Define your generation here. Generation What
كونشرتو المصائر الفلسطينية.. بين انضباط الموسيقى وتجريب الرواية
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ “الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر”، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر “مدى مصر” عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي “نوميديا” لطارق البكاري من المغرب، “حارس الموتى” لجورج يرق من لبنان، “عطارد” لمحمد ربيع من مصر، “سماء قريبة من بيتنا” لشهلا العجيلي من سوريا، “المصائر.. كونشرتو الهولوكست والنكبة” لربعي المدهون، و”مديح لنساء العائلة” لمحمود شقير من فلسطين.

____________________

في العمل الروائي الثالث للكاتب والصحفي الفلسطيني المقيم بلندن ربعي المدهون الصادر تحت عنوان “المصائر.. كونشرتو الهولوكوست والنكبة” عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ومكتبة كل شيء بحيفا (2015)، يرتكز الكاتب على بناء روائي تجريبي في هيئة قطعة كونشرتو موسيقية من أربع حركات.

ربعي المدهون

ربعي المدهون

لم يترك الكاتب القارئ ليستكشف بنفسه النزعة التجريبية لعمله في نسيج حكاياته، بل قدّم ما يشبه شرحًا لن أكون متحاملًا إذا وصفته بالـ “تعليمي” في مقدمة العمل وعلى غلاف الكتاب، حيث شرح أن الكونشرتو برز مع موسيقى الباروك والتي عادة ما تتكون من ثلاث حركات. إلا أنه  في عمله يضيف حركة رابعة، في تفلّت من الحدود الموسيقية، ومحاولًا في الوقت نفسه الإمساك بتجريبه على مستوى المعمار.  

أفكر في المقولة التي تخبرنا أن الموسيقى تستطيع أن تقول ما لا يمكن للكتابة قوله. نحن هنا أمام عمل يستخدم تقنية موسيقية في الكتابة ومع ذلك لا يلتزم بكل قواعد التقنية الموسيقية. أسأله عن هذا فيجيب بأنه اشتغل في عمله على بطولات ثنائية لثلاث حكايات رئيسة، في كل منها “حراك” سردي، يؤسس لجدل درامي يماثل حوار آلتين موسيقيتين مع أوركسترا في قالب كونشرتو، أو آلة وأوركسترا.

ويضيف: “تفاعلات النص سارت في هذا الاتجاه، لكني بعد شوط طويل مع النص، احتجت إلى حركة تلم الأحداث والشخصيات، وتأخذها إلى مساراتها الأخيرة. فأضفت حركة رابعة، على خلاف ما هو معمول به منذ العصر الكلاسيكي. هذا يحدث وإن كان نادرًا. فقد كان موجودًا في عصر الباروك قبل وضع صياغة نهائية لقواعد تأليف الكونشرتو في العصر الكلاسيكي لاحقًا، حين استقر على ثلاث حركات. قبلها ألف هندل قطع كونشرتو من أربع حركات إلى ثماني. وقسّم أنطونيو فيفالدي كونشرتو “الفصول اﻷربعة” إلى أربعة أجزاء وفقًا لفصول السنة.

هكذا يؤكد المدهون الصورة التي ارتسمت في ذهني لدى القراءة، حيث نرى في الرواية الأربع حركات التي يتكون منها كونشرتو الرواية، وكل منها تتشكل من ثنائية على مستوى الشخوص، ولدى الانتقال من حركة لأخرى تتوارى هذه الثنائية لتحل مكانها ثنائية أخرى، لكن في الوقت نفسه يظل أثر إيقاع كل حركة ممتد في خلفية الحركة التالية.

هو خيار صعب إذن، فالتحدي الأساسي هنا ألا تنقطع الصلة بين الأربع حكايات/ حركات، فتتحول الرواية إلى مجموعة قصصية. كما يبدو لزامًا أن تكون الصلة بين الحكايات متجانسة دون تعسف أو افتقاد للمنطق، في إطار سيمفوني متدفق، يظهر فيه تخلي المدهون عمدًا عن الالتزام بحدود الحركة الموسيقية. فمثلًا، دائما ما تكون الحركة الأولى في الكونشرتو سريعة، إلا أن الكاتب يجعل إيقاعها على مستوى السرد الروائي بطيئًا. ربما لأنه أراد إفساح المجال لإيفانا الأرمينية الفلسطينية لتحكي حكايتها، ممهدة لما هو قادم في الحركات التالية. إلا أن هذا يجعلنا نفكر في مدى دقة ما نصفه بالتجريب هنا. يبدو الكاتب وكأنه أراد استخدام هيكل معماري ينتمي لفن آخر، وهو الموسيقى، ولكنه يتخلى من البداية عن الالتزام الكامل به.

***

يظهر انشغال ملحوظ لدى الكاتب بقضية الهوية، يتساءل ما الذي تغير في المغترب الفلسطيني، ما الذي تبقى في وليد دهمان، وهو إحدى الشخصيات الرئيسية في العمل، ألا يزال هو نفسه اللاجئ الغزاوي بعد استقراره في لندن؟ هل تنبع الهوية في الأساس من الجذور، أم أنها ما يتمخض عن التفاعل مع محيطنا، سواء كان في بلادنا أو في المهجر؟ هل بمقدور دهمان، كمواطن بريطاني، العودة ودخول إسرائيل؟ هل بمقدوره استئجار بيت؟ هل يكون هذا معنى العودة أم يكون سياحة؟

يحاول المدهون أيضًا تلمّس مفهوم الهوية عند قطاع من الفلسطينيين، وهم من بقوا في فلسطين ولم يغادروها، وأصبحوا يعيشون في حالة من التناقض القوي بين هويتهم التي يحملونها، ووجودهم المصبوغ بالواقع الإسرائيلي (الختم، العملة، اللغة) وهو الواقع الذي لم يكن هناك مفر من التعامل معه. يقول إنه في تقديمه للرواية استجاب لخيار شخصي يراه ضروريًأ، وقد يراه غيره بخلاف هذا،  لتوجيه التحية إلى الفلسطينيين من حاملي الجنسية اﻹسرائيلية، ولفت النظر إلى تجاهل العرب الباقين لهم منذ نكبة 1948.

ولكن هذا ليس كل شيء، أسأله: هناك أيضًا طيف في العمل يميل لأنسنة العدو، أو بمعنى أدق، إعادة صفته البشرية إليه مرة أخرى، بعيدًا عن الملابسات السياسية المعقدة للوضع الراهن، كيف ترى الوجود الإسرائيلي من منظورك الروائي؟

فيقول: “كل روايتي محاولة لتقديم الشخصية الإسرائيلية في حياتها العادية كما تبدو عليها في الواقع، وكما ترى هي نفسها أيضًا. ومن الطبيعي أن يتعارض هذا مع الصورة الذهنيةاﻷحادية المستقرة في المخيلة. أي قارئ لنصي سيرى بوضوح إسرائيليًا يعيش حياة عادية مثل جميع البشر، يرغب بها ويطمئن إليها، ويتوهمها إنسانية. بينما يمارس، هو نفسه، كيهودي، التمييز العنصري ضد غير اليهود من العرب، من مواطني الدولة نفسها، باﻹضافة للقمع والاضطهاد والقتل والاعتقال ومصادرة اﻷراضي في الضفة الغربية، والحصار الظالم في قطاع غزة، وبذلك يفقد كل ملامحه اﻹنسانية.”

****

أسأله عن أثر عمله كصحافي على أسلوبه الأدبي، فيقول إن “كل روائي يحاول استثمار خبراته وتوظيفها في أعماله، ويشمل ذلك حصيلته المعرفية وتجاربه الحياتية وعلاقاته، ومخزون قراءاته وغير ذلك. وهذا ما فعلته بما توفر لي من خبرات بسيطة في عالم الموسيقى. والصحافة بدورها، بما فيها المتلفزة، شكلت مساحة معرفية وخبرة تقنية واسعة بالنسبة لي. واستثمار هذه الخبرة، وبالذات أسلوب “الريبورتاج” الصحافي وتقنيته، في الرواية، أسهم في خلق نسيج سردي تتشابك فيه خيوط الواقعي والسيري والمعلوماتي مع المتخيل”.

في الحركة الرابعة يزور دهمان، الفلسطيني-البريطاني متحف ذكرى الهولوكست “يد فاشيم” في القدس، وتنتهي الرواية نهاية مفتوحة، فأسأله عما بعد الزيارة/ العودة لفلسطين؟ وهل سيسيطر الاستشراف على عمله القادم؟

يجيب إن “ملامح استشراف المستقبل، وخصوصًا في ما يتعلق بيافا والقدس، بدت واضحة في الحركة الرابعة من الرواية، التي تنظر قليلًا إلى المستقبل وتتطلع إلى إمكانات التعايش وتتفحصها”.

تبدو فلسطين في “المصائر” موضوعًا متخيلًا، فلا وجود هناك لسلطة سياسية فلسطينية، سواء كانت حماس أو فتح. الموضوع السياسي غائب عن العمل، ربما لأن الشخصيات الرئيسية للكونشرتو تتحرك في فضاءات مكانية متعددة خارج فلسطين. وربما لأن الكاتب أراد متعمِّدا إبعاد السياسة بتعقيداتها عن حكايته التي يُظهر فيها الجوانب الإنسانية لشخصياته الرئيسية والفرعية، بما فيها اليهودية منها- بصفاتها الواقعية كما يرى.

يتركنا كل هذا بنهاية العمل في تساؤل حول إمكانية عيش اليهود والفلسطينيين في دولة واحدة، يعترف فيها الإسرائيليون بما ارتكبوه في حق الفلسطينيين. فربما يمكن حينها للعودة إلى الأرض أن تكتسب المعنى الذي حاول وليد دهمان البحث عنه بين جنبات القدس.

اعلان
 
 
محمود حسني