Define your generation here. Generation What

“سارتر- عبد الناصر” 1966 – “أولاند- السيسي” 2016

إنها مصر، وعلى وجه الدقة إنه تراث نظام يوليو 1952، في ما يختص بالمسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

خمسون عامًا بالتمام والكمال مرت بين زيارة الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر للقاهرة 1966 بدعوة وجهد كبيرين من مثقفي اليسار المصري وقتها، للاطلاع بنفسه على “التجربة التقدمية” لنظام الرئيس جمال عبد الناصر، وبين زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند للقاهرة لدعم نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مكافحة الإرهاب، والمساهمة في التنمية الاقتصادية في عام 2016.

حين التقى سارتر عبد الناصر كان أبرز ما أثاره معه هو قضية حقوق الإنسان في مصر، فقد كانت السجون ملأى بمعتقلين دون محاكمة، سواء من جماعة اﻹخوان المسلمين، أو من ضحايا لجنة تصفية الإقطاع، التي أنشئت في أعقاب حادث مقتل الناشط اليساري صلاح حسين، وهو الحادث الذي عرف وقتها باسم قضية كمشيش (منوفية)، وكانت قصص التعذيب المروعة للمعتقلين تملأ الشارع، دون أدنى إشارة من الصحف ووسائل الإعلام، إلا في الخارج.

قال سارتر لعبد الناصر إن كثيرين من ذوي هؤلاء المعتقلين زاروه في مقر إقامته، وطلبوا منه إثارة القضية مع الرئيس، وإنه يضم صوته الى أصواتهم، لأنه، وهو اليساري أصلًا، لا يوافقه مطلقًا على الاعتقال دون محاكمة خارج القانون، فماذا كان رد عبد الناصر؟

قال ناصر، معتقدًا أنه “جاب التائهة” إن هؤلاء المصريين الذين عرفوا أن سارتر في القاهرة، ووصلوا إليه في مقر إقامته، ليسوا إلا ممثلي القلة المتميزة في البلاد ثراء وثقافة، وهم بالتالي ممثلي الرجعية التي يناضل ضدها من أجل حقوق الأغلبية المحرومة في تحسين مستوى معيشتهم اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا.

ظن عبد الناصر وقتها أنه أفحم الفيلسوف الفرنسي، أو على الأقل أقنعه، أو في أقل الأقل نزع عداءه لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، لكن سرعان ما تبين أن شيئًا من ذلك لم يتحقق، وأن سارتر غضب من إهانة الرئيس المصري لـ “ذكائه”، فقد ذهب الرجل من مصر إلى إسرائيل، ولم تكن حرب 1967 قد اندلعت، ومن ثم لم تكن إسرائيل قد احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث انتهاكات حقوق اﻹنسان الفلسطيني بالجملة، وحيث تثير هذه الانتهاكات غضب مثقفي الغرب، ومنظمات حقوق الإنسان فيه رغم ادعاء إسرائيل أنها تفعل ذلك لمكافحة الإرهاب.

في إسرائيل قبل 1967 شاهد الفيلسوف الفرنسي كيف تبنى دولة جديدة نفسها على أسس ديمقراطية حديثة في مقدمتها احترام حقوق الإنسان (المواطن)، ورغم أن إسرائيل هذه ولدت في حرب ضد سبع دول عربية، وظلت مرفوضة من جيرانها، الذين فرضوا عليها مقاطعة اقتصادية، وحاولوا دائمًا شن حرب عصابات ضدها، لكن حكومتها لم تفكر يومًا -فضلًا عن أن تفعل- في التحلل من حقوق الإنسان، أو الانقلاب على الديمقراطية، فتحل البرلمان، وتحكم بالمراسيم، أو حتى تؤجل الانتخابات البرلمانية، أو البلدية أو النقابية يومًا واحدًا عن موعد استحقاقها، أو أن تشكل محاكم استثنائية للتخلص من معارضيها، وما كان أكثرهم دائمًا.

ولا يُفهم بطبيعة الحال من السطور السابقة أن الكاتب لا يرفض العقيدة الصهيونية، أو لا يدين جريمة اقتلاع شعب من أرضه ليحل محله شعب آخر بالقوة، أو حتى يقر بها كأمر واقع، إلا بعد أن تعود حقوق الشعب الفلسطيني إليه وفقًا لقرارات الأمم المتحدة، ولكن ذلك شيء، والإعجاب بديمقراطية نظام الحكم في إسرائيل نفسها واحترامه لحقوق وحريات مواطنيه شيء آخر.

نعود إلى قصة سارتر مع عبد الناصر، إذ لم تكد تمضي أشهر قليلة حتى انفجرت أزمة 1967 بين مصر ثم بقية العرب، وبين إسرائيل، وإذا بسارتر هو الذي يقود مظاهرات التأييد في باريس، تأييدًا لإسرائيل في مواجهة النظم العربية الفاشية على حد تعبيره، وهكذا تبدد وهم جمال عبد الناصر بأن رده على الفيلسوف الفرنسي في مسألة حقوق اﻹنسان المهدرة في مصر قد أفحمه أو أقنعه، أو نزع غضبه، كما تبدد وهم عبد الناصر في الانتصار، أو حتى الصمود بجيش انشغل بالقمع وتصفية الإقطاع وفرض الحراسات وإدارة المرافق العامة، وإعطاء القانون إجازة، بتعبير قائد الجيش نفسه وقتها عبد الحكيم عامر.

بعد خمسين عامًا استخدم الرئيس السيسي الحجة نفسها تقريبًا، ردًا على مطالبة الرئيس الفرنسي الزائر، في المؤتمر الصحفي المشترك بين الرئيسين، باحترام حقوق الإنسان، ليس فقط لأنها لا تتعارض مع مكافحة الإرهاب، ولكن لأنها تدعم جهود مكافحة هذا الإرهاب، فقال الرئيس المصري الحالي إن المنظور الغربي لحقوق الإنسان لا ينطبق على حالتنا، وإن مفهومنا لحقوق الإنسان يشمل حقه في التعليم، ومستوى المعيشة اللائق، وفي العلاج الطبي، وحقه في الوعي الناضج، وفوق كل ذلك حقه في الشعور بالأمن.

لسنا في حاجة إلى التذكير بأن هذا الرد لم يقنع الرئيس الفرنسي، لأنه أعاد التأكيد على اهتمامه شخصيًا واهتمام بلاده بحالة حقوق الإنسان غير الجيدة في مصر في جميع لقاءاته الرسمية وغير الرسمية، التي أعقبت مؤتمره الصحفي المشترك مع الرئيس السيسي. والسبب الذي من أجله لم يقتنع أولاند بالرد المصري، هو نفسه السبب الذي من أجله لم يقتنع سارتر بالرد المصري قبل خمسين عامًا، وهو أن ذلك الرد يفتعل تناقضًا غير قائم أصلًا بين احترام الحقوق القانونية والسياسية للمواطنين، وبين حقوقهم في التعليم والرخاء والصحة والوعي والأمن، إذ أن كل الدول الملتزمة بمعايير حقوق الإنسان هي الأعلى مستوى في الالتزام بكل تلك الحقوق الأخرى.

وليس صحيحًا أن ذلك الالتزام غير قائم إلا في الدول التي سبقت إلى التقدم، لأن أكثر الدول التي بدأت في مسيرة التقدم منذ ثمانينات القرن الماضي في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، أخذت في التقدم نحو الالتزام بالديمقراطية وحقوق اﻹنسان في الوقت نفسه، وكانت هي الدول الناجية من الاضطرابات السياسية العميقة التي حدثت في دول أخرى، تحقق أو لا تحقق معدلات عالية في التنمية الاقتصادية، ولكنها متخلفة في مضمار الحقوق والحريات.

قارنوا مثلا بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية، أو قارنوا بين إندونيسيا التي شهدت ثورة شعبية 1998 ضد حكم الديكتاتور الفاسد سوهارتو، وبين ماليزيا التي تُنبذ فيها الديمقراطية، وكلتا الدولتين حققت قبل ذلك اليوم معدلات تنمية اقتصادية كبيرة للغاية، وقارنوا أيضًا بين جنوب إفريقيا ومصر، فقد بدأت الأولى مسيرتها الجديدة بالتخلص من نظام التفرقة العنصرية في أوائل تسعينيات القرن الماضي، في الوقت الذي كانت فيه مصر قد أتمت أهم برنامج إصلاح اقتصادي هيكلي، وتأهبت للانطلاق كـ “نمر على النيل”، على حد ما بشرنا به وقتها حسني مبارك ووزراؤه، لتقع البلاد في براثن الخصخصة الفاسدة، واحتكار القلة للثروة، ثم يأتي مشروع التوريث في إطار نظام سلطوي يفرض على البلاد حالة طوارئ دائمة، لتمتلئ سجونها بالمعارضين، فلا يتحقق للمواطن أي تحسن في مستوى معيشته، أو في تعليمه، أو في المستوى الصحي العام، أو حتى في أمنه، لا في مواجهة الجماعات الإرهابية، ولا في مواجهة السلطة نفسها، وتحت وطأة الغضب الشعبي يسقط رئيس النظام، ومعه مشروع التوريث، الذي كان المادة شديدة الانفجار الجاهزة في انتظار الفتيل، سواء كان من أشعل الفتيل شباب يناير، أو مؤسسات في الدولة ترفض التوريث.

ربما يقول البعض إن مصر تشهد ما لا يشهده غيرها من رفض قوى التطرف الديني للدولة الوطنية، وانخراط هذه القوى في العنف الإرهابي لهدم هذه الدولة، وهذا صحيح، لكن بشيء من التأمل، فإن هذا التهديد لا ينتج عنه حتمًا الاعتقاد بأن الالتزام بحقوق الإنسان يعرقل الحرب الواجبة على الإرهاب والإرهابيين، بل العكس هو الصحيح.

دعونا أولًا نقارن بين حالتي الهند وباكستان، فالهند لم تخل يومًا من الانقسامات الطائفية، والعمليات الإرهابية الكبيرة التي أدت لمقتل رئيسين للحكومة، وعشرات السياسيين، فضلًا عن المعارك الطائفية التي يروح مئات بل وآلاف ضحاياها، ومع ذلك لم يكفر النظام ولا الشعب هناك بحقوق الإنسان والديمقراطية، ولم تُعلن الطوارئ إلا لمدة محدودة في ثمانينيات القرن الماضي، ثم سرعان ما سقطت الحكومة التي أعلنتها في الانتخابات التالية، كما أن الطوارئ الهندية لم تسجن عشرات الآلاف دون محاكمة لمدد غير محدودة، كما حدث في مصر سواء في عهد مبارك، أو كما هو الوضع الآن.

أما في باكستان، وهي زاخرة بالانقسامات والتطرف والإرهاب، فإن الفشل يلاحقها من انقلاب إلى آخر ومن تربص جماعة بأخرى، وحزب بحزب، فضلًا عن الفساد المالي والسياسي، والغريب أن نخبتها لا تتعلم مطلقًا من دروس التاريخ، فمنذ انقلاب الماريشال أيوب خان في خمسينيات القرن الماضي، كان الحكم العسكري يضطر إلى الانسحاب بعد فشل ذريع في كل مرة، ليفسح الميدان لحكم ديمقراطي، ثم سرعان ما يعود القائد الجديد للجيش للانقلاب، فقد انقلب ضياء الحق ثم اغتيل ومعه نظامه، ليعود برويز مشرف للانقلاب على الديمقراطية بعد عدة عقود لينسحب هو الآخر في نهاية المطاف مكللًا بالفشل، ومطاردًا من العدالة، ولكن بعد أن أعاد البلاد إلى الدوامة التي يتوق الشعب للخروج منها، وفي كل هذه الحالات، فلا تنمية تحققت، ولا استقرار سياسي توطد، ولا حقوق إنسان حُفظت.

نعود إلى مصر، ونتساءل أليس أكثر من في السجون حاليًا شباب محتجون لم يثبت ضلوعهم في الإرهاب؟ وأليس كل من تورط في الإرهاب، أو تعاطف معه قيد المحاكمة الفعلية؟ وأليس بين هؤلاء الشباب من هم أصلًا ضد الإرهاب، وضد التطرف الديني، بل وضد الدين السياسي عقيدة وممارسة؟ ثم لماذا التعذيب وهم أصلًا في القبضة الأمنية؟ ولماذا التنكيل بالأهل والأقارب وزوار السجون؟ ولماذا الإهمال الطبي للمعتقلين؟ هل كل ذلك ضروري لمكافحة الإرهاب!

يعني هذا أن الهدف من اعتقالهم ليس مكافحة الإرهاب، وإنما مكافحة المعارضة السياسية، إلى حد اضطهاد المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان نفسها.

ربما يرد هنا القول بأن المعارضة السياسية في حد ذاتها تعرقل مكافحة الإرهاب، ولكننا رأينا في دول أخرى أن ذلك غير صحيح، وفي حالتنا فالمعارضة السلمية هي العاصم من انزلاق أجهزة الأمن -التي قال الرئيس الفرنسي أولاند إن سمعتها غير حسنة في جميع دول العالم- إلى انحرافات وجرائم ضد الجميع، بما لا يعرقل مكافحة الإرهاب فحسب، وإنما يزيد من دوافع المظلومين للتحول إلى الإرهاب، الذي لم يكونوا ليلجأوا إليه لولا ذلك الظلم.

وإذا ما اختفت المعارضة الحقيقية من الحياة السياسية، فما الذي يحل محلها كحائط صد شعبي، على مختلف المستويات المجتمعية، أمام انتشار الفكر المتطرف وتنظيماته؟ لا تستطيع السلطة وحدها القيام بهذا الدور المجتمعي، خاصة إذا كانت أدواتها غير سياسية، وتزيد من احتمالات عدم الفاعلية العثرات السياسية والأزمات الاقتصادية، والسلطة لم تنجح في هذه المهمة في الماضي وفي ظروف أفضل، لا في أيام جمال عبد الناصر، ولا في أيام السادات، ومن باب أولى ولا في أيام مبارك، فظل الفكر المتطرف يزحف في القرى والشوارع الخلفية والأمامية للمدن، كما هو معروف للجميع.

ثم من قال إن الالتزام بحقوق الإنسان قد يضعف الدولة المصرية في مواجهة “المخطط الجهنمي لهدمها”، على غرار ما يحدث في سوريا وليبيا والعراق، وإن أعداء الداخل هم أشد خطرًا على مصر من أعداء الخارج؟ لا نجادل في وجود أعداء بالداخل، هم أولئك الذين يرفضون “الدولة الوطنية” وهؤلاء الآن متوحدون خلف “داعش”، إلا أن مصر -ورغم قسوة المعركة ضد الإرهاب في سيناء واحتمالات الخطر الداعشي على الحدود مع ليبيا- تملك جيشًا موحدًا غير طائفي، وشعبًا موحدًا غير منقسم، لا قبليًا ولا طائفيًا ولا جهويًا، ومن ثم فليس من الوارد بتاتًا أن تخوض الحرب ضد الإرهابيين بجيش وشعب منقسمين، وبذلك تنتفي تمامًا قدرة الإرهاب مهما تبلغ ضراوته على هدم الدولة المصرية، أما الذي يهدد الدولة المصرية حقيقة -أثناء معركتها ضد الإرهاب، وبعد الانتصار المؤكد عليه- فهو تفريغها من السياسة، ووأد المعارضة والرقابة الشعبية المؤسسية الحقيقة، وإبقاء جماعات أو فئات رسمية وغير رسمية فوق القانون وخارج المحاسبة المالية والمساءلة السياسية، وتفتيت موارد الدولة الفقيرة بين الموازنة العامة والصناديق الخاصة، واستخدام الحظوة السياسية في توزيع الفرص الاقتصادية على حساب العدالة والتراكم الضروري للنمو، من أجل خلق جماعات مصالح جديدة توازي أو توازن جماعات المصالح القديمة.

ختامًا: لا نعرف ماذا دار خلف الأبواب بين الرئيس الفرنسي الضيف وبين الرئيس المصري المضيف حول حقوق الإنسان، ولكننا نعرف أن سجلنا في هذه المسألة أصبح حديث العالم كله بما لا يسرنا، وإذا اعتقدنا أننا لن نخسر كثيرًا بالحسابات الاقتصادية البحتة، لأن من ينتقدوننا في المسألة الحقوقية، يزيدون معوناتهم واستثماراتهم عندنا، أو لا يقطعونها، فهذه حسبة ضيقة ومحدودة بفترة زمنية بعينها. ثم من قال إن الخسارة تأتي دائما بالضربة القاضية، فهناك خسارة بالنقاط على مدى أطول زمنيًا.

تستحق مصر أن تتقدم إلى الأمام كثيرًا في سجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، لا أن تتخلف في هذا السجل خمسين سنة، من 2016 عندما زارها أولاند، إلى 1966 عندما زارها سارتر.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد