Define your generation here. Generation What
«الاستقرار» في رفح.. وكيف تصنع الدولة شعبية الجهاديين
 
 

خلال لقائه مع “ممثلي المجتمع المصري” الأسبوع قبل الماضي، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الاستقرار يتحسن في سيناء، حيث تراجع عدد العناصر الإرهابية كثيرًا هناك حتى ولو لم يحسم بصورةٍ نهائية، مؤكدًا أننا نحتاج للوقوف وراء الجيش والشرطة في هذه الحرب، وأن هناك من يضحي بحياته لصالح مصر لكي تكون سيناء أرض مصرية خالصة، كما تحدث عن مشروعات اقتصادية وتنموية سيتم الانتهاء منها بحلول ذكرى تحرير سيناء في الخامس والعشرين من الشهر الجاري.

ولكن ما نقله لي الأصدقاء القدامى في زيارتي الأخيرة لرفح، قبل ثلاثة أسابيع، بدا مغايرًا لمّا نقله الرئيس لـ “ممثلي” المجتمع، تحديدًا فيما يخص علاقة أبناء رفح بالدولة المصرية، وحجم وجود وتأثير الجماعات الجهادية، وصعوبة “استقرار”  الأهالي في موطنهم وسط استمرار الحملات الأمنية من قوات الجيش والشرطة  في مدن الشمال السيناوي عمومًا، ورفح تحديدًا، والتي تخلف ضحايا ومعتقلين بين المواطنين، وخاصة البدو منهم، واستمرار إغلاق الطرق وانقطاع شبكات الهاتف والمياه والكهرباء لأسابيع، وسط تعتيم إعلامي ضخم.

فخلال زيارات متفرقة لمدينتي القديمة، كنت ألتقي بأصدقاء تمتد معرفتنا لأكثر من 25 عامًا، ومع بدء وزيادة الحملات الأمنية هناك، وتدهور الأوضاع المعيشية، كنت كلما سألت أحد هؤلاء الأصدقاء عن أحوالهم، يرد بدوره قائلًا: “بس اتمهي زي كده”.. أى أتمنى أن يبقى الحال على ما هو عليه، وهي المقولة التي ظل يرددها حتى اكتسبت طابعًا هزليًا مع تسارع وتيرة تدهور الأوضاع. ولكن في المرة الأخيرة التي زرت فيها المدينة، أو ما تبقى منها، سألت صديقي عن الأحوال، فرد بأسى: “والله زهقنا.. ماحنا عارفين إيش نسوي!”.. وأضاف: “يا ريت بنقدر نهِج”.

مزرعة زيتون مجرفة

مزرعة زيتون مجرفة

نشأ “سعيد” وعاش طوال سنوات عمره الـ ٣٨ في حي الإمام علي الذي أنشأته الحكومة في مدينة رفح المصرية في منتصف ثمانينات القرن الماضي؛ في خطوة منها لإعمار سيناء، وجلب أبناء الوادي وتوظيفهم، بعد معاهدة السلام التي وقعتها مع إسرائيل في مارس 1979 واستعادت بها مصر سيناء.

كان الحي يضم معظم مقرات مؤسسات الدولة، والتي كان أبرزها مكتب المخابرات الحربية، الذي تم استهدافه يوم الأربعاء 11 سبتمبر ٢٠١٣ بتفجير هز أرجاء المدينة، مخلفًا سبعة شهداء من مجندي القوات المسلحة، وأكثر من 18 مصابًا، بينهم ستة من المدنييين. أعقب ذلك التفجير، ولساعتين كاملتين، إطلاق نار عشوائي وبطريقة هستيرية من جميع الأكمنة الأمنية والنقاط المحيطة بالمكتب. كانت سلوى، زوجة شقيق سعيد إحدى ضحايا إطلاق النار العشوائي هذا، حيث أصيبت -وهي داخل منزلها- بطلق ناري في يدها، ما تسبب لها بخلل في أعصاب اليد، ما زالت تعالج منه حتى الآن.

في بدايات سبتمبر ٢٠١٣، قبل أيام من هذا التفجير -الذي أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عنه لاحقًا- وقبل ما يزيد على السنتين ونصف السنة من الآن، كانت المجموعات القتالية التابعة للقوات المسلحة والأمن المركزي قد بدأت الحملة الأمنية الكبيرة في سيناء لمحاربة الإرهاب، مدعومة بغطاء جوي مكثف من المروحيات العسكرية، حسبما أعلن بيان أصدرته القوات المسلحة وصفت فيه الحملة بإنها الأكبر منذ حرب أكتوبر 1973، وقالت فيه إن الحملة تستهدف مهاجمة الأوكار والبؤر الإرهابية والقبض على العناصر التكفيرية المسلحة والخارجين عن القانون.

بعد قرابة العام من هذا التاريخ، وبعد أكثر من عملية استهدفت قوات الأمن المصرية، كان أبرزها هجوم أفراد من أنصار بيت المقدس -التي صار اسمها في ذلك الوقت “ولاية سيناء”، على كمين كرم القواديس في الشيخ زويد يوم 24 أكتوبر 2014، وهو الهجوم الذي خلّف 33 شهيدًا من مجندي القوات المسلحة بخلاف المصابين، قررت السلطات المصرية تنفيذ ما يسمى بـ “المنطقة العازلة” على الحدود المصرية الفلسطينية، وهي خطة استهدفت بالأساس القضاء على الأنفاق الواصلة بين الأراضي المصرية وقطاع غزة عبر تنفيذ منطقة عازلة بعمق ٥٠٠ متر وبطول 14 كيلو متر، والتي تطورت بعد ذلك في مرحلتها الثانية، التي بدأت في يناير 2015 لتصبح بعمق كيلو متر، قبل أن تعلن السلطات بعد قرابة أربعة شهور عن اعتزامها تنفيذ مرحلة ثالثة منها تمتد لـ  ٥٠٠ متر أخرى، ليصبح مجموع المناطق التي سيتم تجريفها 1500 متر (كيلو ونصف الكيلو متر).

بعد تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية من المنطقة العازلة على الحدود، أصبح منزل “سعيد” في واجهة الحدود مع قطاع غزة مباشرة، ولأن المنطقة العازلة لم تحقق أهدافها في القضاء تمامًا على الأنفاق، واستمر اكتشاف أنفاق امتدت إلى أكثر من الألف متر التي تم تجريفها، واستمرت كذلك الهجمات الإرهابية التي كان بعضها كبيرًا ومؤثرًا، مثل الهجوم على مقر الكتيبة 101 في نهاية يناير 2015، والذي خلف قرابة الـ 30 شهيدًا من قوات الجيش، فضلًا عن أكثر من 80 مصابًا، أدى كل ذلك لتضاعف حملات التفتيش على الشريط الحدودي الجديد، والذي كان يضم منزل “سعيد” ومنازل أبناء عمومته.

“لو إنهم يأخذون المذنب ويتركون الأبرياء لشأنهم، لكنت أُسلمهم جميعاً، ولكنهم بيشيلوا العاطل في الباطل”، قالها” سعيد”، قبل أن يضيف: “كانوا (قوات الأمن) يأتون لتفتيش منزلي على الأقل مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، وكان لا بد أن أهرب في كل مرة؛ خشية أن يعتقلوني أو يضربوني، مثلما حدث مع أخي الأصغر”.

يعيش “سعيد” وإخوته الخمسة الآخرين بجوار بعضهم لا تفصل بينهم سوى أمتار قليلة فقط، وهو حال معظم العائلات البدوية.

يروي “سعيد” أنه في يوليو من العام الماضي جاءت حملة أمنية للبحث عن أخيه الأصغر “سليمان”، فدخلوا منزل “سعيد” أولاً ظناً منهم بأنه منزل أخيه، وعندما أخبرهم بأنه أخوه سحبوه خارج منزله لإرشادهم إلى منزل “سليمان”، وبالفعل، حسبما يقول، أرشدهم لمنزل أخيه الذي اعتقلوه وعذبوه لكي يعترف بعمله في الأنفاق، ولكن شيئاً لم يثبت ضده، وأُطلق سراحه بعدها بثلاثة أيام وعلى ظهره علامات التعذيب. يقول “سعيد” في سخرية: “كان لازم اسلم أخوي يا رجل، حتى أسلك أنا!”

في الشهر نفسه، وحسبما يقول “سعيد”، اكتشف الجيش وجود نفق في بيت أحد أبناء عمومته الذي يبعد عدة أمتار فقط عن منزله، فجاءت حملة كبيرة بالجرافات والمعدات وهدمت خمسة منازل في ذلك اليوم، كانت جميعها لإخوة وأولاد عم. “نعم، بعض تلك المنازل كان بداخلها أنفاق، ولكن لا تهدم البيت، احبس وعاقب المذنب، ولا تعاقب العائلة كلها لارتكاب أحد أفرادها عمل غير قانوني”، يقول “سعيد”.

ويصف “سعيد” الجيش بأنه “لم يفهم أو يعرف عاداتنا حتى يحترمها”، ويضيف أنه -“في جهل تام بعادات وتقاليد أهل البلد”- أصبح الخُص بؤرة إرهابية يتباهى الجيش بحرقها ويلتقط لها الصور.

والخُص، حسبما يوضح، هو عشة يبنيها رب الأسرة بجوار المنزل، لتكون بمثابة الصالون، حيث يستضيف فيه أصدقائه الرجال خارج البيت.

يقول سعيد: “الأرض والبيت والعرض هي أهم ثلاثة أشياء عند البدو؛ الأرض وأخذوها، والبيت وهدّوه، وما ظل غير أن يمسكون بزوجتي!”، ويضيف: “سأترك المنطقة وانتقل حتى إلى حفرة في الأرض ولا التعرض لهذا الذل يا رجل”.

خص محروق

خص محروق

طوال ما يقرب من العامين، استمرت الحملات الأمنية والمداهمات، واستمرت معاناة سعيد وعائلته حتى قرروا جميعاً ترك منازلهم والانتقال لقرية الرسم، غرب مدينة رفح، والبعيدة عن الشريط الحدودي والمعسكرات والمداهمات وإطلاق النيران، وهي إحدى المناطق التي تقع تحت السيطرة شبه الكاملة لتنظيم الدولة الإسلامية – ولاية سيناء، والذي كان يعرف بـ “أنصار بيت المقدس” حتى منتصف نوفمبر 2014، حين أعلن بيعته لتنظيم الدولة الإسلامية، وهي البيعة التي قبلها أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ليحمل التنظيم اسم “ولاية سيناء”، وتبدأ أنباء في التردد عن سيطرته على عدد من المناطق الواقعة في نطاق رفح والشيخ زويد.

يقول سعيد عن انتقاله لـ “الرسم”: “جيت هني وحسيت قلبي ارتاح بعد ما كان ثقيل”، ويستكمل موضحًا: “على الأقل، أعرف أن لا أحد سينتهك بيتي في نُص الليل دون إذن أو سابق إنذار، لن أضطر إلى الهروب، والله لو أتوا إلى هنا (الجيش) ليقطعونهم تقطيعاً”، في إشارة إلى مسلحي “ولاية سيناء”.

لا تبدو المنطقة كما كانت عليه منذ ستة أشهر؛ حين زرت “سعيد” فيها لآخر مرة. والذي يُذكرني بدوره بتلك المرة قائلًا: “كان الجيش حينها يتجول بحرية وأمان أكثر بكثير، وبغض النظر عن عدد المدرعات التي تتجول حاليًا، لكن دخول المنطقة الآن أصبح يتطلب قافلة كبيرة من الدبابات والمدرعات وغطاء جوي، وعلى جميع الأحوال ستكون الخسائر في جانب الجيش جسيمة. حيث أن معظم الطرق الرئيسية في المنطقة ملغمة في انتظار مرور الحملات العسكرية.”

لغم أرضي مزروع على مفترق طرق أحد الشوارع الرئيسية في منطقة الرسم

لغم أرضي مزروع على مفترق طرق أحد الشوارع الرئيسية في منطقة الرسم

تتمتع قرية الرسم بعلوها عن باقي مناطق مدينة رفح، ما جعل منها موقعًا استراتيجيًا يحارب الطرفان للسيطرة عليه.

في نهاية شهر فبراير الماضي داهمت المنطقة حملة ضخمة للجيش بحثاً عن المسلحين. مشطت القوات المنطقة، وخلال التمشيط تعرضت الحملة لإطلاق النار، وأصيب أحد الجنود وقتها بطلقات نارية تم إطلاقها من مزرعة برتقال تطل على أحد الطرق الرئيسية التي كانت تمر بها الحملة، وردًا على إطلاق النار الذي لم يعثر الجيش على من أطلقه، قام بإحراق المزرعة وتجريف ما لم يحرق منها.

كانت مساحة تلك المزرعة تقدر بحوالي٥٠.٠٠٠ مترًا مربعًا. أحرقت القوات أشجارها بما عليها من ثمار، وأحرقت جميع معدات الري والحرث، وحتى العشة التي يستظل بها العمال في أوقات الراحة، تم إحراقها.

قبل أيام من هذا التاريخ، وفي أحد أيام السبت من أواخر يناير الماضي، كان “سلمي”، ١٩ سنة، ابن عم سعيد، في طريقه لتوصيل أخيه الطالب في الصف الثاني الابتدائي إلى مدرسته لأداء امتحان نصف العام. كانت المدرسة تقع بجوار السوق الأسبوعي الرئيسي لمدينة رفح الذي يقام يوم السبت من كل أسبوع، داهمت حملة تابعة للجيش السوق وسط إطلاق نار عشوائي من جنودها، فتمدد كل من في السوق على بطنه؛ نساء ورجال وأطفال، إلا أن “سلمي” تلقى رصاصة طائشة وسط إطلاق النيران العشوائي، ومات في الحال.

سبقت تلك الحملة، وتحديدًا في منتصف نوفمبر الماضي، حملة أخرى تمركزت في مدرسة الرسم الواقع مبناها ذي الأدوار الخمسة في وسط القرية، كأنما هو فنارة شاهقة وسط البيوت المتناثرة البسيطة.

اعتلت القوات المدرسة وظلت بداخلها، وتخللت فترة بقائهم فيها إطلاق النار من حين إلى آخر، قبل أن يتركوها في آخر النهار عائدين إلى معسكراتهم دون اشتباك مع أحد، ولكن قبل مغادرتهم للمدرسة تركوا عدداً من الجنود، متخفين، بداخلها دون أن يعلم أحد من سكان القرية بوجودهم. وبمجرد خروج الحملة من المدرسة ومغادرتها للمنطقة، عادت الحياة إلى طبيعتها.

مدرسة الرسم

مدرسة الرسم

مع عودة الحياة لطبيعتها انطلق حمدان (ابن “سعيد”، ١١ سنة) على دراجته الهوائية بصحبة أطفال آخرين للقيام بروتينه اليومي بشراء الحليب لأهل بيته. في طريقه رأى هو والأطفال الجنود على نوافذ المدرسة، فصرخوا خوفًا وهربوا مذعورين وهم يشيرون إلى الجنود، وعندها بدأ الجنود إطلاق النار العشوائي في كل اتجاه، وبعد لحظات اشتبك مسلحو التنظيم معهم، ليصاب حمدان برصاصة في الظهر خرجت من بطنه، في حين أصابت رصاصة أخرى دراجته الهوائية، التي تركها وأمسك بجرحه وأسرع إلى منزله حيث كان أبوه جالساً مع أخويه (٥ سنين و ٨ سنوات).

“كنت جالساً مع الأطفال في الخُص ننظر إلى بعضنا البعض فقط وسط أصوات إطلاق النار، مداعباً إياهم بانتظار معرفة من منا ستظهر عليه علامات الخوف. كنت أفعل ذلك لتقوية قلوبهم ضد أصوات النيران، بعدما أصبح ذلك روتينًا يوميًا يجب التعود عليه والتعايش معه”، يتذكر “سعيد”.

بوصول حمدان إلى المنزل، لم يستطع الأب أن يذهب بابنه إلى المستشفى لكثافة إطلاق النار، كما لم يتمكن من الاتصال بالإسعاف لانقطاع شبكات الاتصال، ولكن ما طمأن “سعيد” هو أن الرصاصة قد أصابت ابنه في أقصى يمين البطن، ولم تصب أيًا من أعضائه الحيوية.

بعد قرابة الساعة من تركها للجنود عادت الحملة مرة أخرى وسط إطلاق النيران واشتبكت مع المسلحين، قبل أن تصطحب الجنود وتغادر مخلفة ورائها ثلاثة قتلى من المدنيين الذين كانوا يتفقدون خراطيم المياه في مزارعهم القريبة من المدرسة حين مرت الحملة من بين المزارع، قاصدة المدرسة، مبتعدة عن الطرق الرئيسية خوفاً من العبوات الناسفة.

توفى اثنان من القتلى في الحال، في حين اضطر الثالث للانتظار في بيته، مصابآً، حتى اليوم التالي؛ لعدم تمكنه من الاتصال بالإسعاف أو الذهاب إلى المستشفى، التي حين وصلها في اليوم التالي كانت غير مجهزة لحالته، فمات هناك.

حمدان، ١١ سنة، أصيب برصاصة طائشة في الظهر وخرجت من البطن

حمدان، ١١ سنة، أصيب برصاصة طائشة في الظهر وخرجت من البطن

في الوقت الحالي، أصبحت معظم شوارع المنطقة ملغمة، وحتى المدرسة نفسها أصبحت ملغمة كلياً من قبل “ولاية سيناء”، التي حذر مسلحوها أهالي المنطقة من إرسال أبنائهم إليها بعد تلغيمها. ولم يكتفوا بتلغيم تلك المدرسة فحسب وإنما لغموا أيضًا مدرسة طارق بن زياد، الأقرب لقرية الرسم، حيث تبعد حوالي ثلاثة كيلو مترات. وحالياً لا يذهب أحد من التلاميذ إلى مدرسته. يقول “سعيد”: “المدارس الأخرى بعيدة عنا، والطرق مغلقة والحركة صعبة، فلن نستطيع توصيلهم ولن يستطيعوا هم الذهاب وحدهم، فالجلوس في المنازل أأمن شيء في حالة كهذه.. وإن كان لا يزال خطرًا”.

هاربًا من الحملات الأمنية، انتقل أحمد -٤١ عامًا، موظف حكومي، ابن عم سعيد وجاره- بدوره إلى قرية الرسم، وهناك، وفي فبراير الماضي، أصابت منزله دانة عشوائية أُطلقت من إحدى دبابات الكمائن المجاورة، ولكنها لم تصب أي من أفراد أسرته الخمسة بأذى. لينتقل مرة أخرى إلى منزل ثانٍ في مكان مختلف من الحي ذاته.

يقول “سعيد”: “هَم الناس الأول في المنطقة هو الدانات والقصف العشوائي للبيوت، أما غير ذلك، فأنا أشعر بأمان وطمأنينة أكثر؛ لعلمي أن الجيش لن يجرؤ على المجيء إلى منزلي، فهناك من يحمي المنطقة (في إشارة إلى مسلحي ولاية سيناء)، وأنهم (الجيش) إن جاءوا هنا سيصبحون قطعًا متناثرة”.

بيت صغير من الحديد الصاج، في منطقة الرسم، اخترقته طلقة طائشة وأصابت الثلاجة ما أدى إلى اشتعال الفريون في البيت

بيت صغير من الحديد الصاج، في منطقة الرسم، اخترقته طلقة طائشة وأصابت الثلاجة ما أدى إلى اشتعال الفريون في البيت

قبل سنوات من ثورة يناير عام 2011 شهدت مدن سيناء عمليات إرهابية متفرقة، زادت وتيرتها بعض الشيء بعد الثورة، ما أدى لقيام القوات المسلحة بأكثر من حملة أمنية في “حربها ضد الإرهاب”، واستمرت وتيرة العمليات الإرهابية والحملات الأمنية في التصاعد وصولًا إلى ذروتها بعد 30 يونيو 2013، حين تم عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، لتشهد مدن الشمال السيناوي تحديدًا ظهورًا قويًا لأفراد الجماعات الإرهابية، وسط حملات أكثر قوة وأكثر بطشًا من قبل الجيش، ما أوقع مواطني سيناء بين فكي رحى حرب طاحنة، وسط تعتيم إعلامي رسمي شبه كامل، وأنباء كثيرة متداولة عن نقص حاد في الخدمات الأساسية في سيناء.

في مايو الماضي، أعلن المتحدث العسكري، العميد محمد سمير، عن نتائج العمليات الأمنية التي نفذتها قوات التأمين بشمال سيناء، خلال الفترة من 25 أكتوبر 2014 إلى 30 أبريل 2015. ورصد قتل وتصفية 725 “إرهابيا”، والقبض على 1873 مشتبها بهم، بخلاف القبض على 206 مطلوبين أمنيًا وتدمير 591 سيارة و1447 دراجة نارية وتدمير 1823 مقرا للعناصر الإرهابية تشمل مخابئ وخنادق وعششا وخياما ومنازل مهجورة، حسب تصريحه.

بعد أربعة أشهر، وفي سبتمبر الماضي، أعلن المتحدث العسكري عن نتائج العملية الأمنية “حق الشهيد” خلال أربعة عشر يومًا، وشملت قتل 526 إرهابًيا، والقبض على 617 إرهابيًا، وتدمير وحرق 10 عشش وأوكار ، والقبض على 3 عربات وحرق تدمير3 أخرى، وحرق وتدمير18 دراجة بخارية، واكتشاف وتدمير9 مخازن تحتوي على مواد غذائية وبترولية وقطع غيار عربات ودراجات بخارية وأسلحة وذخائر.

يقول “سعيد”: “الانقلاب قلب الدنيا علينا”، ويستكمل شارحًا: “هو انقلب (في إشارة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي) على محمد مرسي في القاهرة، وبعدها بيومين انقلب علينا هنيّ. إحنا والجيش كُنا عشرة على عشرة، كان الاحترام يسود بيننا منذ الثورة وحتى الانقلاب. كانت العلاقة أقرب إلى صداقة أكثر منها علاقة بين جيش ومواطن. حين كان الجنود يسألوننا عن شيء، كنا نذهب ونحضر لهم كل ما يريدونه بدلاً من الاقتصار فقط على إرشادهم. كنا إذا رأيناهم على الطريق نقف لهم ونوصلهم إلى وجهتهم. لم نقصّر معهم أبداً. بمعنى أصح الجيش كسبنا جميعاً.. تقوم تنقلب علينا؟!” يتساءل سعيد معاتبًا، ويضيف: “بعد الانقلاب تغيرت المعاملة تمامًا، وكأن جميع من في سيناء قد أصبحوا إرهابيين”.

“كان هناك اتفاق غير رسمي ما بين القبائل والعائلات البدوية قبل ٣ يوليو بأننا غير معنيين بما سيحدث مع مرسي، وأننا سنأخذ صف الجيش في جميع الأحوال. ولكن الجيش لم يفهم أن تأييدنا لمرسي في انتخابات الرئاسة سابقًا، إنما كان نابعاً من تقارب الحكم الديني الذي كان يمثله وعاداتنا البدوية المحافظة، وأنه لم يكن دعمًا من منطلق سياسي”.

كان مرسي قد حصل خلال المرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة في 2012 على أكثر من 32 ألف صوتًا في شمال سيناء من أصل أكثر من 87 ألف صوتًا، قبل أن يحصل في مرحلة الإعادة على أكثر من 58 ألف صوتًا من أصل أكثر من 94 ألف صوت.

يقول “سعيد”: “بعد الانقلاب، تغير الاتفاق الذي كان بين القبائل والعائلات أوتوماتيكيًا، نظرات عيوننا أصبح مفادها أن الثقة بيننا وبين الجيش قد تلاشت تمامًا ولن تعود أبدًا. ما فعله بنا لم يفعله اليهود خلال احتلالهم لسيناء”.

مع تدهور الأوضاع والتضييق المستمر وقمع الجيش العشوائي للمواطنين، تلاشت الثقة بين المواطن والجيش. وخسر الجيش بذلك عاملًا مهمًا، إن لم يكن الأهم في معركته ضد الإرهاب، وهو دعم المواطنين.

بدأت ملامح وجود “ولاية سيناء” تظهر مع تداول أخبار عن كمائن يقيمونها على الطرق، وقرارات يوزعونها على الأهالي، بل وصل الأمر إلى قيامهم بإعدام بعض الأفراد بحجة تعاونهم مع الجيش.

ورغم ما يقوم به مقاتلو “الدولة الإسلامية” من انتهاكات، إلا أن ازدياد القمع من قبل الجيش والشرطة الرسميين، وتدهور الظروف المعيشية، سمح بزيادة عدد المتعاطفين مع مقاتلي الدولة الإسلامية من داخل العائلات والقبائل نفسها التي كانت تساعد الجيش من قبل في الابلاغ عن أماكن زرع العبوات الناسفة والإرشاد عن زارعيها حتى لا يلحق بهم الأذى من الجيش كعقاب لعدم إبلاغهم، وهو ما يرى الأهالي أنه لم يشفع لهم عند الجيش.

تغير الوضع الآن ولم يعد أحد يدل أو يخبر عن شيء، بل زاد التعاطف مع مسلحي “الدولة” بازدياد جبروت الحملات الأمنية عليهم. أصبح بعضهم ينظر إلى المسلحين على أنهم المنتقمون لأهاليهم عما يقترفه الجيش من قمع ضدهم، بل وبدأ بعض الأهالي ينضم بالفعل لصفوف مقاتلي “الدولة الإسلامية” وأصبح من لا يجاهر بإبداء دعمه، يظهره على استحياء، ففي جلسة مع بعض أبناء رفح قال أحدهم بعفوية: “الله ينصر المجاهدين ضد هذا الطاغية”.

أما “سعيد”، فيقول: “في الحقيقة، عدم القدرة على التجول في منطقة ما والاكتفاء بالقصف الجوي وبدانات الدبابات العشوائية، إنما هو في نظري دليل على فقدان السيطرة على الأرض. حيث يقيم مسلحو الدولة الإسلامية الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش بحرية. وهم من يلاحقون المهربين ويفرضون عليهم الغرامات والحبس ويصادرون البضائع المهربة”.

بينما نحن عائدون إلى منزله، تلقى سعيد مكالمة هاتفية من صديق له يخبره بأن “الولاية” قبضوا عليه في سيارته وهو يحاول تهريب كراتين السجائر، فكان الحكم الصادر ضده أن تصادر السيارة، وتحرق السجائر وأن يدفع غرامة قدرها خمسون ألف جنيهًا.

يستكمل “سعيد”: “استغلت “ولاية سيناء” العنصر الأهم الذي تجاهله الجيش تماماً، غروراً وظناً منه بالقضاء على الإرهاب بقوة المدفع والرشاش فقط. في حين لم يضع في الحسبان أنه بأعماله تلك أجبر الناس على التعاطف مع المسلحين”.

في تسريب بالفيديو  للقاء جمعه بأفراد من الجيش، قال وزير الدفاع، آنذاك، عبد الفتاح السيسي: “عايز أقولك يعني.. انت مش متصور يعني وانت ظابط جيش، آجي على رفح والشيخ زويد وأروح محاصرها ومطلع السكان منها وأروح مفجر المباني اللي فيها، مشكلة يعني؟، مش هانقتل حد ولا حاجة، رفح والشيخ زويد اعمل حصار، الـ 100 بيت دول يتنسفوا، ممكن نعمل كده، حد ضرب نار، طلع قدام النار دي 100 نار، مات اتنين تلاتة أبرياء، انت في الآخر بتشكل عدو ضدك وضد بلدك، لأن بقى في تار بينه وبينك. انت بتشكل الأمن بالتواجد مش بالقتال”.

يختتم”سعيد”: “لا توجد عائلة في رفح كلها إلا وقتل فرد من أفرادها على أيدي الجيش. استطاع التنظيم أن يحتوي أهل المنطقة بحنكة ودهاء في فترة وجيزة فاقت بكثير محاولات الجيش للسيطرة على الأوضاع المتردية في المنطقة”.

لا يبدو أن الوضع في رفح، وفي شمال سيناء بشكل عام، يقترب من حلم “الاستقرار”، كما لا يرى المستقرون هناك نهاية قريبة للكابوس الذي يعيشونه، بعدما زادت أحلامهم تعقيدًا، وهو ما جعل محاولتي لرسم صورة تجمع ما بين رفح الطفولة ورفح الحاضر ورفح المستقبل.. تنتج صورة مشوشة وممزقة.

اعلان
 
 
مواطن من شمال سيناء