Define your generation here. Generation What

درس ٢٥ أبريل

بخصوص درس يوم 25 أبريل. فالخلاصة هي أن قوة الفرض تفوقت على قوة الرفض، وأن على قوة الرفض البحث عن مسالك جديدة.

وسيكون من الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن قوة الفرض تنحصر في وسائل النظام الخشنة من اعتقالات سبقت يوم 25، أو جرت خلاله، ومظاهر الوجود الأمني الغليظ في ميادين وشوارع القاهرة، وفرض حظر التجوال دون إعلان رسمي في المناطق المتوقع التظاهر فيها، لأن كل ذلك لا ينفي أن النظام لا يزال يتمتع بقاعدة تأييد شعبي كبيرة، حتى وإن كانت مساحة هذا التأييد قد تقلصت كثيرًا أيضًا، وهي مرشحة لمزيد من التقلص.

لكن سيكون من الخطأ الجسيم أيضًا تجاهل أن قوة الرفض ولدت، أو بالأحرى تحولت من حالة رفض بالكلمات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو على صفحات الصحف إلى حالة رفض بالحراك، ولولا غلظة النية والخطط الأمنية لامتلأت الميادين.

كانت بوادر هذا الحراك قد ظهرت في احتجاجات الأطباء، ومن بعدها في غضب سكان الدرب الأحمر من طغيان عناصر من الشرطة، تهاونت السلطة المسؤولة في البداية في معاقبتهم قانونيًا. لكن ما حدث يومي 15 و25 أبريل كان تعبيرًا عن درجة أعلى كثيرًا وأعم من الغضب الشعبي، خلت من البواعث الفئوية، واتجهت رأسًا إلى جوهر الخلاف بين السلطة ومعارضيها بسبب قضية جزيرتي تيران وصنافير، أي إلى قضية المشاركة السياسية الحقيقية، من أول الحق في الاطلاع على المعلومة في وقتها، إلى حق المناقشة، إلى حق القبول أو الرفض، إلى إقرار جميع الأطراف بأن “الصواب” ليس دائمًا في جانب السلطة، مثلما أنه ليس دائمًا في جانب المعارضة.

معنى السطور السابقة هو أن مصر ستعيش بعض الوقت في إطار هذا التوازن المختل بين قوة الفرض، وقوة الرفض، قوة فرض الاستمرار في طريقة الحكم الحالية دون مشاركة حقيقية أو رقابة أو مساءلة، وقوة رفض هذه الطريقة، سعيًا لفتح طرق المشاركة الحقيقية، وإرساء تقاليد الرقابة والمساءلة، وبما أن ليس من المتوقع أن يبادر نظام للحكم يعتقد أن مصادر القوة كلها في يديه إلى الانفتاح الحقيقي نحو المشاركة، فليس أمام قوة الرفض أو المعارضة منطقيًا إلا أحد اختيارين: الاستسلام، أو البحث عن مسالك جديدة لدفع النظام إلى قبول المشاركة.

مساهمة في البحث عن هذه المسالك، يجب قبل كل شيء عدم التفكير -فضلًا عن الحديث- بخصوص إسقاط النظام، لأن ذلك نوع من التفكير بالتمني، وهو في الوقت نفسه خوض لمعركة جديدة بسلاح قديم، ثم أنه شعار لا يوجد إجماع شعبي عليه، بل لا توجد أغلبية تؤيده، وفوق كل ذلك فإذا افترضنا جدلًا أن النظام أسقط، فما هو البديل؟، أغلب الظن أننا سنعود الى المربع رقم (1) مرة أخرى بعد أن نكون أهدرنا وقتًا وأرواحًا وأموالًا.

إذن يجب أن يكون الهدف من هذا الحراك الجديد واضحًا وضوحًا قاطعًا لا لبس فيه، وهو دفع النظام إلى فتح قنوات المشاركة السياسية، الحقيقية لا الصورية كما هو حادث حاليًا، ولكي يحدث ذلك فلا بد أولًا من وجود القوى الجاهزة للمشاركة، ولن توجد هذه القوى الجاهزة للمشاركة إلا إذا هي تواجدت بفاعلية في عملية “الضغط” من أجل فتح قنوات المشاركة، أي في عملية تصحيح التوازن المختل حاليًا لمصلحة قوة الفرض، وضد قوة الرفض.

هنا يجب أن يتحول زخم الحراك، وفي القلب منه الحراك الشبابي، إلى القنوات المنظمة التي تشكل روافد الحياة السياسية والدستورية، أي إلى الأحزاب في نهاية المطاف، لا سيما وأن الانتخابات المحلية على الأبواب، والانتخابات الرئاسية سيحل موعدها بعد عامين تقريبًا، وهناك اختبارات أخرى في الطريق، قد يكون من بينها السعي لتعديل الدستور لإطالة الفترة الرئاسية، أو ﻹطلاق عدد المدد الرئاسية، للقضاء على أهم المكاسب الدستورية لثورة يناير 2011.

ستظهر لنا أهمية العمل المثابر من خلال الأحزاب مهما كانت التحفظات عليها، ومهما أخذنا عليها من نقاط ضعف، إذا نظرنا إلى بعض النماذج القريبة من حالتنا، لأنه ليس فقط بضدها تتميز الأشياء، ولكن بمثلها أيضًا في بعض الأحيان.

من هذه النماذج نختار إسرائيل والهند وميانمار (بورما سابقًا)، ثم نعود ونبحث كيف يمكن للمعارضة المصرية الاستفادة من تلك التجارب.

ظل حزب العمل في إسرائيل مهيمنًا على الحياة السياسية منذ ما قبل إعلان قيام الدولة، وحتى عام 1976. واستمد الحزب هذه الهيمنة من سيطرته على نقابات العمال والمزارع الجماعية والجيش، وهو وضع يشبه -مع فوارق معروفة- وضع النظم التي عرفتها مصر منذ يوليو 1952، وعليه ظلت الأحزاب الدينية، وأحزاب اليمين تعاني التهميش، ومن ثم الانقسام، في المرحلة الأولى من قيام الدولة.

في تلك الفترة ذاعت نكتة في إسرائيل تقول إن اثنين من الساسة الإسرائيليين اختلفا فشكّلا ثلاثة أحزاب. وكان المتعارف عليه لدى المعلقين السياسيين هناك أن الأحزاب الدينية وأحزاب اليمين الإسرائيلية تتطرف في معارضتها، لأنها وقد فقدت كل أمل في الوصول للسلطة، فقد افتقرت للإحساس الجاد بالمسئولية عن أقوالها وأفعالها.

لكن بعد مرور 28 سنة على قيام إسرائيل سقط حزب العمل، ودانت السلطة للمعارضة اليمينية منذ ذلك الوقت، أي منذ عام 1976، مع استثناءات قليلة جدًا عاد فيها “العمل” إلى السلطة، ثم ها هو يكاد يتلاشى نهائيًا في هذه الحقبة من التاريخ، فماذا حدث؟

أهم ما حدث هو أن مناحيم بيجِن، الزعيم التاريخي لليمين الإسرائيلي، لم ييأس قط من إمكانية توحيد قوى اليمين المفتتة، حتى نجح في منتصف الستينيات فى تكوين نواة صلبة للتحالف اليميني، عرفت باسم حزب “جَحال”، ثم انضمت إليه أحزاب أخرى بعد حرب أكتوبر 1973 ليشكل الليكود التكتل، ويفوز في انتخابات عام 1976.

كانت هناك بالتأكيد تغيرات اجتماعية وسياسية في إسرائيل وحولها ساهمت في هذا النجاح، منها فشل حكومة حزب العمل في حرب أكتوبر، والزيادة السكانية، وتدفق المهاجرين من اليهود الشرقيين، ونمو الاقتصاد الإسرائيلي، بما قلل الوزن النسبي للمزارع الجماعية وللمرافق والصناعات العامة بنقاباتها العمالية لحساب المهنيين والرأسمالية الصناعية في المدن، ولكن يبقى السؤال: هل كانت المعارضة الإسرائيلية لتجني ثمار هذه التغيرات، ما لم تكن قد قرأت هذه التطورات جيدًا، ووحدت صفوفها استعدادًا لقطف الثمار؟

وفي الهند: ظل حزب المؤتمر، وهو حزب غاندي ونهرو وأنديرا، مهيمنًا على البلاد منذ استقلالها عام 1947، حتى منتصف الثمانينات، أي ما يقرب من 40 عامًا، فهل يأست المعارضة، واكتفت بالاحتجاج في الشوارع؟ بالمناسبة، من الطبيعي أن تدفع أربعون عامًا من حكم أي دولة الدولة العميقة لموالاة الحزب الحاكم، ومع ذلك كان توحد الأحزاب اليمينية القومية (الهندوسية) هو طريقها للوصول إلى السلطة، حين نجح تحالف بهاراتيا جاناتا في الإطاحة بحزب المؤتمر عام 1986، وظل يحكم الهند بلا انقطاع تقريبًا حتى سنوات قليلة مضت.

مرة أخرى توالت عدة متغيرات داخل الهند وحولها ساهمت في صعود اليمين وسقوط المؤتمر، ومرة أخرى نقول إنه لولا توحد اليمين ما كان ستؤدي هذه المتغيرات إلى صعوده إلى السلطة.

وما حدث في ميانمار باختصار هو أن المعارضة الديمقراطية لحكم الجنرالات كانت تتلقى الضربات منذ ثمانينات القرن الماضي، وهي موحدة خلف زعيمتها المسجونة، حتى تحقق التحول الديمقراطي منذ وقت قريب.

ماذا نستخلص من النماذج السابقة للاستلهام في مصر؟

أولًا، إن كافة تطبيقات الحراك السياسي يجب أن تصب في النهاية في مجرى التغيير عن طريق الانتخابات، ولكي يحدث ذلك فلا مفر من دعم الحياة الحزبية، وإذا قيل هنا إن السلطة في إسرائيل والهند لم تكن تقمع الحياة الحزبية، فالرد هو أن السلطة في ميانمار كانت تفعل ذلك، وهو ما حدث أيضًا في غير ميانمار، وباﻷخص في أمريكا اللاتينية.

وفي الوقت ذاته فإن التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي حدثت في كل من إسرائيل والهند، وأدت إلى سقوط هيمنة حزب بعينه على البلاد، حدث ويحدث مثلها في مصر، فلا شك أن قطاعات أوسع من المصريين أصبحت أقل اعتمادًا على السلطة، سواء لتفضيلها الوظيفة غير الحكومية أو لاتجاهها للمشروع الحر أو لعدم وجود فرصة للعمل من الأصل، مما يشكل ظاهرة البطالة التي هي في ذاتها قوة دفع رئيسية في اتجاه التغيير، كما أن تفاعل الأجيال الشابة في مصر مع عالمها وعصرها قد تضاعف عشرات المرات مقارنة بالأجيال السابقة.

وأما الأزمات الداخلية والخارجية حول مصر، فهي قوة ضغط على الجميع في اتجاه الانفتاح والمشاركة والتغيير، فالاقتصاد في أزمة، والتعليم بائس، والأحوال الصحية ليست على ما يرام، والإرهاب مشكلة وخطر، والإقليم كله أزمات، بل إن نهر النيل نفسه في أزمة ربما كانت هي الأخطر من كل ما سبق، ولن تستطيع مصر مواجهة ذلك كله بهذا التناحر بين “الفرض والرفض”.

لكن ليس متوقعًا أن تأتي المبادرة من السلطة كما سبق القول، لذا أصبح من أوجب الواجبات على المعارضة الشروع فورًا في السير في طريق “الألف ميل”، وإن كنت لا أتوقع أن يصل طول الطريق إلى الألف ميل، ولتأتي الخطوة الأولى من جانب الأجيال الشابة، إما بتكوين أحزابها الجادة، وإما بالانخراط في الأحزاب القائمة، على أن تكون مهمتها الأولى هي دفع هذه الأحزاب نحو التوحد، كلٌ حسب انتمائه الإيدولوجي.

لدينا مثلًا ما يقرب من عشرة أحزاب تنتمي للاشتراكية الديمقراطية، ولدينا عدد كبير من الأحزاب الليبرالية والمحافظة، وكذلك لدينا عدة أحزاب تنتمي للإسلام السياسي.

من المجموعة الأولى لدينا الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والتيار الشعبي، والتحالف الشعبي الاشتراكي، ولدينا في قيادة هذه الأحزاب شخصيات جادة، ولا تشوبها شائبة فساد أو انتهازية، فما معنى عمل كل منها وحده في ظرف يحتّم التوحد؟

ومن المجموعة الثانية لدينا حزب الوفد، والمصريين الأحرار، والمحافظين، بلا فارق حقيقي بين أفكارها، واختياراتها السياسية، وانتماءاتها الاجتماعية.

ومن الفريق الثالث لدينا حزب الوسط ومصر القوية، فبالله عليكم ما الفرق بين الحزبين؟

الحقيقة أنه لا توجد فروق موضوعية بين الأحزاب داخل كل مجموعة من المجموعات الثلاث السابق ذكرها، وإذن فإن المانع الأكبر من التوحد هو غلبة النزعة الشخصية على العوامل الموضوعية، وتغليب التكتيكي على الاستراتيجي.

كما أن حداثة التجربة الحزبية الجادة بعد ثورة يناير لم تتح الوقت الكافي بعد ﻹنضاج الوعي الحزبي السياسي، بدليل ما حدث مثلًا بعد الانتخابات الرئاسية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي من انشقاقات وانسحابات، إذ كيف يعقل من كوادر ديمقراطية واجتماعية تبرير انسحابها بكونها دخلت الحزب مع أشخاص بعينهم، وبما أنهم لم يعودوا موجودين، فلن تبقى هي أيضًا؟ وكيف يفكر أصلًا زعيم ديمقراطي اجتماعي في الانضمام إلى حزب يميني أو محافظ لأن نتيجة الانتخابات الحزبية لم تأت على هواه؟!

رغم كل هذا، فإذا انتبهت الأجيال الشابة التي تقود الحراك السياسي في الشارع، وتقود الرأي العام على شبكات التواصل، إلى أهمية العمل الحزبي كقاطرة للتغيير السياسي، فإنهم بلا شك قادرون على إنضاج الحياة الحزبية في مصر، بشرط امتلاك النفس الطويل.

لقد بلغ هذا النفس في إسرائيل 28 عامًا، وبلغ طوله في الهند 40 عامًا، وفي بورما مثلها، وأستطيع هنا إضافة أن حزب العمال البريطاني ظل أكثر من ثلاثين عامًا يتكون وينمو هو الآخر حتى وصل لأول مرة إلى السلطة عام 1924، ليحل محل حزب الأحرار بوصفه الحزب الثاني في البلاد.

أضيف للشباب بوجه خاص أن شباب ثورة 1968 في أوروبا وفي الولايات المتحدة لم يصلوا إلى السلطة قبل تسعينيات القرن الماضي، ولكن من خلال الانتخابات المحلية أولًا، ثم العامة فيما بعد، وكان منهم من شكّلوا أحزابًا جديدة مثل يوشكا فيشر والخضر في ألمانيا، ومن انخرطوا في الأحزاب القائمة مثل بيل كلينتون في الولايات المتحدة، وغيرهما.

هكذا هي دنيا السياسة.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد