Define your generation here. Generation What

الحرية في فقه جمهورية يوليو

في خضم التغيرات التي أعقبت أحداث 30 يونيو 2013، تصاعدت حدة الهجمة على مفاهيم الحقوق والحريات في مصر. فرغم انتفاضة الشعب في وجه جماعة الإخوان المسلمين تحت دعوى إنقاذ الوطن من براثن الجماعة المتطرفة التي تنتهك الحقوق وتعصف بالحريات، إلا أنه لا يمكن الجزم بأن اﻷوضاع اﻵن قد تغيرت، فلم نلمس تحسنًا في حالة حقوق الإنسان بشكل عام أو أوضاع الحريات الدينية وحرية التعبير على وجه الخصوص. فلا تزال دعاوى ازدراء الأديان تلاحق الكتاب والمثقفين والمفكرين، حتى أنها طالت أطفالًا من جماعات الأقليات الدينية التي قدّم النظام الحالي نفسه بوصفه مدافعًا عنها. بالإضافة إلى تعرض بعض الكتاب للسجن بسبب أعمالهم الأدبية -بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع محتواها- تحت دعاوى خدش الحياء العام. مما يطرح تساؤلات عديدة حول مفهوم الحرية في المجتمع المصري وحدوده، وما إذا كان النظام الحالي يختلف عن سابقه في حماية حقوق وحريات المواطنين أم لا.

جمهورية العبث

تقدم النائب حسين غيته، عضو مجلس النواب عن حزب الوفد، خلال الأسبوع الماضي ببيان عاجل إلى السيد رئيس مجلس النواب، لا بشأن عدم إيفاء الحكومة بالالتزامات الدستورية بشأن نسب اﻹنفاق على التعليم والصحة، أو بشأن الفضيحة الدولية التي تتعرض لها مصر نتيجة إدارة السلطة التنفيذية لأزمة تعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، بل تقدّم سيادته ببيان عاجل بشأن مقال لطالب بالجامعة الأمريكية حول قضية المثلية الجنسية!

ضاق صدر النائب بمقال لطالب جامعي يناقش أزمة مجتمعية، واعتبره بمثابة “دعوى للفجور” و”هدم لقيم المجتمع” و “نشر للفوضي الفكرية” وتساءل عن المسؤول عن محاسبة هذا الطالب، مما يدعو للتساؤل حول مدى تفهم وإدراك النائب لواجباته الأساسية ولحدود اختصاصاته، فليس منوطًا بعضو مجلس النواب فرض شفرة أخلاقية خاصة به على المجتمع! فمن لديه خلفية بسيطة بالقانون يعلم أنه بخلاف جريمة الدعارة، لا يوجد تجريم للمثلية الجنسية أو لممارسة الجنس خارج إطار الزواج في مصر.

ولكن الأزمة الأساسية هي في النزعة الأبوية التسلطية المحافظة التي من الواضح أنها تسيطر على تفكير وتصرفات النائب. ففي لقائه مع اﻹعلامي وائل اﻹبراشي خلال نفس اﻷسبوع، حاول الضيف الآخر أن يوضح له أن الجامعة اﻷمريكية لا تستطيع مصادرة المقال ﻷنه جزء من حرية الطالب في التعبير، وحينما نختلف معه فيما طرح يكون التصرف الصحيح هو إتاحة الفرصة لطالب آخر للتعبير عن اختلافه معه. ولكن النائب ظل يردد أنه لا يجب السماح لأحد بالدعوة لقيم يٌخشى من تأثيرها على المجتمع.

تكشف تلك الواقعة النقاب عن أزمة السلطة والمجتمع وعلاقتهما بالحرية في مصر، حيث يُستخدم المنع والترهيب، بل والسجن في بعض الأحيان، لمجرد الاختلاف في الرأي. ويريد البعض فرض قيود على الحريات ترجع طبيعتها لتكوينهم الفكري والثقافي والمعرفي، ولا علاقة لها بما يفرضه القانون أو الدستور. وهو ما اتضح في نفس الحلقة حينما تساءل النائب عن كيفية حماية ابنه من تلك اﻷفكار التي أعتبرها منحرفة. وهو تساؤل يختصر الأزمة، فقد ذهب تفكير النائب تجاه منع وقمع ما يختلف معه من الأفكار، لمجرد خوفه من الفشل في إقناع ابنه بالعكس!

مش وقته

اعتدنا عقب ثورة يناير الاستماع لأحاديث اللواءات السابقين في الجيش والشرطة الذين تستضيفهم الوسائل اﻹعلامية المختلفة تحت مسمي الخبراء الاستراتيجيين/ الأمنيين، والذين يتبنون وجهة نظر بمفادها لا مجال للحرية في خضم الوضع الحالي للبلاد. ويبقي دائمًا الحديث عن “الحرية” مؤجلًا بل مجرمًا في بعض الأحيان، حيث تذهب بعض الأصوات إلى أن توجيه انتقادات للنظام إنما هو ضرب من ضروب الخيانة والعمالة لأننا يجب أن نصطف وراء القيادة السياسية للخروج من عنق الزجاجة التي لم نخرج منها طوال الست عقود الأخيرة. فمنذ انقلاب يوليو 1952 وشروع عبد الناصر في بناء نظامه الشمولي، تصاعدت حدة الهجمة على الأطراف الفاعلة في المجال العام في المجمل والمعارضين وأصحاب الأفكار المخالفة للزعيم والقائد على وجه الخصوص. وهو أمر لا يخفى حتى عن رجل الشارع العادي، فالجميع يعلم الثمن الذي دفعه معارضو جمال عبد الناصر والسادات ومبارك.

أسست جمهورية يوليو لمنظومة حكم شمولي قمعي لا مساحة فيه للاختلاف أو وجود للتنوع والتعددية، فدائمًا ما يحدثنا أنصارها بمنطق “مش وقته” و“لا صوت  يعلو فوق صوت المعركة” و”الحرية ليست مطلقة”، بل يجب أن تتوقف عند حدود وقيود معينة! وإن جاز القول بذلك، فما يزال التساؤل مطروحًا حول طبيعة تلك القيود وحدودها ومن يضعها. هل الأمر متروك  ﻷي شخص لكي يضع ما يحلو له من قيود على حريات الأفراد؟ أم أنه محسوم وما يجري فقط هو محاولات للتضليل والتبرير لانتهاك حقوق وحريات المواطنين؟

هل الحرية مطلقة أم يجوز تقييدها؟

من الضروري اﻹجابة عن إشكالية الحرية بشكل واضح ومباشر بدون مواربة أو محاباة،  حيث بات حتميًا أن نذكر الجميع بأن الحرية بالأساس مطلقه، وأن تنازل الأفراد عن جزء منها لصالح الدولة في مقابل الحماية والتنظيم والإدارة حيث يكون التقييد، هو استثناء مشروط بإيفاء الدولة لالتزاماتها. ولإجابة أكثر تفصيلًا، يجب العودة لتاريخ طويل لنضالات الشعوب في مواجهة الحكام، ومعرفة كيف انتزعت الشعوب حقوقها من براثن الملك واﻹمبراطور والرئيس. فدائمًا ما يبتغي الحاكم أن تكون سلطاته مطلقة وقراراته نافذه ولا يحبذ أن يُنتقص منها شيء، وفي المقابل تناضل الشعوب لانتزاع حريتها التي هي بالأساس ليست منحة من أحد، بل حق أصيل لكل إنسان.

تمكنت البشرية في إحدى أهم محطات هذا الصراع اﻷزلي من صياغته في صورة ” العقد الاجتماعي” أو “الدستور” والذي يمثل حجر الأساس للدول القومية الحديثة. حيث يمثل الدستور المرجع الأساسي لحقوق وحريات الأفراد وينظم العلاقة بينهم وبين السلطة، وبين الأفراد وبعضهم البعض. ثم يأتي دور القانون الذي يُفترض ألا يخالف الدستور في شيء. ويشكل القانون الحماية المباشرة للحقوق والحريات داخل الدول ويلتزم به الأفراد وتقوم بإنفاذه السلطات.  وعلى الصعيد العالمي والعلاقات بين الدول – ودون الدخول في تفاصيل مملة – تمكنت البشرية من صياغة تلك العلاقات في شكل مواثيق ومعاهدات واتفاقيات بين الدول، ومن بينها المعاهدات والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان. وهي عبارة عن مجموعه من الالتزامات تقع على عاتق الدول تجاه أي إنسان خاضع لنطاق سلطتها. وتعهدت الدول باﻹيفاء بهذه الالتزامات بمحض إرادتها بدون إجبار، وذلك بالتصديق على تلك المعاهدات والاتفاقيات عن طريق مجالسها التشريعية.

لذلك يكون أي حديث عن قيود أو حدود للحرية خارج الأطر القانونية والدستورية ما هو إلا لغو لا قيمة له.

 

الخلاصة:

الحرية بالأساس مطلقة، ولا يجوز فرض قيود عليها إلا بمقتضي قانون، ولا بد أن يتوافق هذا القانون مع فلسفة ونصوص ومبادئ الدستور. كذلك لابد أن يكون تقييد الحرية مشروطًا بعدم الإخلال بجوهرها. لذلك يصبح من الضروري التأكيد على أحقية الملحدين أو اللادينيين في التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم بحرية تام، بجانب أحقية المثليين في العيش بكرامة وحرية، وعدم انتهاك خصوصيتهم أو تعريضهم لأية ملاحقات أمنية أو عنف مجتمعي أو انتقاص ﻷي حق من حقوقهم بسبب ميولهم الجنسية. كما يجب التأكيد باستمرار على أحقية جميع المواطنين في حرية التعبير عن آرائهم في اﻷمور السياسية والدينية والعلمية والاجتماعية دون قيود أو خطوط حمراء (باستثناء الحض على العداوة أو الكراهية، أو التحريض على العنف).

اعلان