Define your generation here. Generation What

اغتراب الحلم: بين الخروج من مصر والحنين إليها

“مشيت، وفي منتصف طريق الحياة، وجدت نفسي في غابة مظلمة. حينها أدركتُ أنه قد ضاعت منى معالم الطريق”.
دانتي، الكوميديا الإلهية

كان دانتي شاعرًا وسياسيًا مخضرمًا. شهد أحداث النصف الثاني من القرن الثالث عشر والنصف الأول من القرن الرابع عشر، حينما تضخم نفوذ الكنيسة الرومانية وغرقت في الفساد، وتاجر رجالها بصكوك الغفران، ورفات القديسين، وضلعوا في مؤامرات مظلمة. فانخرط بالسياسة وحاول الحد من نفوذ الكنيسة، وآمن بضرورة فصلها عن الدولة، ودعا إلي استقلال موطنه فلورنسا عن سلطة روما، والي الحد من سلطة الباباوات. إلا أنه فشل في ذلك وانقلب حلفاؤه عليه، ثم تلقي حكمًا غيابيًا بالإعدام، فاختار المنفي وراح يتنقل بين مدن عديدة خارج موطنه حيث أكمل أناشيد عمله الكبير، الكوميديا الالهية. وحاول في المنفي مع حلفاء له منفيين بدورهم مواصلة نضاله السياسي، ولكن المحاولة باءت بالفشل وانسحب. حينها كتب تلك السطور: “بعدما طاب لمواطني بنت روما الجميلة والمشهورة تلك، فلورنسا، أن يرموا بي خارج حضنها الرفيق الذي ولدت فيه، والذي أرغب من كل قلبي أن أعود إليه بمباركة منها، لأريح نفسي التعبى، وأمضي ما بقي مقدرًا لي من أعوام، رحت أجوب أغلب المناطق الناطقة بهذا اللسان، غريبًا، شبه شحاذ، عارضًا -خلافًا لإرادتي- جرح الحظ الذي غالبًا ما يلقي بمسؤوليته على من يحمله. كنت حقًا كمثل قارب بلا دفة، تدفعني عبر مختلف الموانئ والشطآن والأنهار الريح الناشفة تعصف بالفقر الأليم”.

هكذا وجد دانتي نفسه قبل 700 عام من اليوم، تائهًا في منتصف طريق حياته، وقد ضاعت منه معالم الطريق وابتلعها الظلام. وهكذا يجد الكثير منا أنفسهم اليوم وكأن شيئًا لم يتغير. يطارد كل منا أشباحه، ما بين أحلام مبهجة وكوابيس معتمة. بين ما نفتقده وما نتمناه. يصر التاريخ على إعادة إنتاج نفسه، ويصر البشر علي تكرار أخطاء أسلافهم. يشعر جميعنا بالاغتراب، تمامًا كما شعر دانتي منذ مئات السنين.

الاغتراب.. حالة ومفاهيم:

والاغتراب أو Alienation مصطلح قديم الأزل كقدم دانتي، استخدمه العديد من الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع والنفس، وقدموا الكثير من الأطروحات التي تتفق وتتناقض لتفسيره. لغويًا، يعني الهجرة أو النزوح عن الوطن، كما يعني الشعور بالضياع والاستلاب. ويعد كل من روسو وهيجل وماركس ودوركايم وفروم أهم من تناولوا موضوع الاغتراب بالتفصيل في كتاباتهم ودراساتهم. لا يعنيني هنا التطرق إلى التفسيرات الفلسفية والنفسية المتعلقة بالجوهر الإنساني، بقدر ما يهمني الطرح الاجتماعي الذي يفسر الكثير من التدهور الذي آل إليه المجتمع البشري، بما يؤثر فينا بشكل واضح ومباشر.

وأبرز من تناول الاغتراب من هذا المنظور هو ماركس الذي يري في مخطوطاته أن الاغتراب عملية اجتماعية وفي نفس الوقت حالة نفسية، ويتسبب فيهما الاستلاب والعجز. فكلما زاد ما ينتجه العامل، كلما أصبح هو نفسه سلعة أرخص، وأصبح الحصول على العمل أصعب، وقل ما يمكن له تملكه، مما يعد استلابًا له. ينعزل داخل قيود العمالة بالأجر عن ذاته، ولا يتمكن من إشباع رغبته المستقلة عن العمل نفسه، ولا من تنمية طاقته الذهنية والبدنية بحرية، وإنما يقتلهما، فيتحول العمل إلى قسر وإجبار و شر لابد منه. ويغترب العامل عن الوجود البشري حيث يعجز عن إعادة تشكيل الطبيعة والمجتمع ليتلاءما مع احتياجاته وقدراته الإبداعية وتطوره الفكري نتيجة للطبيعة اللا إنسانية للرأسمالية، فكأنه يعمل فقط من أجل البقاء. كما يغترب اﻹنسان عن الآخر عندما يخلق الرأسماليون في سعيهم وراء الربح الصراعات الاجتماعية، حيث يحرضون العمال على التصارع فيما بينهم من أجل الحفاظ على بقائهم.

أضاف دوركايم بعدا آخر للاغتراب يعرف بـ”اللا معيارية”، يحدث حينما تنهار المعايير، أو القيم والقواعد الناظمة للسلوك داخل المجتمع. فاﻹنسان كائن اجتماعي بالفطرة ولديه حاجات اجتماعية يسعى لإشباعها، لكنه كلما قام بذلك في ظل مجتمع تنافسي تظهر حاجات أخري جديدة وهكذا، مما يؤدي إلى شعور بالعجز الدائم. وليشعر الفرد بالراحة عليه الحد من ذلك، من خلال قيود أو معايير خارجية يري دوركايم أنها “الأخلاق”. لكن تلك المعايير قد تنهار تحت ضغوط الرغبات والحاجات المتغيرة، فيشعر الفرد باغترابه عن قيم مجتمعه وعاداته وتقاليده.

بالنظر الي التفسيرات السالفة يمكننا فهم أسباب شعور دانتي بالاغتراب في زمانه، وشعور الكثير منا به اليوم. فكثيرًا ما تمر علينا أيام يتملكنا فيها الشعور بالعجز والانعزال، وبالرفض من مجتمعاتنا. كما نجبر أنفسنا على الاستيقاظ كل يوم لنتوجه لأعمال نشعر فيها بالقهر، أو وظائف لا نحبها، فقط لنستمر في العيش.

على المستوي العام، تشارك المصريون الشعور بالاغتراب في فترات كثيرة من تاريخهم، وأحدثها وربما أكثرها حدة كان في السنوات الأخيرة قبل اندلاع ثورة يناير 2011، بعدما أظهرت لهم الرأسمالية أسوأ ما فيها، مما أثر سلبًا على قطاعات كبيرة منهم. وشعر الكثيرون، وخاصة بين الشباب، بعدم اندماجهم في المجتمع الذي أضحت العديد من قيمه وعاداته وتقاليده لا تلائمهم، من حيث تقييدها لحرياتهم، وعدم قدرتها على إشباع حاجاتهم الاجتماعية المتطورة. وعاد الإحساس بالاغتراب مرة أخري ليسيطر على الكثيرين، نتيجة لتنامي الشعور بعدم الانتماء والعزلة الاجتماعية من جديد، بعد إجهاض الكثير من تطلعاتهم وأحلامهم بإجهاض الثورة.

أما على المستوي الشخصي، وبالإضافة لما سبق وغيره من الأسباب التي أدت إلى بداية شعوري بالاغتراب منذ سنوات طويلة، فقد سيطر علي هذا الشعور كما لم يفعل من قبل منذ ما يقارب العامين والنصف تقريبًا حينما رأيت بعيني المئات من جثامين القتلى الذين زادت أعدادهم عن الجرحى بعد مذبحة فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013، وبعدما أهدرت كل فرصة لوقف جريمة المحاكمات العسكرية الجائرة للمدنيين، ولاحقتنا عصا الأمن لتعاقبنا على دفاعنا عن الحق في محاكمة عادلة ومنصفة أمام قاض طبيعي، واعتقل الرفاق في نوفمبر2013، قضوا من أعمارهم عامين خلف القضبان قبل خروجهم منذ شهور قليلة، ولا يزال بعضهم، مثل علاء عبد الفتاح وأحمد عبد الرحمن، في السجن، وبعد أن أغلق المجال العام، وعاد الفساد لينخر عظام المصريين ويمتص دمائهم، وطالت أحكام السجن الجميع، وانخفضت أسقف مطالبنا من التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الشاملين، ومحاسبة كل من أجرم في حق المصريين وأهدر حقوقهم، إلى المطالبة بالإفراج عن المعتقلين الذين فاضت بهم السجون والمعتقلات حتى لم تعد قادرة على استيعابهم، بمن فيهم الأهل، كإسلام عامر ابن خالي ذي الـ 19 ربيعًا الذي لا يزال يحاكم لا لشيء فعله سوى انتماء بعض أفراد عائلته سياسيًا وفكريًا للإخوان، بخلاف الأصدقاء والرفاق وآخرين كثر لا نعرفهم.

ملاحقة الحلم.. خروج مجهول الأجل:

كنت قد وضعت جانبًا حلم العودة للخارج لاستكمال دراستي، حيث قضيت عامًا دراسيًا منذ خمس سنوات مضت في إحدى دول الغرب، واضعًا كل طاقتي وتركيزي في حلم التغيير. لكن بنهاية العام 2014 لم يبد أن شيئًا سيتغير، بل أصبح كل شيء أسوأ من ذي قبل على المستويين العام والخاص، وعاد الحلم يراودني ثانية هذه المرة بإلحاح أكبر. كان الأمر كإبدال حلم اغتيل أو أصبح غريبًا وبعيد المنال، بآخر ما أزال أظن أن باستطاعتي تحقيقه في المدي المنظور. فنحن، بني البشر، كائنات حالمة بالفطرة، وإذا توقفنا عن الحلم، فما الداعي لمواصلة الحياة؟ جمعت متعلقاتي الضئيلة في إحدى حقائب السفر، وبعض أوراقي وكتبي في أخري، وحجزت تذكرة طيران، ورحلت باتجاه النصف الشمالي الغربي من العالم. وكذلك فعل كثيرون أمثالي من الناشطين والحقوقيين والمعارضين الذين يحكي عنهم الصحفي والباحث، المغترب سابقًا والمعتقل حاليًا، اسماعيل الإسكندراني في مقاله “عن الهاربين من قهر إنسانيتهم في مصر” الذي كتبه في مطلع العام 2015، قبل أن يجبره مرض أمه علي المخاطرة بالعودة لمصر في نهاية العام نفسه، ليُقبض عليه فور وصوله للمطار. يقول إسماعيل :”أربع سنوات من الآمال والآلام، ومن العمل في قضايا المهمشين حقوقيًا وصحافيًا وبحثيًا، حاولت فيها أن أصل سيناء بأسوان والنوبة، وأن أضم شلاتين إلي واحة سيوة، في معركة وطنية تناضل فيها الأطراف النائية ضد سردية العاصمة المركزية وإقصائها وتهميشها، لكني في النهاية، كغيري من شباب الثوار، لم أجد في المليون كيلومتر مربع متسعًا فاضطررت إلي الخروج مجهول الأجل”.

وفيما تمكن البعض من الخروج أو اضطروا إليه، عجز الكثيرون عنه أو مُنعوا بأمر الديكتاتور الذي لم يكفه أن أجهض أحلامهم وانتزع حرياتهم، بل قرر حرمانهم من محاولة البدء من جديد في بقعة أخري من بقاع الأرض. فأصاب المنع كثيرين ممن يعملون لصون كرامة هذا الوطن، ولم تخفت أصواتهم في المطالبة بإرساء قيم المساواة والعدل بين أبنائه ورفع الظلم عنهم، ولم يتراجعوا عن قول الحق أمام السيسي الجائر. ولم يقف الأمر عند ذلك، فمُنع من الدخول المعارضون والمنتقدون لنظامه من المصريين، كعاطف بطرس، وغير المصريين من أكاديميين وصحفيين وأعضاء منظمات دولية، لتتحول مصر إلى سجن كبير بكل ما تحمله الكلمة من معني.

وبالأمس القريب تسول للسيسي نفسُه التفريط في أراضي ذلك الوطن الذي طالما أشبعنا تغنيًا به، واتخذ صونه والحفاظ عليه مبررًا وحجة لجرائمه وفظائع أعماله، وكأنه ورث تلك الأرض عن أسلافه، مخالفًا بذلك الدستور الذي خرج من تحت يده وبرضا شركائه، ودون أي اعتبار للملايين ممن يحكمهم، أو حتى التلميح لهم بما حاكته يداه الملوثتان بالدماء في الظلام. وحين يخرج الغاضبون للشوارع رفضًا لتجاهلهم وانتهاك حقوقهم والتفريط فيها في هذا الأمر وغيره، تسقط على رؤوسهم عصي الأمن، كما سقط عليها خبر التخلي عن الجزيرتين من قبل، وتُشهر في وجوههم أسلحته، ثم يلقون خلف قضبان السجون والمعتقلات. كل ذلك وغيره من الأمور التي زادت من إحباط الكثيرين وغذت إحساسهم بالعزلة، فتنامى الشعور بالاغتراب وعدم الانتماء.

واليوم، وبعد أن مضي على سفري ما يقارب العام، وهو ليس بالوقت الطويل، أجدني أصارع شعورًا متعاظمًا بالعجز يعاودني ثانية، أو ربما هو لم يغادرني على الإطلاق. لا أدري إن كان السبب في ذلك هو الإحساس بالذنب الذي يدفعني للتفكير أني ربما تخليت عن الجميع حينما سافرت، أم هي الحياة في الغرب بما فيها من مصاعب توفير المتطلبات الضرورية، ومن جوانب جديدة قاسية وقبيحة من الرأسمالية لم أختبرها من قبل، تُزيد الشعور بالاغتراب وتغذيه ، أم هو مزيج بين الاثنين. وأحسبني أتحدث هنا بلسان حال الكثير من “الهاربين من قهر إنسانيتهم”.

ورغم أني لست ممن يدعون أن الحياة لا تطيب بعيدًا عن الوطن، أو أني أفضّل تحمل كافة المشاق والعقبات التي تحيل الحياة فيه إلى جحيم متواصل، كل يوم فيه أسوأ من سابقه، ورغم تحرري إلى حد بعيد من قيود الارتباط بالمكان والأرض، حتى أني لست على يقين إلى أين سيأخذني الطريق، وإلى أين أرغب أن ينتهي بي الحال، رغم كل ذلك، يتنازعني بعض الحنين لهذا الوطن الذي لم يعد به متسع لأمثالي، ولم يعد مرحِبًا بي، لوطن يحلو له تكدير صفو أبنائه ولو قاتلوا لإنقاذه من مغتصبيه الذين يقتادونه مكبلًا نحو الهاوية، وبذلوا في سبيل ذلك الغالي والرخيص، وطن لا ترسمه حدود ولا يعرفه جواز سفر، ولنا فيه جذور مهما ابتعدنا، وطن لا يزال يحتضن ترابُه رفات السابقين من الأهل، ويتنفس هواءه من بقي منهم على قيد الحياة، فيه الرفيق والصديق، وبعض من بقايا الحب. ولست نادمًا بأي حال على رحيلي من مصر التي تركتها محبطًا شبه مفلس، شاعرًا بالعجز، ومترقبًا للملاحقة الأمنية الوشيكة، بقدر ما كنت أتمنى ببساطة ألا تجبرني الظروف على الخروج منها في وقت من غير اختياري، أو التفكير ألف مرة قبل العودة إليها.

سنظل نتعلم.. ونحلم

في إحدى مقابلاته، يقول إدواردو جاليانو،وهو أديب وصحفي ومفكر يساري من اﻷوروجواي، وعاش بدوره اثني عشر عامًا منفيًا عن موطنه، ورحل عن عالمنا في مثل هذا الشهر من العام الماضي:

“لتأخذ نفسًا عميقًا،من الضروري أن تشعر بالوهن. لتقف، عليك أن تعلم كيف هو الوقوع. لتفز، عليك أن تعلم كيف هي الهزيمة. وعلينا أن نعلم أن الحياة هكذا، وأننا سنقع وننهض مرارًا. وبعض الناس يقعون ولا ينهضون أبدًا، غالبًا يكونون مرهفي الحس أكثر من الآخرين. هؤلاء هم الأسهل للإيذاء، هم الذين يشعرون بالألم في أغلب حياتهم. مرهفو الحس هم الأكثر عرضة للجرح أيضًا. على الجانب الآخر هناك أبناء العاهرة، الذين يميلون إلى تمزيق البشرية والحياة. يعيشون لأعمار طويلة ولا يموتون. ذلك لأنهم لا يملكون غدة نادرة تسمي بالوعي، والتي تقوم بتعذيبك على مر الليالي”.

إذن فطالما وقعنا من قبل، سنتعلم الوقوف من جديد. وطالما خسرنا بعض المعارك، سنتعلم كيف ننتصر. وطالما شعرنا بالوهن، يومًا ما سنتنفس عميقًا ونملأ صدورنا بنسيم الحرية. وطالما لا يزال لدينا “وعي” و”ضمير” فسنظل مرهفي الحس. ربما نتأذى بعض الشيء وربما أكثر من ذلك، لكن لن نقع فريسة سهلة للعجز. سنقاوم، وسنظل متمسكين بأحلامنا، وسيظل يحدونا الأمل في غد أفضل.

اعلان