المجتمع المدني في تل أبيب يحدثنا عن أنفسنا

 

الدعاية

يوم مشمس في المدينة الفاضلة، سلام وحياة، يظهر في الكادر رجل عربي الملامح ملفح بالسواد، في قلبه وثيابه، ينظر بازدراء إلينا والى أسلوب حياتنا، يكمل طريقه ثم إذ به فجأة يخرج سكينه الغادر، ويسدده صوب المشاهد، صوب المواطن اﻹسرائيلي الشريف.

ما سبق هو وصف لأول 15 ثانية من فيديو تعبوي نشرته منظمة صهيونية غير حكومية اسمها “إِم تِرتسو” مهمتها “بناء الحلم الصهيوني” في سبيل دعوة المواطنين اﻹسرائيليين  للتوقيع على عريضة تهدف للضغط على الكنيست ﻹصدار قانون خاص بشفافية تمويل المنظمات غير الحكومية.

السواد يعتري الشاشة، ثم تظهر مرة أخرى صورة ثابتة للإرهابي وسكينه في يده، لتقوية المعنى لدى المشاهد. يصدح في الخلفية صوت أنثوي رقيق، يخبر المواطن الإسرائيلي الشريف بأن الإرهابي القاتل، قبل أن يسدد طعنته القادمة، يعلم أن إيشاي منوحين، عميل الحكومة الهولندية، سيدافع عن حقوقه أثناء التحقيق، كما أن هذا اﻹرهابي عدو الإنسانية يدرك أن أفنير جفرياهو، العميل المزروع من الحكومة الألمانية، سينعت الجندي اﻹسرائيلي البريء بمجرم حرب حين يحاول إيقاف الاعتداء. يستمر الصوت الهادئ في تسمية عملاء آخرين للنرويج والاتحاد الأوروبي، وفي الخاتمة رسالة موضوعية غير تحريضية بالمرة من كاتب النص، “إيشاي وأفنير وغيرهم إسرائيليون، يعيشون بيننا ولكنهم عملاء أجانب، وبينما نحارب الإرهاب، فهم يحاربوننا”.

المنتج

يمكن وضع هذا الفيديو “المسالم” في سياق حملة أكبر تقودها المجموعات الصهيونية المتطرفة لتضييق هامش حرية التعبير وتكريس الرأي الأحادي المُستنسخ، ومن هنا كانت مبادرة وزيرة العدل أييلِت شاكيد قبل بضعة أشهر باقتراح قانون يعزز مبدأ الشفافية بالنسبة للجمعيات اﻷهلية التي تتلقى تمويلًا من حكومات أجنبية، وفرض ضريبة خاصة عليها تصل إلى 45 %، وهي منظمات يسارية بصفة رئيسية، حيث أن أغلب المنظمات اليمينية الداعمة للخط الاستيطاني تتلقى تبرعات خاصة، وغير حكومية، من أفراد داعمين ﻹسرائيل، وقد لاقى هذا الاقتراح ترحيب نتنياهو الذي رد على معارضي القانون في تصريح لجريدة هاآرتس بأنه: “لا يستوعب كيف يكون اقتضاء الشفافية عملًا غير ديموقراطي، بل العكس هو الصحيح، ذلك أن الديموقراطية تستوجب أن نعرف من يمول هذه المنظمات، سواء من اليمين أو اليسار، من أعلى أو من أسفل”.

ورغم اعترافي بقوة الحضور الذهني في رد رئيس الوزراء الإسرائيلي ومحاولته نفي الباعث السياسي وراء القانون، إلا أن المطالع للسياق العام للمناقشات التي دارت حول القانون خاصة وما يدور في الفلك السياسي اﻹسرائيلي عامة قد يصل لنتائج مغايرة:

  • في حديث وزيرة العدل أييلِت شاكيد بإحدى المناقشات البرلمانية قبل التصويت على القانون المذكور، وفي تصريح لا يصدر إلا عن سياسي مخضرم، أوضحت الوزيرة بجلاء أهداف القانون الموضوعية: “بعد سنين من استغلال أحزاب اليسار لمسألة الشفافية كأداة إدارية وسياسية ضد اليمين، أصبحت الشفافية ميراثًا لهم وأصبحوا يتعاملوا معها كأنها ملك أبيهم”. (ترجمة حرفية)

 

  • طلب نتنياهو أن يُحذف من مشروع القانون نصٌ يجبر أعضاء الجمعيات الأهلية على “ارتداء علامة تشير لكون تمويلهم أجنبي المصدر”، كان هذا النص بالطبع يهدف – قبل حذفه – إلى “تمييز” النشطاء الحقوقيين، ليتعرف عليهم المواطنون الشرفاء ويكيلوا لهم المديح والشكر!.
  • في سياق متصل، وزيرة أخرى كانت هدفًا للعديد من الانتقادات، هي وزيرة الثقافة ميري ريجِف التي اقترحت مشروع قانون عُرف باسم قانون “الولاء الثقافي“، يتيح للحكومة تحديد المؤسسات الثقافية المستحقة للتمويل الحكومي، وبطبيعة الحال فأي أعمال لا تسير وفقًا للرؤية الرسمية تصبح بطريقة ألية ممنوعة من التمويل وفقًا لمنهج يكرس أبوية النظام وتحكمه في “المحتوى” الثقافي بكافة أشكاله التعبيرية.

 

 

الجدير بالذكر أن إيشاي منوحين هو مدير عام جمعية مكافحة التعذيب في اسرائيل، وهي منظمة غير حكومية مهمتها دعم حقوق جميع الأشخاص من إسرائيليين وفلسطينيين وعمال أجانب، وبشكل عام كل الأجانب في إسرائيل باﻹضافة لفلسطينيي الضفة الغربية، من خلال حمايتهم من التعذيب والمعاملة السيئة من جانب الشرطة وسلطات التحقيق الإسرائيلية. والجمعية بصفتها تلك ما تفتأ تصدر تقارير ترصد وحشية جهاز الشرطة الإسرائيلي ومخالفته للمواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. وعلى ما يبدو فإن العمل الذي تقوم به جمعية مكافحة التعذيب في إسرائيل وغيرها من المنظمات غير الحكومية، قد أغضب السلطات الإسرائيلية ودفعها إلى التفكير في وسائل لتحييد دور هذه الجمعيات، خصوصًا أن تقرير جولدستون الذي أدان العدوان اﻹسرائيلي على غزة نهاية 2008 استند إلى مجموعة أدلة كان من بينها تقارير لمنظمات حقوقية في إسرائيل.

المستهلك

تستهدف الدعاية لهذا المنتج القانوني “الشعب الإسرائيلي الذي يشعر أنه محاط بالأعداء من كل صوب، وهو تصور حقيقي نظرًا للجوار الصعب الذي نعيش فيه”، وفقًا لتصريح تسيبي ليفني وزيرة الخارجية السابقة.

فـ52% من سكان الكيان الملاصق لحدودنا الشرقية يرون أن منظمات المجتمع المدني تشكل خطورة على الأمن الوطني الإسرائيلي وفقًا لتقرير منظمة أفي حاي لعام 2012، والذي يرسم ملامح للتدين والهوية في إسرائيل، وقد ورد في نفس التقرير أن 67 % من الإسرائيليين يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار في تضخم واضح للأنا الوطنية، يذكّر بما يتصوره البعض من وقوع الدولة المصرية في قلب مؤامرة كونية تستهدف النيل منها. وتضخيم الذات الوطنية، في ظني، هو محاولة لتعويض الإخفاق في التقدم السياسي والتنموي، عن طريق خلق تصور واهم عن أهمية الدولة، سواء باستحضار الماضي أو بوضع الدولة في صورة المستهدفة من الأعداء الخارجيين، وأدواتهم المحلية المتمثلة في  منظمات المجتمع المدني.

بل إن المنطق ذاته الذي يتوجه به السياسي اﻹسرائيلي للمستهلك المحلي في هذه القضية يشكل صفحة من نفس الكتاب الذي ينهل منه ساستنا المصريون، فعندما زادت الدعوات الفاشية لاقتلاع المنظمات غير الحكومية من إسرائيل ووُصف أعضاؤها بالعملاء الخونة المستحقين للموت، خرج نتنياهو بتصريح ليس غريبًا على مسامعنا، عندما قال إنهم “ليسوا خونة، ولكنهم يسيئون لاسم إسرائيل أمام العالم”.

السعر

أترك هذه الفقرة لمقتطفات ترجمتها من كتاب ” العدالة الشاردة ” للكاتب الفرنسي دينيس سالاس:

“ما هو المستقبل الذي يعدنا به اليوم المثاليون الذين امتطوا صهوة الحكم والسلطة؟ يطلبون منا  القبول بتقييد حقوقنا وحرياتنا من أجل الحد من الإجرام، فالدفاع عن المجتمع لا بد وأن يتم من خلال رواج الأمن، وجدلية الحاضر والمستقبل اللصيقة بالمدن الفاضلة تتواصل اليوم بصور جديدة، ففي الماضي صدّعوا رؤوسنا بالحديث عن مجتمع بلا طبقات ونهاية الاستبداد من خلال تضحيات يجب تقديمها للوصول لهذا المجتمع المثالي، ومن ثم فان المجتمع اللا-طبقي الموعود كان يبرر ديكتاتورية الحاضر”.

“أما اليوم، فيعدوننا بمجتمع آمن بلا أخطار ولا تهديدات، والى ذلك الحين، يضاعف القانون من التجريم، فيطيل مدد العقوبة ويبرر الحالات الاستثنائية (حالات الطوارئ مثلًا). إن اللهاث وراء الأمن حل محل الخلاص الديني، واستُبدل المستقبل بالإله, وجنة عدن، الأمنية الموعودة، تستلزم هي الأخرى أن تتطهر أرواحنا في عالم البرزخ، وكأنما كتب علينا عبور امتحان تلو الآخر حتى نصل للخلاص المجتمعي. ولكن بعيدًا عن دراما الآن والحاضر، تلوح في الأفق المدينة المضيئة وقصورها الخلابة، حتى وإن كانت هذه القصور تشبه – في الحال – سجونًا حديثة تقشعر لها الأبدان وتغرق بالرقابة”.

“وأمام هذا الوعظ الموجه إلى مجتمع مهدد، يشكك في ذاته وفي روابطه، كيف له أن ينأى بنفسه عن تصديقهم، بل والحشد لهم”؟

 

 

اعلان
 
 
أحمد القهوجي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن