Define your generation here. Generation What

تيران وصنافير بين القانون الدولي وأزمة الدولة العميقة

في صنع السياسات، تواجه دومًا حسابات المكسب والخسارة صعوبة التنبؤ المسبق بما يعرف بـ “قيمة التعلق، value of attachment”، وهي القيمة العاطفية التي نقيِّم بها تعلَّقنا بما نمتلك، أو بما نعتقد أننا نمتلك، والتي لا تخضع لأية حسابات منطقية حتى عند أكثرنا منطقية. القيمة العاطفية لبعض الأشياء قد تتعدى في كثير من الأحيان القيمة الاقتصادية المجردة لها.  

احترت كثيرًا عندما أردت الكتابة عن أزمة الجزيرتين، هل عليّ تبني وجهة نظر قانونية جافة، أم وجهة نظر المواطن المصري العادي الذي يشعر أن حكومته تآمرت عليه وعلى إقليمه؟ كلا الرؤيتين مهمتان: الأولى لأنها تتعلق بفض الاشتباك مع مطالب شعب جار يشاركنا المعيشة في المنطقة نفسها، ومن المنطقي أن يطمح الكثير منا للحفاظ على علاقة ودية معه نظرًا لتاريخنا ومصالحنا المشتركة، والأخرى لأنها تتعلق بالمسئولية عن الأزمة وبمستقبلنا في مصر ما بعد الثورة، وﻷن أزمة جزيرتي تيران وصنافير تتعلق بالقيمة العاطفية لجزء من الإقليم الذي يعيش عليه شعب اعتقد دومًا، وأقنعته حكومته وكتبه الدراسية طويلًا، أنه يمتلكه.

أولًا، دعونا نفكر في المسألة من وجهة نظر القانون الدولي البحت. تاريخيًا، جرى ترسيم الحدود المصرية الشرقية بمقتضى اتفاق بين الامبراطورية العثمانية والخديوية المصرية، وُقّع في 1 أكتوبر عام 1906 بعد ضغط دبلوماسي مارسته بريطانيا على الدولة العثمانية. هذا الاتفاق هو نفسه الذي استندت إليه مصر في قضية التحكيم الدولي ضد إسرائيل لاسترداد طابا عام 1988. عرَّف هذا الاتفاق الحدود الشرقية لمصر بخط مستقيم يمتد من رفح على البحر المتوسط، في الاتجاه الجنوبي الشرقي حتى طابا على البحر الأحمر. لكنه لم يأت على ذكر جزيرتي تيران وصنافير، وهو ما لا يمكن معه القطع بأن الجزيرتين قد ضُمتا لمصر أم  بقيتا ضمن إقليم الحجاز العثماني في ذلك الوقت، والذي صار فيما بعد ما نعرِفه الآن بالمملكة السعودية.

هذا الغموض في الوضع القانوني للجزيرتين يجد ما يؤيده في مراسلات وزارة الحربية المصرية عام 1928، المنشورة في صحيفة البداية في أبريل الماضي، والتي تستعلم فيها الحربية عما إذا كانت الجزيرتان تنتميان للإقليم المصري أم لا، بهدف رفع العلم المصري عليهما. من المنطقي ألا تستأذن وزارة الحربية لرفع العلم إلا إذا كان هناك حالة من التشكك حول وضع الجزيرتين، وهى حقيقة يمكن في ضوئها فهم مكاتبات الحكومة المصرية المشابهة التي أوردتها الصحيفة. قد تكون مصر قد مارست بعض مظاهر السيادة على الجزيرتين بدءًا من عام 1950 بعد نشوء المملكة السعودية الحديثة (من خلال ما يعرف في القانون الدولي بالاحتلال occupation)، وبالطبع يمكن النظر إلى تلك الممارسات على أنها أدلة ظرفية circumstantial evidence على سيادة مصر على الجزيرتين.

لكن القيمة القانونية لتلك الممارسات تتلاشى تمامًا أمام الوثائق التي كشفت عنها الحكومة المصرية خلال الأيام القليلة الماضية فقط ونشرتها صحيفة اليوم السابع، واعترفت فيها الحكومة صراحة بسيادة السعودية على الجزيرتين منذ عام 1990. حتى وإن افترضنا أنه في الفترة السابقة على صدور ذلك التصريح، الذي يرتب عليه القانون الدولي التزامات قانونية واضحة، اكتسبت مصر السيادة على الجزيرتين بالتقادم (وهو ما لا يمكن القطع فيه إلا من خلال مراجعة حيازة مصر للجزيرتين في تلك الفترة وما إذا كانت تلك الحيازة قد قوبلت باحتجاج عثماني أو سعودي)، فإن المراسلات بين الحكومة المصرية والسعودية عام 1990 تزيل أي غموض في الوضع القانوني للجزيرتين.

إذن من وجهة نظر القانون الدولي، فادعاءات السعودية بأحقيتها في السيادة على الجزيرتين مبررة، وتلك حقيقة ينبغي التعايش معها إذا أردنا الاحتكام إلى القانون الدولي كأساس يحكم علاقاتنا مع غيرنا من الدول. تلك الادعاءات صارت مؤكدة، ليس من تاريخ اتفاقية ترسيم الحدود عام 2016، ولكن من تاريخ إقرار الحكومة المصرية بتلك المطالب بعيدًا عن أي رقابة شعبية منذ عام 1990.  

ولكن بعيدًا عن القانون، فإن عمق الأزمة في رأيي يتعدى مسألة الجزيرتين، ويتصل أولًا بفلسفةٍ للحكم والإدارة لا تعترف بالشفافية أساسًا لإدارة الدولة، ولا ترى في مواطنيها أهلًا لمعرفة حقائق بسيطة من قبيل حدود الإقليم الذين يعيشون فيه. دولتنا العميقة تحتكر الحقيقة، وتمنع الوصول إلى وثائقها إلا إذا كان هذا هو السبيل الوحيد لاحتواء الأزمة. لكنها أيضًا دولة متخبطة في إدارة القمع وتنسيقه بين أجهزتها المختلفة. ذراعها التعليمي الذي يقَوْلِبُ عقول الأطفال حول “حقائق” التاريخ والجغرافيا وحدود مصر وحضارة “السبعة آلاف سنة” قد لا يكون على اتصال دائم بعقلها الأمني والسياسي الذي انفرد بالقرار حول مصير إقليم تلك الدولة منذ ما يزيد على الخمسة وعشرين عامًا.  

خسر النظام الحالي كثيرًا جراء أسلوب إدارته للأزمة. خسر لأنه لا يرى أن ثورة قد حدثت بالأمس القريب، وأن الوقت قد حان لتغيير نظرته للشعب، بوصفه صاحب السيادة وليس مجرد تهديد أمني يمكن احتواؤه بعدة تشكيلات من الأمن المركزي. خلال عدة أيام تصدع التحالف الدولتي الحاكم الذي تشكل منذ 2013 بشكل غير مسبوق، وأتوقع أن نشهد مزيدًا من التصدع خلال الأيام المقبلة. خلال عدة أيام فقط، انتزع المواطنون من جديد حق التظاهر وفتحوا المجال العام لوجهة نظر عمد النظام إلى استئصالها بالقمع المستمر على مدار العامين الماضيين.

لكنني أتمنى على معسكرنا الثوري ألا يعيد إنتاج خطاب السلطة في خضم الاحتجاجات التي أرى أنها مشروعة. هذا الخطاب يمكن تفكيكه إلى مجموعة من القناعات غير القابلة للنقاش عن استثنائية الشعب المصري، وتفرد حضارته بين الأمم، وعلى فهم هيجلي مسطح للتاريخ المصري باعتباره يتطور دومًا عبر التاريخ باطراد وتناسق وبشكل مستقيم، بما يتيح للعقل الجمعي المصري تخيل مصر الحديثة وكأنها ذات البلد الذي استقرت حدوده منذ آلاف السنين، بينما الواقع مختلف. ما لا يعرفه الكثير أن السبب الرئيسي لترسيم الحدود المصرية الشرقية الحالية عام 1906 هو رغبة بريطانيا في ضمان استقرار وضع قناة السويس وضمان استمرار اتصالها بمستعمرتها الأهم، الهند، وأن مصر لم تكن ممثلة من قريب أو بعيد في المساومات حول ترسيم الحدود، والذي جاء كنتيجة مباشرة للصراع الاستعماري بين امبراطوريات القرن التاسع عشر.

الخطاب العنصري والفوقي الذي أراه يسيطر على الساحة الآن لا يخدم معركة التغيير، لأنه في معركة التغيير السياسي والمجتمعي، تنبع رمزية الثورة من مناداتها بقيم تختلف عن القيم السائدة في المجتمع،. قيم تبشر بغد أفضل لشعوبنا وللإنسانية ككل.

اعلان
 
 
محمد شرين حمدي