Define your generation here. Generation What
“عطارد”.. اللاهوت حين يكون عدميًا
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ “الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر”، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر “مدى مصر” عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي “نوميديا” لطارق البكاري من المغرب، “حارس الموتى” لجورج يرق من لبنان، “عطارد” لمحمد ربيع من مصر، “سماء قريبة من بيتنا” لشهلا العجيلي من سوريا، “المصائر.. كونشرتو الهولوكست والنكبة” لربعي المدهون، و”مديح لنساء العائلة” لمحمود شقير من فلسطين.

_____________________

من الصفحات الأولى لرواية عطارد للكاتب المصري محمد ربيع (دار التنوير، 2015)، المعنونة بـ “مدخل” ستصدمنا قوة المشهد وجموحه. لكن ليس هذا فقط، فأحد نقاط القوة التي يمكن أن نجدها في عمل روائي، هو أن نتلمّس فيه نصًا متعدد المستويات: حكاية واضحة، تأويلات، تأملات شخصية، خيالات، هواجس، أرق، نفور أو حب بطريقة متطرفة تجاه بعض التفاصيل الروتينية للحياة، اشتباك مع جدلية المرأة/الرجل. هذا كله يقدّم نظرة الكاتب للعالم، أو الشكل الذي يريد أن يكون العالم عليه، أو الشكل الذي يخشى أن يصبح العالم عليه. فالعمل الروائي ليس تخليقًا أو تخيلًا سرديًا مستندًا إلى واقع ما وفقط، بل أنه دلالة على جزء من التكوين النفسي والمعرفي للكاتب أيضًا.

محمد ربيع

محمد ربيع

تحكي “عطارد” أحداثًا عنيفة للغاية وممتلئة بالكلمات البذيئة، بكل جماليات البذاءة واندفاعها وتدفقها، في قالب ملحمي شديد الخصوصية. فأحمد عطارد، الشخصية الرئيسية في العمل، ضابط شرطة يشهد كل ما جرى في مصر بداية من ثورة يناير 2011، وصولًا لعام 2025، مرورًا بانضمامه لحركة مقاومة مكونة من مجموعة من ضباط الشرطة في مواجهة احتلال غامض يدخل مصر عام 2023 ويستسلم له الناس دون أي مقاومة.

يتحرك العمل بين خطين زمنيين أساسيين يدوران في القاهرة، الأول عام 2025، حيث تظهر تفاصيل الحياة قاتمة، استسلام تام، القاهرة الشرقية محتلة، بينما القاهرة الغربية لم يتمكن المحتل من السيطرة عليها وإن كان يقذفها أحيانًا بمدفعيته. تحاول حركة المقاومة المكونة من ضباط جيش وشرطة منتمين لنظام ما قبل ثورة 2011، قتل أكبر عدد من ضباط جيش الاحتلال. يقتلون الكثير من الضباط والمواطنين المصريين المتعاونين مع الاحتلال، ثم يصل اﻷمر لقتل مصريين لا علاقة لهم بشيء، لنعرف بعدها أن جزءًا من هذا التطرف كان بهدف دفع الناس للثورة وإخراج العدو. يتزايد القتل إلى حد غير مسبوق تحت شعار “تحرير البلاد من المحتل”. ولكن الناس لا تثور، فالمحتل هو من يسحب قواته فجأة، لتعود الأمور لما كانت عليه في السابق، ركود ولا شيء غير ذلك.

أما الخيط الزمني الثاني، والذي يدور عام 2011، فيسرد فيه الكاتب حدثًا موازيًا للأيام الأولى للثورة من منظور مغاير، حيث فتاة تدعى زهرة يختفي أبوها في خضم الأحداث ويتبناها مدرس بمدرستها يدعى إنسال، بينما يبحث  عن والدها بين المستشفيات وثلاجات الموتى، ولأنه لا يعرفه، يضطر إلى اصطحاب الطفلة معه لتشاهد جحيمها في أوجه الموتى وهي تبحث عن أبيها بينهم. وبينما يحدث ذلك، تصاب زهرة بمرض خطير لا يفهمه أحد.

وفي إحدى المرات التي يخرج فيها إنسال من ثلاجة الموتى أثناء أحداث الثورة، يجد مظاهرة تمر أمام المكان الذي يقف فيه، فيلتحم بها، ثم يبدأ رصاص القناصة في استهداف المتظاهرين. فلا تتمكن قدماه من حمله من هول ما يرى، فالموت حوله في كل مكان، ليسقط على الأرض، هنا يخبرنا الكاتب بصوت السارد العليم، أو الإله زيوس كما يحب أن يسميه الروائي البيروفي ماريو فارجاس يوسا:

“ثم تحلَّق حول إنسال الكثيرون يريدون رفعه ونقله إلى عربة الإسعاف، لكنه أخبرهم أنه بخير، طمأنهم وطمأن نفسه، قال إنه فقط يود التحُّرك والعودة إلى المنزل، وبعد دقائق، استغل كثرة عددهم وذاب فيهم، متحركا نحو المترو، هربا من السماء”.

هنا نتساءل حول مقصد الكاتب من جملة “هربا من السماء” التي قد تحمل رمزية الهرب من القدر الغامض الذي عاقب الكثيرين بالموت لأنهم أرادوا الخروج. لتجعلنا دلالات المشهد نعيد التفكير في أمور أكثر إقلاقًا من القصد الظاهري الذي يشير إلى القناصة.

في كلا الخطين الزمنيين، يظهر ولع شديد لدى ربيع بمعمار المكان، القاهرة، لكن الولع يأتي في صورة عدمية تستشرف نهاية أبوكاليبسية لهذه المدينة، أسأله: كيف تطوّرت هذه الصورة الذهنية التي تشكّلت في مخيلتك في ما يخص معمار المدينة؟

فيقول: “القاهرة في نظري دائمًا مدينة نصف منهارة، وعندما درست الهندسة المدنية علمت أن أحدًا لا يلتفت لصيانة المباني أو الاهتمام بها، كما اكتشفت  أن الكثير من المباني تنشأ بطريقة عشوائية، فلا احترام للقوانين الهندسية أو الاشتراطات. كل هذا سيؤدي في النهاية إلى انهيار مبان عديدة فجأة، فقط لا نعلم متى سيحدث هذا. منطقة وسط البلد هي مركز القاهرة جغرافيًا وهي أيضًا القلب الموشك على الانهيار في المدينة. إذا مشيت الآن في شوارع وسط البلد سترى عمالًا في أقصى حالات النشاط، يقومون بطلاء واجهات العمارات بلون لطيف محايد، لكن من دون أي ترميم فعلي للواجهة، وهو ما أسميه عملية “تلييط” المبنى. وإذا دخلت المبنى نفسه ستجد الأمور مأساوية تمامًا، قد تجد زبالة متراكمة في أحد الأركان، أو رخام الأرضيات مقتلعًا أو مكسورًا، ولا بد أنك ستجد شرخًا أو اثنين في أحد الحوائط. لكن لا أحد يهتم بكل هذا، المطلوب فقط تلييط المبنى من الخارج كي يكون جميلًا أمام العدسات.”

يردف: “ربما هناك سبب آخر لهذا الشعور، فقد عملت  مهندسًا إنشائيًا لمدة طويلة في المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة. أعلم جيدًا كيف جرى تخطيط المباني وبناؤها. أعلم أيضا أن الاشتراطات كانت صارمة، ومطبقة بنسبة كبيرة، والتحايل عليها شبه مستحيل. بالإضافة طبعًا إلى التخطيط الأصلي لتلك التجمعات السكنية، حيث يغلب التوسع الأفقي على الرأسي، مما يظهر اهتمام المخطط بالاتساع والنظام. هذا المعمار يذكرني كثيرًا بمصر الجديدة، لكن دون العراقة المصاحبة للحي القديم. دائمًا ما كنت أقارن بين المدينة الجديدة القائمة على أسس هندسية صارمة، والقديمة التي تشككت كثيرًا في طريقة بنائها، المهملة تمامًا من قبل مالكيها وسكانها.”

***

بين الخطين الزمنيين، وفي منتصف الرواية، يظهر فصل قصير يتناول حادثة وقعت عام 455 هـ لشخص يدعى صخر الخزرجي، والذي قيل أنه بُعِث من الموت ليحكي عن “الجحيم”، وهي كلمة ستتكرر طوال النصف الثاني من العمل. يربط الكاتب بين فكرة الجحيم التي يؤكدها الخزرجي وبين الخط الزمني الدائر في 2025. يحدث الربط هنا باستخدام فكرة غيبية لاهوتية بالأساس مثل الجحيم، ليس عن طريق حادثة، أو شخصية، أو شيء ملموس.

أسأل الكاتب: هناك حضور لاهوتي قوي في العمل، الجحيم الأبدي، النَفَس الصوفي، الأساطير المرتبطة بالتراث الإسلامي، جمل تبدأ بـ (علمت أن)، و(رأيت أن) وكأن عطارد مطّلع على غيب ما، كيف تشكّل هذا اللاهوت الذي أفضى إلى ما ظهر عليه نص عطارد؟

يقول: “أظن أن للكتاب المقدس تأثيرًا كبيرًا. أثناء كتابة عطارد قرأت بعناية سفر الجامعة، وهو عمل عدمي تمامًا، كأن من كتبه إنسان موشك على الموت ويتمناه، حتى أن العبارات الواردة فيه عن الله وعن المصير الأخروى تبدو، بالنسبة لي على اﻷقل، دخيلة، لفرط بُعدها عن الموضوع الأساسي. كذلك سترى تشابهًا بين حكاية صخر الخزرجي والجزء الأخير والأشهر من سيرة المسيح، الموت والقيامة والفداء، ولو أن الفداء في عطارد يأخذ شكلًا مختلفًا. الرواية أيضًا ككل محمّلة بالكثير من رؤيا يوحنا، التي قرأتها مرارًا قبل وأثناء الكتابة. ستتعجب عندما تعرف أنني لم أقرأ تراثًا إسلاميًا منذ مدة، وبالتالي لا أظن أن هناك تأثيرًا مباشرًا سوى حكاية صخر الخزرجي، التي استعرتها من كتاب للحافظ ابن أبي الدنيا. ربما هناك تأثير غير مباشر، أتى من قراءاتي السابقة، لكني لا أستطيع ملاحظته.”

بالعودة للعمل سنجد أن “نحول الروابط” بين خطوط العمل غير قاصر على فكرة “الجحيم” التي شكّلت ربطًا تجريديًا بين أزمنة الرواية الثلاثة، بل تتمثل أيضًا في شخصية زهرة التي ستربط، كخيط دقيق للغاية، بين 2011 و2025. سيقابل عطارد زهرة في بيتها عندما يزورها مع حبيبته “فريدة”، التي تعمل طبيبة، في محاولة لفهم حالتها المرضية التي أصابتها عام 2011، وقد أصبحت منتشرة بين الأطفال عام 2025. لنجد أنفسنا أمام شخصيتين، هما فريدة وزهرة، عانت كلتاهما بطريقة ما عام 2011. ففي الوقت الذي كانت فيه زهرة برفقة إنسال عام 2011 تبحث عن والدها في ثلاجات الموتى، يأتي مشهد يقابل فيه إنسال شخصية تدعى رجل الكلاب، هذا الرجل الذي يتصادف مروره على كوخ، به شخصية تدعى “رجل الزبالة” يحاول اغتصاب فتاة لم يكتمل نموها كامرأة، في مشهد تصعب قراءته. لنكتشف بعدها أن البنت المغتَصبة هي فريدة حبيبة عطارد، التي ستترك الطب للمرة الثانية بعد انتشار هذا المرض وتعود للعمل في الدعارة.

أفكّر أنه في خضم كل هذا العنف، الدم، القتل، القتامة والعدمية والتمحور حول الذات عند كل شخصية من شخصيات العمل، في نزعة ما بعد حداثية واضحة، تظهر قصة حب بين أحمد عطارد وفريدة، أسأل ربيع: “كيف ترى موقع مشاعر الحب في عمل بهذه القتامة”؟

يقول: “قصة الحب هذه ظهرت أثناء الكتابة، لم أخطط لها ولم أتوقع ظهورها أصلًا، وحتى أثناء الكتابة كانت تظهر لحظات ثم تختفي. ربما تكون هي الشيء الجميل والمفرح، الذي يلوح لوقت قصير جدًا، ليساعدنا على تجاوز كل الهزائم والاستمرار في الحياة.”

أثناء لقاء عطارد بزهرة، ستخبره هذه بإيحاء غامض أننا في الجحيم وأن عليه قتل الناس كي يذهب بهم إلى الخلاص. فيتلقى الضابط ما يمكن تسميته “وحيًا إنسانيًا”، ليبدأ مهمته المقدسة بقتل كل من يقابلهم. يفعل ذلك مع الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال بلا تفرقة. لا يجد مقاومة من ضحاياه ولا يتصدى له أحد وكأن الناس تريد التخلص من هذا الجحيم الذي تعيشه، حتى وإن لم تدرك حقيقته.

***

يُبرز الكاتب كيف يمكن للناس معايشة الجحيم دون إدراك لهذا. فيصف لنا، على لسان أحمد عطارد، القصف المدفعي الذي قامت به قوة المحتل، الممثلة في فرسان مالطة، للقاهرة الغربية:

“وسمعت صوت الهدم وهبّات الغبار الناعم وشهقات القتلى والأرواح تُنزع من الأجساد ولا أعلم من فيهما يمزِّق الآخر وبكاء النساء وأكفهن تلطم وجوههن والنار تأكل أولادهن والسيارات تسرع ثم تتوقف والسائقون يركضون بلا وعي نحو البيوت المحطمة يحركون الأنقاض فزعين والآلاف تحت الأنقاض يطلبون الماء أو الموت والأطباء يصرخون طالبين أشياء لا أفهمها والصبية على الموتوسيكلات يرفعون الأجساد النازحة ويسرعون بوجوه جامدة باحثين عن مسعف وعمّال صعايدة يصرخون ينادون أصحابهم وهم يزيلون الأنقاض بأيديهم العارية ورجل شارع يشعل سيجارة ثم يدخنها بهدوء واستمتاع وجسده تحت أطنان الخرسانة المحطمة والطوب والخشب لا أمل له وقال: “لم لا استمتع قبل الموت؟”. وامرأة قالت: “أخيرا!”. وهي مستسلمة لسقوط حر بسرعة باب الغرفة وسقفها وأرضيتها، كلهم هوى. وأحدهم نادى من مأذنة الجامع ولم يفهمه أحد ولكنهم تركوه يهذي والكلاب تعوي ولا تفهم وتنبح ولا تفهم وتجري ولا تفهم، ولا أفهم.”

يظهر هنا جموح الوصف المشهدي الذي يترك القارئ أمام صورة تخيلية يصعب انمحاؤها. فمن يصف المشهد ليس قناصًا، ليس إنسانًا عاديًا، بل أقرب لأن يكون نصف إله على الطريقة الإغريقية، نصف إله يجعلنا نرى المشهد بتفاصيله التي يصعب أن يدركها كلها من ليس به مسٌ من الإله.

اعلان
 
 
محمود حسني