيف الدولة”، و”صلاح الدين”. كان لهذه المظاهرات دور كبير في كسر حاجز الخوف لدى الشعب، حيث اندلعت أولى المظاهرات خارج الجامعة في 25 أيار/ مايو 2011، مما أدى إلى توسع رقعة الاحتجاج في المدينة. في نفس الوقت ظل لجامعة حلب دور كبير في المظاهرات، التي استمرت حتى بالتزامن مع تحول الثورة نحو التسلح في المناطق الريفية.

في الفصل الذي جاء تحت عنوان “المدينة تُخِرجُ أثقالها” يروي لنا “عزيز تبسي” التغيّرات التي طرأت على الحياة اليومية في عام 2011، من انتشار الشبيحة في الشوارع، إلى عمليات الخطف وارتفاع عدد الجنايات والجنح والسرقات والسلب والخطف بغرض أخذ الفدية. كان هذا من النتائج الأولية لسلسلة من مراسيم العفو عن السجناء الجنائيين التي بدأت بـمرسوم عفو رئاسي في أيار/ مايو 2011، “تبعته مراسيم أخرى وتعليمات للأجهزة التنفيذية، بالكف عن ملاحقة المطلوبين الجنائيين، ليحصلوا -بعدها- على مواقع السيادة والسيطرة في الفضاء العمومي المديني، محظيين بتجاهل متعمّد لتجاوزاتهم من الأجهزة المسؤولة عن مراقبتهم وحماية المجتمع من مخالفاتهم”، كما يضيف الكتاب.

رافق ذلك أيضًا تحول البيوت إلى قلاع حصينة لانعدام شعور سكانها بالأمان، كجلب ورش الحدادة والحدادين لـ”تمتين أبواب العمارات، صناعة أبواب حديثة لمن أهملوا بوابات عماراتهم في ما مضى من سني الأمان النسبي، وتركيب أسوار حديدية منيعة على النوافذ المنخفضة. يعقبُ الحدادين الكهربائيون لتركيب الضواغط الآلية للأبواب وكاميرات المراقبة على زواياها الرئيسية، والإنترفونات البصرية؛ ليرى السكان زائريهم، المعلومين والمجهولين، قبل فتح الأبواب”.

مع ذلك ظلت الأبواب تُخلع بالمطارق والمهدّات ورشق الأقفال الموصدة بدفقٍ من الطلقات النارية. يعلق عزيز: “هذا ما تعرضه محطات التلفزيون (المعادية) للنظام… فتلك المشاهد تحفّز مباشرة على تحديد مَن هم المقتحمون في عز النهار، ومن هي العصابات المسلحة”.

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد دخل الطعام والمؤونة ضمن مخاوف الحلبيين: “بعضهم أفرغ غرفة من البيت للمؤونة من المواد الجافة، كالبرغل والأرز، والسكر والعدس، والفاصولياء؛ والسائلة كالزيت والسمن والمنظفات”.

معركة حلب وانقسام المدينة:

نظرًا لدور جامعة حلب المحوري في توسيع الحركة الاحتجاجية في المدينة، وردًا على توافد طلبة المدارس إليها للتظاهر، منعتْ أجهزة الأمن دخول غير الطلاب الجامعيين إلى الجامعة، وانتشرت قوات الأمن والشبيحة في المدينة الجامعية وعلى أبواب كلياتها. نتج عن ذلك توقف الطلاب المعارضين للنظام عن الدراسة وتفرقهم: “قسم منهم انضم إلى الجيش الحر، وشكلوا (كتيبة شهداء الجامعة)، و(كتيبة أبو عمارة). قسم آخر قرر الاستمرار في النشاط المدني السلمي، فتمثل في (مجلس حلب المحلي) بعد إنشائه. قسم ثالث غادر المدينة، بعضهم حلبيون، ومعظمهم من مدن سورية أخرى، وكانوا يدرسون في جامعة حلب”.

مع بدايات 2012 بدأ الحراك الحلبي في التسلّح، ومن ريف حلب دخلت كتائب الجيش الحر المقاتلة إلى بعض أحياء المدينة، ورافق هذا انضمام حلبيين من تلك الأحياء إلى صفوف الكتائب المسلحة.

في العشرين من تموز/ يوليو 2012 اندلعت معركة حلب والتي ردّ مقاتلو الجيش الحر فيها على قوات الأمن التابعة للنظام، وتمكنوا بعد سلسلة من العمليات العسكرية من دفع قوات النظام إلى الجهة الجنوبية والغربية من المدينة، أي إلى أحياء “الحمدانية”، “حلب الجديدة”، وأجزاء من حي “صلاح الدين”. تمكن المعارضون من فرض سيطرتهم على القسم الشرقي من المدينة، والذي يشمل “مشفى العيون”، “مساكن هنانو”، “أنصار الشرقي”، “الشعّار”، “القاطرجي”، “قاضي عسكر”، “دوار جسر الحج”، “الفردوس”، “السكري”، وأجزاء من “صلاح الدين”.

في أحد هذه اﻷحياء الشرقية يقع مأوى القديس إيليا الذي يقيم به عجائز مسيحيون يسكن أبناؤهم في القسم الغربي، والعدو، من المدينة، ويفصل بينهما خط، يُعرف اليوم بـ”خط الجبهة” الذي جرت وتجري في محيطه أعنف المعارك.

بعد هذه المعركة وانقسام المدينة، تحولت الحياة في حلب إلى جحيم. يحكي الكتاب عن اﻷجواء التي تلت هذه المرحلة، وتحديداً الظروف المعيشية، وكيفية تدبير الشؤون العامة، وتشكل الهيئات وتحكم الكتائب المسلحة وهيمنتها على الحياة في المناطق التي سميت بـ “المحررة” في المنطقة الشرقية.

باتت حلب الشرقية تحت رحمة البراميل المتفجرة والصواريخ أرض-أرض التي تنهال على رؤوس السكان يوميًا من جهة النظام، باﻹضافة إلى هيمنة اﻷحكام الصادرة عن الهيئات الشرعية التابعة للكتائب المسلحة. حتى عمليات النهب باتت “شرعية”، بعد ما طالت تهمة “شبيح” أي شخص يعيش حياة ميسورة نوعًا ما، لتبرير تجريده من ممتلكاته.

أما خط الجبهة، فلا يتاح انتقال المدنيين عبره إلا من خلال معبر “بستان القصر” والواقع بين حلب الشرقية والغربية، ويزخر بقصص مأساوية تتكرر يوميًا.

بجانب اسم “بستان القصر” الذي يشير لمكانه الجغرافي، يحمل المعبر أسماء عدة، حسبما جاء في إحدى اليوميات، مثل “معبر كراج الحجز”، أو الاسم المأخوذ من الواقع الفلسطيني “معبر رفح”، أو الاسم الأشهر اليوم، “معبر الموت”، وذلك ﻷن قناصي النظام منذ إنشاء المعبر قتلوا آلاف المدنيين أثناء عبورهم إياه. كان فتح وإغلاق المعبر، الذي يمر به يوميًا حوالي الـ100 ألف شخص في الاتجاهين، مرهونًا طول الوقت بمزاج المسلحين على كلا الطرفين، بالإضافة لدرجة اشتداد وتيرة المعارك. يقول فؤاد محمد فؤاد: “مرة استهدف القنّاص امرأة تجرّ طفلين. كل منهما بيد. قُتل الأول. لم تكد الأم تلتفت، حتى أصابت رصاصة أخرى طفلها الثاني. وقفت المرأة تولول، وتصرخ : اقتلني. اقتلني أنا أيضًا… لكنه لم يفعل”.

***

وحدهم العزل في سوريا يقاومون القتل اليوم لهم، والتدمير المنهجي للبنى التحتية لمدنهم، مصممين على الحياة وغير عابئين بفكرة “العجز عن فعل أي شيء”، التي يواجههم بها العالم في خطابه الدرامي تجاههم.

هل نجرؤ على القول اليوم إن العالم، ونظامه الرأسمالي بأبواقه اﻹعلامية، وصمة عار على البشرية؟ نعم. كانت لدى السوريين يومًا الجرأة ليكتبوا على لافتة كبيرة في حي “كفرنبل”: “يسقط العالم.. يسقط كل شيء!”

وحدهم الواقفون على أقدامهم بعد كل قصف بالصواريخ والبراميل المتفجرة على رؤوسهم وأجسادهم وبيوتهم التي تحولت ﻷنقاض، قادرون على إدانة هذا العالم.

اعلان
 
 
سامر مختار