Define your generation here. Generation What
القائمة القصيرة للبوكر 2016.. روايات من رحم العنف والجغرافيا
 
 

من الملحوظ في اﻷعمال الستة التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) هذا العام، أن ثيمة كل عملٍ لم تكن لتتشكل لو لم تستند إلى المكان الذي تدور فيه الأحداث، بما يحمله هذا المكان مِن خصوصيةٍ ثقافيةٍ ما.

وللوهلة الأولى، قد يكون هذا بديهيًّا ولا يحمل جديدًا. لكن بشيءٍ مِن التأمل سنجد أن هناك أعمالًا أدبيةً استثنائيةً في تاريخ الأدب لم تكنْ أحداثها تتطلب أن تدور في مكانٍ بعينه.

على سبيل المثال، يمكن أن نتذكر “العمى” لـ جوزيه ساراماجو، و”في انتظار البرابرة” لـ جون ماكسويل كوتزي، و”العجوز والبحر” لـ إرنست هيمنجواي، و”مائة عام من العزلة” لـ جابرييل جارثيا ماركيز، وحتى في أعمال مثل “1984” لـ جورج أورويل، و”بيدرو بارامو” لـ خوان رولفو، التي نجد فيها ذكرًا صريحًا لاسم مكان الأحداث، نجد أن ثيمة العمل لا تستند بالضرورة إلى الخصوصية الثقافية التي يحملها هذا المكان، وإن استندت إلى بعض ملامحها، التي هي في النهاية ملامح إنسانية ذات أفقٍ يتخطَّى حدود هذا المكان.

ما تقدّمت به لا يحمل مدحًا أو ذمًا للأعمال التي وصلت إلى القائمة القصيرة هذا العام، وإنما هو محاولةٌ لفهم ذائقة لجنة التحكيم التي أفضتْ لهذه الاختيارات، مِن خلال البحث عما يمكن أن يكون خيطًا هائمًا مشتركًا بين الأعمال الستة.

فنجد أن رواية “حارس الموتى” لجورج يرق لم تكن أحداثها لتتشكل في مخيِّلة الروائي إن لم تكنْ مستندةً على الحرب الأهلية اللبنانية، بما تحمله ذكراها مِن وجعٍ وألمٍ في نفْس كل لبنانيٍّ عاصرها وتركت فيه أثرًا قويًّا، فالشخصية الرئيسية في العمل، عابر، هو شاب يصبح شاهدًا ومشاركًا هامشيًّا  في الحرب، فيرى معاركها وضحاياها بين الثكنات العسكرية وثلاَّجات الموتى.

والأمر نفْسه بخصوص رواية “سماء قريبة مِن بيتنا” لشهلا العجيلي التي ترتكز أيضًا على تفاقم الحرب السورية في السنوات الخمس الأخيرة، وما تمخَّض عن ذلك قتلٍ ودمٍ وعنفٍ وتطرف ديني صدم العالم كله، فما بالك بالسوريين! فالشخصية الرئيسية للعمل، جمان بدران، السورية التي تتشابك مِن حولها مصائر شخصيات العمل، تبرز في مركز العمل كرمزٍ لمعاناة سوريا بما تعانيه مِن مرضٍ.

وفي رواية “عطارد” لـ محمد ربيع، يتحرك العمل بين خطوطٍ زمنيةٍ متعددةٍ، إلا أنه يدور في المكان نفسه، القاهرة. أحد هذه الخيوط يدور في الماضي، والآخر في لحظة ثورة 2011 والأخير في المستقبل 2025، وما يجمع بين هذه الخيوط الثلاثة هو فكرة الجحيم، الجحيم الذي هو ابن القاهرة بمعمارها، بماضيها المدوَّن، وحاضرها الذي شهدناه جميعًا، ومستقبلها الذي يستشرفه ربيع قاتمًا سوداويًّا عنيفًا، لكنه كله ابن المدينة التي عانت في الماضي والحاضر، والتي شهدت الثورة بخصوصيتها وانتصاراتها وهزائمها.

في الثلاثة أعمال السابقة يبرز المكان كمُحرِّكٍ أساسيٍّ، كل مكانٍ حسب حدثه الأبرز (الحرب الأهلية اللبنانية، الحرب السورية، الثورة المصرية)، وهي جميعها أحداثٌ لم يكنْ للكاتب قدرةٌ على الانسلاخ منها وهو يبني في مخيلته معمار روايته.

أما في رواية “مصائر.. كونشرتو الهولوكوست والنكبة” لربعي المدهون، يظهر المكان “فلسطين” في هيئة هوياتية، يتوق للعودة إليها وليد دهمان الشخصية الرئيسة في العمل. فتطرح عليه “عودته” إلى القدس كزيارةٍ  تساؤلاتٍ تخصُّ مفهوم العودة إلى فلسطين بينما هي الآن تحت أمرٍ واقعٍ هو وجود دولةٍ يهوديةٍ تجبرك على التعامل معها بلغتها وعملتها وختمها على جواز سفرك. هنا أيضًا يبرز العمل ويتشكّل حول فكرة الهوية التي ترتبط حتمًا بمكانٍ ما بما تحمله كلمة “الهوية” مِن خصوصية ثقافية في حد ذاتها.

وفي رواية “نوميديا” لطارق بكاري، يعود مراد، الشخصية الرئيسة في العمل، إلى قريته الأمازيغية في المغرب، بعد تيهٍ في المدينة، متسائلًا حول ثقافته، لغته، وعلاقته بالمستعمر الفرنسي، والنضال السياسي في الجامعات المغربية، وهي كلها عناصر شديدة الالتصاق بالواقع المغربي، وهو ما يُفضي بنا إلى الشيء نفْسه: العمل يرتكز في بنائِهِ حول فكرة هوياتية ابنة خصوصية المكان بثقافته الأمازيغية بما تحمله مِن قِدَمٍ.

ورغم أنَّه في رواية “مديح لنساء العائلة” لمحمود شقير، يبدو الهاجس الأساسي الذي ينشغل به الأصغر، الشخصية الرئيسة في العمل، هو جمع شتات عائلةٍ فلسطينيةٍ بدويةٍ تنتقل إلى القدس ويتفرق أبنائها بين البلدان، إلا أنها أيضًا عمل يحمل خصوصيةً ثقافيةً ابنة للمكان الفلسطيني بتفاصيله اليومية، خاصَّة النسائية. ويتأكد هذا الانطباع مع مرور العمل على لحظة نكبة 48 بما حملتْهُ مِن هزّة لشكل الهوية لدى الفلسطيني العادي، دفعت الكثيرين مِن أبناء هذا البلد إلى اتخاذ قرار تركه بلا عودة، بعد أن أصبحت بلدهم فجأة ملكًا لآخرين.

في هذه الأعمال الثلاثة، يظهر المكان كـ “هُوِيَّةٍ”. المكان هنا أقرب لسؤال يحاول كل كاتبٍ اﻹجابة عنه بطريقته الخاصة، وبهواجسه وصوته. لكن مَرَّةً أخرى، لم يكنْ لأيِّ من هؤلاء الكتّاب أن يُشِّكل عمله أو يتقدم في الكتابة فيه إن لم يكن مسلِّما بحقيقة أن عمله ابن لمكان ما بخصوصيته الثقافية الهوياتية التي تشكّلت وبرزت في لحظةٍ ما مِن تاريخه.

يبدو إذنْ أنَّ اللحظة، التي تعيشها المنطقة العربية مِن مخاضاتٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ واجتماعيةٍ واقتصادية، أفضت إلى هذا المنتج الروائي، الذي راق للجنة تحكيم الجائزة، وهو ما أدى لوصول هذه الأعمال إلى القائمة القصيرة للبوكر هذا العام.

يبدو أيضًا أنَّ الروائيين الستة منخرطون كليِّةً في إشكالياتٍ ثقافيةٍ وهوياتيةٍ واجتماعيةٍ ابنة مجتمعاتهم بوضوحٍ، وهو ما جعلهم منشغلين بتساؤلاتٍ حول اللحظة التاريخية التي برزتْ في مجتمع كلٍّ منهم، وكان لها الصوت الأعلى في دفعهم جميعًا لكتابة الأعمال الستة.

وهو ما يجعلنا نفكر أنه حتى المكان الذي يشعر بعضهم ناحيته بالحنين، أو بالخوف من انفجار العنف فيه، هو مكان تحدث فيه عملية تغير آنية على مستوى شكل جغرافيته ومضمونها، لنتساءل وقتها عن معنى الحنين، أو الرغبة في العودة، أو الانتماء الهوياتي، او الاستشراف الكابوسي لمكان، تتعرض جغرافيته إلى ما يمكن تسميته بـ”عملية طمس يومية” بصورة يصعب تجاهلها.

يطرح علينا هذا أيضًا تساؤلات حول إمكانية وجود أصوات روائية في اللحظة الآنية يمكنها الانفلات من مخاضات مجتمعاتها، لتتحرك في فضاء متخيّل خارج المكان، فضاء يحمل همًا مغايرًا للهم المنبثق من الواقع الحالي.

يبقى تساؤل أخير نحتاج لطرحه، كما نحتاج لذلك كل عام: هل ستتجاوز لجنة التحكيم هذا العام اللغط الذي  يُثار كلِّ مرة مع اختيار الفائز، مِن حديثٍ حول توزيع جغرافي للجائزة أو تكرار تواجد دور نشرٍ بعينها في القائمة القصيرة؟ هل تكرِّر اللجنة الأمر نفْسه هذا العام وتُعطي الجائزة لعملٍ مِن بلدٍ لم يحصلْ على البوكر مِن قبل، بغضِّ النظر عن جودتِهِ أو أحقِّيَتِهِ؟

ليس دوري هنا إعطاء حكم قاطع حول أحقية عملٍ بعينه في الفوز بالجائزة، ولكن ما حاولتُ فعله هو تحليل ثيمات الأعمال الستة، وفهم السياقات المحيطة بأهم جائزةٍ عربيةٍ مختصةٍ في الرواية.

اعلان
 
 
محمود حسني