Define your generation here. Generation What
نوميديا .. اﻷمازيغية المترسخة في المغرب
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ “الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر”، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر “مدى مصر” عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي “نوميديا” لطارق البكاري من المغرب، “حارس الموتى” لجورج يرق من لبنان، “عطارد” لمحمد ربيع من مصر، “سماء قريبة من بيتنا” لشهلا العجيلي من سوريا، “المصائر.. كونشرتو الهولوكست والنكبة” لربعي المدهون، و”مديح لنساء العائلة” لمحمود شقير من فلسطين.

_____________________

يظهر بناء رواية نوميديا للمغربي طارق بكاري (دار الآداب – 2015)،وهي  العمل الأول لصاحبها، متشابكًا بين مجموعة من الشخوص تتفاوت بينهم مساحات السرد التي احتلتها في نسيج العمل الضخم، والذي تجاوزت صفحاته الأربعمائة صفحة.

booker2.jpg

طارق بكاري

فإلى جانب مراد، السارد الأساسي، والشخصية المركزية في العمل، هناك مسودّات رواية موازية بعنوان “مراد الوعل” لجوليا (ك)، عشيقة مراد الفرنسية التي تبحث عن موضوع لروايتها الأولى، فتستخدم ملاحظات الطبيب النفسي الذي كان يتابع حالة مراد بعد أن يصبح ملف حالته بين يديها، لتستمر في الكتابة عنه وتقصّي حالته بعدما قابلته وتورطت في علاقتها معه، ليعلم مراد فيما بعد حقيقة مقصدها من علاقتها به، وأنه مجرد “حالة” بالنسبة لها. رغم هذا يستمر في علاقته بها، مما يحمل إسقاطًا ربما على فكرة المستعمر الفرنسي وتأثيره، والشعور بالنقص الذي اعتري مراد -الذي وُجد لقيطًا- منذ النشأة.

هناك أيضًا مذكرة خولة، الحبيبة الأولى في حياة مراد، قبل أن تسرقه المدينة والسفر وبحثه عن حياة أخرى، والتي ماتت بعيدًا عنه، حاملة في بطنها جنينهما وثمرة حبهما. وتتمركز فيها ملامح المرحلة الأولى من حياته ومحاولته الهرب منها ومن جذوره في القرية إلى المدينة بحثًا عن الذات.  وفي مذكرات خولة التي أرسلتها إلى مراد قُبيل وفاتها، تظهر معاناتها وهي تؤكد حبها له وتصف المحنة التي واجهتها وحدها مع الجنين في بطنها، وهي لا تعرف أين اختفى حبيبها.

أما شخصية أوداد (أي الوعل باللغة الأمازيغية) فهي الحالة التي تلازم مراد في الفصام الذي يعانيه. وهي الشخصية التي اختلقها لاوعيه ليعود إلى قريته “أغرم” ويتولى مهمة نبش جذوره.

باﻹضافة لشخصية فرعية شديدة النحولة في حضورها، ملفتة على مستوى الرمزية وهي نوميديا، الفتاة الأمازيغية الخرساء التي جسّدت في تواصلها مع مراد حالة الشتات النفسي الذي عاناه في خضم بحثه عن جذور هويته.

يتلمّس بكاري أزمة الهوية وسط عدة أنماط حياة في المجتمع المغربي، بين حياة الفرد الذي تسرقه المدينة والحضارة من جذوره، والأصولية الدينية التي تدمّر شعوبها، وحلم الاشتراكية والفكر الماركسي الذي كان سائدًا في الأوساط الجامعية المغربية في سبعينيات القرن الماضي، والأثر المستمر للمستعمر. فيمزج الكاتب بين هذه الإشكاليات بلغة سلسة وبأصوات متعددة على مدار العمل.

أفكر أنه على مستوى البناء السردي المتشابك، لا مفر من أن التسليم بحقيقة أن العمل الأول لطارق يعد ضخمًا من حيث مساراته وشخوصه، وهو ما انعكس على عدد صفحاته، أسأله:” هل ترى أن في الأمر مغامرة؟ اختيار أن يكون عملك الأول بهذه التعددية على مستوى الأصوات وتركيب البناء وضخامة عدد الصفحات”؟

فيقول: “للأمانة لم أحفل كثيرًا ساعة الكتابة بعدد الصفحات التي سيشغلها العمل، كنتُ منشغلًا عن ذلك بنظم خيوط البناء السردي للرواية والحرص على أن توفية كلُّ تفصيلة حقّها وضمان تناغمها مع البنية السردية. ولا أرى في ضخامة العمل و لا في بنائه المتشابك مغامرة، لأنني حاولتُ طوال الوقت أن أضمنَ للعم  تماسكًا، كما توسّلتُ اللغة وجمالياتها ليظهر بالشكل الذي أفضى إليه أخيرًا”.

 

****
 

بين خولة ونضال (زميلة مراد اليسارية في الجامعة) وجوليا ونوميديا يكون للجنس علامة بارزة في الرواية، ليس الجنس المستمد من غريزة صمّاء بقدر ما هو إيغال في عملية بحث حسية عن الذات، بعد سنوات من التيه والشعور بضياع الجذور.

كل امرأة في الرواية هي مرحلة انتقالية يعاني فيها مراد بين هويته ولغته والمستعمر. يبدو وكأنه يحاول اختراق هذه العلاقات المركبة بالجنس كوسيلة لإثبات أن شيئًا ما لا يزال يعيش بداخله بعد حالة الضياع في حياة المدينة. يجد في علم النفس وفي جوليا منفذًا للخروج من تيهه. ثم تأتي القرية لتلعب دورًا محوريًا في الرواية، حيث الخرافات والأساطير والقصص التي يتداولها سكانها. وتشكل جزءًا من حياة الفرد بعاداتها وتقاليدها وموروثها الشعبي. وفي قلب هذا التأرجح بين القرية والمدينة من ناحية، وانخراطه في العمل السياسي أثناء دراسته، وعشيقاته وبحثه عن ذاته بعودته لمسقط رأسه من ناحية أخرى، يتشكل البناء السردي لرواية “نوميديا”.

أما نوميديا نفسها –الفتاة الأمازيغية- فهي المرحلة الأخيرة من حياة مراد، ويجد فيها رغم خرسها كل ما كان يبحث عنه. فينقل لنا الروائي المكان اﻷمازيغي بكل طقوسه وتفاصيله ودور الأسطورة في تكوين ثقافته. يتوسع فيأخذنا إلى شعوره بفقد هويته إلى المكان الذي نبت منه.

أسأله: “هناك ولع جنسي (شرقي) لدى مراد، يظهر  في تعدد علاقاته وعشيقاته. هل شرقيته هي ما جعلته يستمر في علاقته مع جوليا حتى بعد معرفته بعدم حبها له، أم يتعلق الأمر بحالته النفسية، أم هو اضطراب في التعامل مع فكرة المستعمر”؟ 

يقول بكاري إن الولع الجنسي لدى مراد الوعل متأصل في جسدٍ هو مسرح لتناقضات قاسيةٍ، فجسدهُ من جهة متداع بفعل نزيف أنفه والحمى التي تنهشُه، و من جهةٍ يضمرُ فحولة شرقية: “كأن المرضُ يستدرجهُ صوبَ الموت وفحولتهُ تستبقيهِ في الحياة، وبينَهما ظل مراد يموتُ على نحوٍ تدريجي دونَ أن تباركَ الأقدار صبره على مأساته بضربةٍ حاسمة، و إن عجّلت جوليا باندحاره، بعد علمه بما كانت تحيكُ ضدّه. لم يثر مراد واستمر في علاقتهِ معَ جوليا، ليس لأن (شرقيته الجنسية) هي السبب، رغم أنه في كثيرٍ من الأحيان كان يشتهي لو يكافئ خيانتها بالجنس! لكن استمراره رغم معرفته بمكائدَها كانَ اقتناعًا منه بأن حياته ما عادت تسعفه على المواصلة، والأفضل أن يبحثَ عن أقصر الطرق التي تقوده للنهايات”.

***
 

يظهر ولع بكاري بجماليات اللغة في إسهابه الشديد حتى في أبسط تفاصيل العمل. تشابَكت مسارات الأحداث، وتعدَدَت خيوط الرواية، وظل مراد يحتل معظم مساحات السرد في العمل، مع ظهور بين الحين وآخر لصوت الفرنسية العاشقة، الباحثة عن قصة لروايتها، إلى جانب كتابات حبيبته خولة التي تنتحر بعد فقدها الأمل في عودته، وهو ما  سيصيبه بالحزن واﻹحساس الذنب نحوها.

يظن مراد أن عودته إلى قريته سترمّم هويته المتصدعة، لكنه يجد نفسه محاصرًا بأسئلة حول لغته الأم، الأمازيغية، وعلاقته بالثقافة العربية والعمل السياسي لبث الحياة والحراك في المجتمع على الطريقة الاشتراكية،  وعلاقته بالمرأة والحب والجنس، وبالآخر المستعمِر العائد من خلال جوليا.

أسأل بكاري: “يُظهِر الاشتباك مع الهوية ارتباطًا بالملامح المكانية للقرية الأمازيغية، هل ترى أن الهوية ابنة المكان أكثر من كونها ابنة الأفكار المجرّدة. كيف يبدو الأمر بالنسبة لك”؟

فيجيب: “الرواية تقدمُ بطلًا مبتور الهوية، لأنه لقيط، و في مجتمع منغلقٍ كقرية إغرم التي تحاولُ حفظ نسلها من الغرباء، لن يفلحَ مراد في الاندماج معَ أناسٍ يرونَ فيهِ الغريبَ الذي يهدّدُ صفاءهم العرقي (هنا ترتبطُ الهويّةُ بالعرق) كما أن أهل القرية بادروا إلى الزج به في غربة أخرى حين رأوه لعنةً ابتليت بها القرية (هنا الهوية بنتُ المكان)”.
يُكمِل: “لكنني أظن أن الرواية تقدّمُ رؤيةً أرحب لصراعات الهوية في المغرب، يُعبّرُ عنهُ من خلالِ النسوة اللاتي يطفن في مدار مراد الوعل، خولة التي تمثّل الهويّةَ العربيّة المدينيّة، و نضال بكل ما تعنيه من دلالاتٍ تحيل لليسار المغربي و خيانة اليساريين له، وجوليا التي تمثّل الفرانكوفونية في المغرب وسطوتها الثقافية، وأخيرًا (نوميديا) التي تمثّل الثقافة الأمازيغية، و لعلَّ خرسها يفصح عن بعض ما يحاكُ ضدّ هذه الهوية التي تستدرج رويدًا رويدًا للانقراض، غير أنّ البطل مراد (لا منتمٍ)  ويسائلُ بحذرٍ هذا الصراع مسفهًا منطلقاته.

****

 

في رواية نوميديا، بدا الاعتناء بهذه التشابكات وتعدد الأصوات السردية أكبر من الاعتناء بحبكة العمل وانسيابية التنقل بين الأحداث وعمق الشخوص المرسومة على مدار العمل، فضلًا عن ظهور شيء من الافتعال في التعبير عن مشاعر الحب والذي كان سمة بارزة في المحادثات، خاصة بين جوليا ومراد.

ركّز الكاتب على الخيانة التي تعرض لها مراد في الوقت الذي مارس فيه مراد نفسه الخيانة أكثر من مرة. كيف يكون مراد إذن ضحية كما يحاول دائمًا أن يبدو، بينما هو في الوقت نفسه جلاد لعدة نساء أخلصن له؟ يصعب أن يتعاطف القارئ مع مراد وهو يمارس أكثر من علاقة مع أكثر من سيدة ثم يتركهن بحثًا عن حبه الحقيقي كما يقول، ثم نجده ينتظر حبه وهو يتذكر حبيبته المنتحرة طالبًا منها السماح!

كان الزخمَ في الأحداث والتفاصيل والشخوص سمة رئيسية من سمات العمل بالتأكيد.  قدم بكاري في روايته عالمًا كثيفًا مليئًا بدلالات تحيل إلى حقيقة أن ثمة خللًا في أوضاع المجتمع المغربي، وأن الفكر الخرافي لا يزال سائدًا حتى اليوم. ولكن لا تمكن قراءة العمل بمعزل عن مأساة شخصية مراد نفسه، وعن خيبات متتالية وممارسات جنسية متعددة وأخبار متقطعة عن أصدقاء قدامى له. عاش بطل العمل أيامه الأخيرة ممزقًا بين محاولة استعادة هويته الأمازيغية، وانتمائه إلى فضاء أرحب للهوية، وخيبته من جوليا التي كانت تصرح له بحبها، فيما هي تعجل موته.

بدا صوت مراد في حديثه عن قريته وإليها، الأكثر عفوية وانطلاقًا بين كل أصوات محادثاته، وكأنه من داخله كان أكثر ولعًا بقريته من كل النساء اللاتي ارتبط بهن، كما ظهر أحيانًا أخرى مرتبكًا ارتباكًا لافتًا في تعامله مع حياة القرية التي فارقها. أفكر في إلى أي حد يمكن أن يكون للمكان حمولة مربكة للإنسان بهذا الشكل؟!

يرد بكاري: “أعتقد أن أي إنسان لابد و أن يكونَ له مكان أثير، قد يكون هو نفسه (أول منزل)، وبالنسبة لبطل لقيط وجد نفسه في تلك القرية، لابدّ وأن يلتصق بحبها وكأنها أمه، وحتى عندما لفظته صغيرًا ظل حنينه إليها قائمًا، هو نفسه عبرَ عن ذلك عندما قال: (الأمكنة الجميلة التي تسكننا لا تشيخُ ولا تخربها يد الزمان اليابسة، على الأقل في أعينِ من ابتلوا بعشقها، تظل شابةً وحين يموتون تموت معهم). وتلك القرية لم تستعده إلا لتزيد من خرابه. عاد إليها بناءً على نصيحة نفسية مزيفة، عاد معطوب القلب، و لعل هذا سر ارتباكه في حضرتها، ذلك اللقيط الذي كانت تلك القرية أمًا له سيعود ليجد فيها المعشوقةَ المشتهاة والمستحيلة في آن”.

ثم يسألني هو: “أليست نوميديا هي أكثر من كونها ابنة القرية؟ أليست هي هذا الطيف الساحر الذي يقف في المساحة الهشّة بين الحقيقة والوهم، وكأن كل هذا التيه قد اُختزِل في امرأة واحدة”؟!

 

اعلان
 
 
محمود حسني