Define your generation here. Generation What

المحتجون في مصر: بين الخوف من النظام والخوف عليه

واجهت السلطات دعوات التظاهر، ضد ما يراه البعض تنازلًا منها عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، بإجراءات أمنية استباقية اعتُقل خلالها العشرات وحوصر وأُغلق الكثير من الأماكن بوسط مدينة القاهرة.

وأتت هذه الدعوات بعد مظاهرات جرت الجمعة 15 أبريل بمحيط نقابة الصحفيين بالقاهرة، وشهدت لأول مرة منذ يوليو ٢٠١٣ هيمنة لقوى غير محسوبة على المعسكر الإسلامي. كما أتت الاحتجاجات، والتي شارك فيها الآلاف، في أعقاب حدثين احتجاجيين آخرين منذ بداية ٢٠١٤، كان أولهما المظاهرة الشعبية التلقائية بحي الدرب الأحمر في فبراير الماضي، والتي خرج فيها عدة آلاف من المواطنين لحصار مديرية أمن العاصمة احتجاجًا على قتل أمين شرطة لأحد سائقي سيارات النقل بالمنطقة، أما الثاني فكان انعقاد عمومية نقابة الأطباء غير العادية في مارس الماضي، للاحتجاج على اعتداء أمناء شرطة على عدد من الأطباء العاملين بمستشفى حكومي بالمطرية، وشهدت عمومية الأطباء إقبالًا كثيفا تجاوز العشرة آلاف، وتخللت الاجتماع مظاهرة بشارع النقابة.

هذا التسارع النسبي للاحتجاجات أتى رغمًا عن التطبيق الصارم لقانون منع التظاهر الذي أصدرته السلطات في يوليو ٢٠١٣، ويعاقب بالحبس كل من يتظاهر بدون تصريح لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، ونجحت السلطات بمقتضاه بالفعل في تفريغ الحيز العام من الاحتجاج بعدما أصبح سمة من سمات الحياة السياسية في مصر بعد ثورة يناير ٢٠١١. ولكن يبدو أن الأمور بدأت تسير بشكل عكسي مع التزايد النسبي للتظاهر، فيما يُظهر عدم رضا متصاعد عن سياسات النظام الحاكم، سواء الاقتصادية أو الخارجية أو الخاصة بحقوق الإنسان والحريات العامة.

ورغم انكسار حالة الاصطفاف الوطني والإجماع التي تكونت في أعقاب الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي في يوليو ٢٠١٣ على وقع تظاهرات شعبية ضخمة، ولكن لا يبدو أن الاحتجاج ضد السلطة السياسية القائمة سيكون له أثر كبير ومباشر على استمرارها في الحكم من عدمه، ويرجع هذا إلى عوامل عدة، لعل من أبرزها أن مصر شهدت انتقالًا سياسيًا فاشلًا في أعقاب الإطاحة بحسني مبارك في فبراير ٢٠١١، تمخض عنه خلق مجال سياسي هيمن عليه الاستقطاب الهوياتي بين الإسلاميين وخصومهم من غير الإسلاميين، والذين فشلوا فشلًا كاملًا في التوصل لتوافق على الحدود الدنيا لوضع دستور للبلاد في مرحلة ما بعد الثورة، ومع اتساع الاستقطاب بين المعسكرين، وخروج الأمر عن أيدي النخب المدنية، بمكونيها الإسلامي وغير الإسلامي، إلى الشارع منذ مطلع ٢٠١٣، تكون رأي عام شعبي بين قطاعات لها وزنها مفاده ألا طائل من الانفتاح السياسي، وأن الإخوان -أكبر فصيل سياسي مصري منذ عهد مبارك- عاجزون عن إدارة الشؤون اليومية للدولة، ومن هنا جاءت تظاهرات الثلاثين من يونيو التي دعت للتخلص من الإخوان وإعادة تسليم الأمر للجيش.

ورغم أن هذه الحالة من التضامن ضد الإسلاميين وضد الإرهاب قد انتهت إلى حد كبير، خاصة مع اتجاه النظام السياسي بعد انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسًا في مايو ٢٠١٤ إلى القضاء على المجال السياسي بالكامل، وتهميش الأحزاب والقوى السياسية، بل ومصادرة المجال العام برمته بإخضاعه المتزايد للرقابة الأمنية وسَن المزيد من التشريعات المقيدة لحرية التعبير والاعتقاد، رغم كل هذه التغيرات تظل الحقيقة ماثلة في أذهان الكثير من المصريين، غير السعداء بالفعل، بأنه ما من بديل مدني للحكم الحالي.

باﻹضافة لهذا، ثمة قناعة منتشرة بأن البلد لا يحتمل موجة أخرى من الاضطراب، ومن هنا يبدو أن كثيرًا من المصريين من أبناء الطبقات المتوسطة والمتوسطة-الدنيا، ومن سكان المدن عامة، قد لا يكونون راضين عن أداء النظام الحالي، خاصة في الشق الاقتصادي، حيث أثبتت كافة الإجراءات التي اتخذها النظام لإنعاش الاقتصاد فشلها بدرجة أو بأخرى، فمشروع ازدواج قناة السويس لم يؤت ثماره رغم استهلاكه لجزء من الاحتياطي النقدي المتضائل أصلًا، ولم يتمخض عن مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد قبل سنة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية تدفقٌ يُذكر، بل أخذ الجنيه المصري يتهاوى حتى فقد في أقل من سنة ما يزيد على ٦٠٪ من قيمته في مواجهة الدولار، ويضاف إلى الأداء الاقتصادي السيئ الضِيقُ من الأداء الأمني، سواء نتيجة التقصير والإهمال الذي ظهر في تحطم الطائرة الروسية في أكتوبر الماضي، وانهارت معه الآمال بتعافي السياحة، أو نتيجة انفلات سلوك أفراد الشرطة واعتداءاتهم المتكررة وغير القانونية على أرواح وممتلكات عموم المواطنين، خاصة فقراء المدينة.

ورغم انحسار اﻹجماع وتزايد علامات عدم الرضا إلا أن الغالبية من المصريين غير متسامحة مع المزيد من الاضطراب، وتخشى أن يقودها هذا من تحلل وانهيار بطئ يشعرون بهما في حياتهم اليومية، إلى انهيار مفاجئ وكارثي، وهو ما يترجم فعليًا شعورَ عدم الرضا إلى خوف على النظام، لا منه، ويجعل جزءًا من المعارضين اليوم -والمؤيدين بالأمس القريب للسيسي ونظامه- يرفعون شعار: “الشعب يريد إصلاح (لا إسقاط) النظام”، تمامًا كما أتى عنوان جريدة المقال التي يصدرها الصحفي المعروف إبراهيم عيسى قبل أيام من تظاهرة الجمعة الأخيرة، وهو ما ظهر كذلك في كتابات لمثقفين سبق لهم وأن أيّدوا النظام وتحرُكِ الجيش ضد الإخوان، مثل عمرو الشوبكي وهاني سري الدين -القريب من دوائر المال والأعمال، فهل يمكّنهم النظام من مآربهم أم يكمل طريقه في مصادرة المجال العام وحظر النقاش العام وقتل السياسة؟

اعلان
 
 
عمرو عادلي