Define your generation here. Generation What
في مديح النساء.. جمع شتات العائلة الفلسطينية
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ “الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر”، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر “مدى مصر” عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي “نوميديا” لطارق البكاري من المغرب، “حارس الموتى” لجورج يرق من لبنان، “عطارد” لمحمد ربيع من مصر، “سماء قريبة من بيتنا” لشهلا العجيلي من سوريا، “المصائر.. كونشرتو الهولوكست والنكبة” لربعي المدهون، و”مديح لنساء العائلة” لمحمود شقير من فلسطين.

_____________________

 

“مديح لنساء العائلة” للكاتب الفلسطيني محمود شقير (هاشيت أنطون – 2015)، هي الجزء الثاني من روايته “فرس العائلة”. لكن العمل يأتي في إطار زمني يكاد يكون منفصلًا بأحداثه وظروفه المكانية عن الجزء الأول. لا يحتاج القارئ للرجوع لـ “فرس العائلة” لمتابعة أحداث الرواية.

محمود شقير

محمود شقير

أسأل شقير إذا كان قد فكّر في كتابة “مديح لنساء العائلة” أثناء كتابته “فرس العائلة”، فيخبرني أنه كان يفكر في تلك الفترة بـ “فرس العائلة” وبالمسار الذي اختطته لنفسها عائلة العبد اللات التي تمحورت الرواية حولها. ويستدرك: “لكنني كنت أدرك أنني سأكتب رواية ثانية وثالثة لأغطي مساحة زمنية تزيد على مئة عام من حياة هذه العائلة، وبحيث تبقى كل رواية من الروايات الثلاث مستقلة بذاتها، رغم وجود صلات قربى أكيدة بينها، كونها تتحدث عن أجيال متعاقبة من عائلة العبد اللات، وتحفر في مرحلة زمنية ممتدة ومتصلة من حياة الشعب الفلسطيني في العصر الحديث”.

***

محمد بن منان العبد اللات “الأصغر” هو الشخصية الرئيسية في العمل، والتي تحتل ما يزيد تقريبًا عن نصف مساحة السرد في العمل.

يوزِّع “الأصغر” مساحات الحكي بين شخوص العمل. فهناك أمه “وضحا” التي تحتل جزءًا ليس كبيرًا من العمل، ومع ذلك يبرز صوتها بوضوح، حيث تطغى على سردها اللهجة الفلسطينية واهتمامها بالتفاصيل الحياتية الصغيرة التي تظهر فيها الأساطير والخرافات مثل الحسد ومكائد النساء كجزء أساسي من تكوين خيالاتها وفهمها لسير الحياة من حولها.

يظهر أيضًا فليحان وهو أخو محمد الأصغر لكن من أم أخرى “مثيلة” وهو كما يقول الأصغر على لسان أبيه: “أحد الذين خيّبوا ظني من أبنائي”، بتجارته في الحشيش مع العدو الإسرائيلي.

كانت وصية منان لابنه محمد الأصغر أن يجمع شتات عائلة العبد اللات بعد أن تباعدت وتفرقت،  مثل كل شيء في فلسطين، بما فيها العشائر البدوية. لكن الأصغر كان يرى أن أباه يحمِّله ما لا يستطيع القيام به، وأن الشتات مصير محتوم لا يستطيع أحد ردّه.

كما يظهر في الرواية صوت عطوان “شقيق فليحان الأصغر” على هيئة رسائل يبعث بها من البرازيل إلى أبيه ويتكفل بقراءتها محمد الأصغر .

***

الثيمة الرئيسية للعمل، كما يشير العنوان، تدور حول تفاصيل حياة نساء عائلة فلسطينية. تبدأ الأحداث مع زمن نكبة 48 مرورًا بنكسة 67 وصولًا إلى ما بعد أكتوبر 73. يظهر اهتمام شقير بسرد تفاصيل الأعراس، الأحزان، أنواع الطعام والشراب، طريقة لبس النساء، العادات والتقاليد والأفكار، دخول الكهرباء وما تبعها من تليفزيون وراديو، التعامل مع التكنولوجيا، وحياة العشائر وانتقالهم من الرعي في البادية للمدينة.

لا يحدث هذا في خط زمني مستقيم، فنجد الراوي “الأصغر” يتقدم زمنيًا ثم يعود في بعض الأحيان، لتفاصيل تخص حادثة كان يروي عنها من قبل، ثم يستعيد خطّه الزمني ويستأنف ما كان يحكي عنه.

ينفِّذ شقير هذه التقنية في عمله بإيقاع غير متثاقل ولغة سهلة حتى في استخدامه للعامية الفلسطينية. كما يمكن للقارئ أن يرى في خلفية العمل تفاصيل الواقع الفلسطيني المتأزِّم على مدار هذه الأزمنة المتعاقبة من حبس للمقاومين، وتفاصيل زمن النكبة، ونكسة 67، والنظرة الذكورية للمرأة في مجتمع العشائر الفلسطيني وحركة العائلة ما بين رأس النبع “موطن العشيرة” والقدس.

****

يظهر التنازع بين محمد الأصغر الذي يعمل كاتبًا في المحكمة الشرعية وفليحان. يحاول الأصغر كسر هذا الصراع بالتقارب مع أخيه بإتاحة الروايات التي في مكتبته ليقرأها. يظهر بالتقدم في العمل ولع الأصغر بالقراءة، الأفلام، الروايات، ورغبته في الكتابة التي تباغته من حين لآخر.

“كانت لي طموحات. رغبت وأنا فتى مراهق في أن أكون ممثلا. وحين عملت في المحكمة تبخّرت هذه الرغبة، وحل محلها ميل إلى الكتابة. ولعل تراكم القصص التي دونتها في دفتري عن المطلقات هو الذي حفّزني على دخول عالم الكتابة ما دامت لديّ المادة الخام التي لا ينقصها سوى استيعاب جيد للغة”.

وفي خضم ذلك، يترك الأصغر عمله في المحكمة ويعمل مع فرقة مسرحية: “عملت مع الفرقة المسرحية، أروج لعروضها وأبيع التذاكر  للناس وأشرف على نقل الديكور من مدينة لأخرى وأتقاضى مبالغ زهيدة. كنت أشعر بالرضى لأنني قريب من المجال الذي أعشقه وأجد نفسي فيه. بقيت على هذا الحال سنتين”.

ثم يعمل مدققًا لغويًا في صحيفة، فيشعر أن حلم الكتابة يطارده حينًا ويتخلى عنه حينًا آخر. فيجد نفسه متأرجحًا بين الحماسة واللامبالاة. “بعد تجربة العمل مع الفرقة المسرحية، انتقلت للعمل مصححا لغويا في صحيفة يومية، راقتني هذه الوظيفة التي اختبرت فيها متانة لغتي العربية… كنت شديد الاهتمام بصفحة الأدب. أدققها وأقرأ ما فيها من مقالات وقصص وقصائد. وكنت أنتظر اللحظة التي أستطيع فيها كتابة نص أدبي أقدمه إلى المشرف على الصفحة لعله ينشره فأرى اسمي متألقًا على رأس النص”.

حتى يعود في النهاية إلى فكرة تدوين حكاية نساء العائلة اللاتي كثيرًا ما طالهن الظلم. “تذكرت فكرتي السابقة وتحمّست لها… واعتقدت أن رغبتي في تدوين وقائع حياة العائلة التي انتقلت من البرية إلى مشارف القدس وعايشت أزمنة شتى وحكاما متعددين ظلت كامنة في أعماق رغم إقلاعي عنها من قبل”.

***

أتقن شقير تعدد الأصوات، فظهر كل منها بنبرة مختلفة عن الآخر، وبرزت الشخصيات وخلفياتها وأفكارها بوضوح. كان التنقل بين إيقاعات الأصوات رشيقًا. وفي غياب الراوي العليم، وزّع الأصغر مقادير السرد بلا تكلِّف. وهو ما أبعد الارتباك الذي قد تسببه هذه التنقلات لو كانت الأصوات كلها ابنة طرق سرد متشابهة.

أسأله إذا كانت هنالك دلالات قصدها من اشتغاله بالخصوص على حياة النساء الفلسطينيات في بيئتهن، بما كان يحدث فيها من تقلبات غير هينة؟

فيحكي لي عن اختياره لتقنية السرد بتفصيل أكثر: “في الرواية، يجري السرد عبر ثلاثة أصوات ذكورية وصوت أنثوي واحد، وفي ذلك تعبير عن ذكورية المجتمع الذي تدور فيه أحداث الرواية. إلا أن حضور الأنوثة في الرواية مقصود لكونه انتصارًا للمرأة في مجتمع ذكوري، وتأكيدًا على أهمية مشاركة المرأة مع الرجل في كل التفاصيل والمنعطفات”.

***

في العادة، يقوم شقير بتدوين ملاحظات، وكتابة مشاهد متفرقة من النص الذي ينوي الاشتغال عليه، ثم ينهمك في الكتابة. يكتب صفحات من النص ثم يعود إليها في اليوم التالي ليدققها، فيحذف منها ما لا يروقه، ويضيف إليها ما يراه مناسبًا من إضافات، هكذا يخبرني عن طريقته في العمل.

ينبّهني أن رحلته مع الكتابة غزيرة ومتنوعة وتمتد لخمسين عامًا. احتار سابقًا في كيفية تنظيم يومه، فقبل التفرغ للكتابة، كان العمل الوظيفي يلتهم الجزء الأكبر من وقته: “كنت أقرأ في الليل، وأكتب في الليل. أقرأ ساعتين أو ثلاث ساعات، وأكتب ساعة أو ساعتين. لم أكن أكتب بانتظام أو في مواعيد محدّدة”.

بعد مغادرته للعمل الوظيفي، وكان ذلك من إحدى عشرة سنة، تفرغ  للكتابة والقراءة. شجعه الحاسوب على الاستغراق في الكتابة، حيث أصبح يكتب مباشرة عليه. يبدأ الكتابة في الصباح، ساعة في الحد الأدنى وثلاثًا في الحد الأقصى. ويكتب في الليل ساعتين في الحد الأدنى، وثلاثًا في الأقصى.

***

أفكر أن فلسطين، الهوية والمكان، ربما تكون هاجسًا ومحورًا أساسيًا في عقل كل كاتب فلسطيني، وقد يجعل هذا منها قيدًا يصعب على الكاتب الفلسطيني الفكاك منه أو الانشغال بأفكار أو ثيمات غير متقاطعة معه. أطرح عليه حيرته، فيختلف معي:

“لا أعتقد ذلك، وبخاصة في السنوات العشرين الماضية. فثمة أدباء فلسطينيون كتبوا نصوصًا إبداعية في شتى الحقول والمجالات. وأحيلك إلى ديوان محمود درويش (سرير الغريبة) الذي كرّسه من أوله إلى آخره لحب المرأة. ربما ثار جدل في الساحة الفلسطينية حول تعريف أدب المقاومة، وسماته وأبعاده، ولكني أعتقد أنه قد حسم لصالح توسيع دائرة هذا الأدب بما يعزز إنسانيته، وبحيث يصبح ما كتبه درويش ذا دلالة واضحة، حين قال في كتابه (أثر الفراشة): كل شعر جميل مقاومة”.

تنتهي “مديح النساء” بموت الأب وهو لا يزال يطلب من ولده “الأصغر” جمع شتات العائلة، ولكن يبدو أن  الابن وجد في الكتابة عن نساء العائلة عزاءً وطريقة لتنفيذ ما أوكله إليه أبوه. وكأن الكتابة هي أيضًا جمع للشتات، حتى لو كان ذلك بالكلمات، طالما كان هذا مستعصيًا في الحياة.

اعلان
 
 
محمود حسني