Define your generation here. Generation What

أهلُ “النديمِ”: سنواتُ الحُلمِ والصمود

هجماتٌ مُتتالية تلك التي شنّتها الدولة بأجهِزتها المُختلفة على مركزِ النديم. هجماتٌ لم تُسفِر حتى اللحظة سوى عن تضافُر وتآزُر جماعاتٍ وأفرادٍ مِن شتّى البقاع، للحفاظِ عليه سليمًا مُعافى مِن كلِّ سوء. النديم ليس مجردَ مكانٍ يستقبل ضحايا العنفِ والتعذيب، فيطَبِّب جراحَهم ويسعى إلى مُداواةِ الألم وجَبرِ الانكسار، إنما هو رمزٌ وسط العاملين في مجال حماية حقوق البشر، للنُبلِ والدأبِ والإصرار. عملٌ مُضنٍ امتد لسنوات تجاوزت العشرين، انتقل فيها مَقرُّ المركز مِن مكانٍ إلى مكان، واجهته صعوباتٌ كثيرةٌ وعوائق جمةٌ، لكنه أبدًا لم يغلق أبوابه في وجوه المظلومين.

مؤسسو النديم أفرادٌ لا تميزهم عن غيرهم في تفاصيل حيواتهم العادية. لا يشعرون أنهم أفضلُ ولا أسمى مِن الآخرين لطبيعة ما يقدمون، وهم في الوقت ذاته لا يهتمون بمصائِرهم الشخصية قدرَ اهتمامِهم بمصائرِ مَن يتعرضون إلى مَلَمَّاتٍ تمَسُّ إنسانيَتَهم وأرواحَهم، وتقتنصُ مِن كرامتهم وكبريائهم الكثير. لا يعبأ “أهل النديم”، كما أحب أن أسميهم، بمخاطر تحيطُ بهم وتهدّدُ في بعضِ الأحيانِ سلامَتَهم وربما وجودَهم، لا يكترثون إلا لدفعِ الانتهاكاتِ التي تقعُ كلّ يومٍ، وتُوقِعُ أناسًا لا يجدون ملاذًا لاستعادة ثقتهم في جدوى الحياةِ سوى طرق باب النديم.

النظامُ الحاكمِ -كعادته طيلة عقود- ينتهجُ القمعَ وسيلةً فاعلةً للبقاء، يبعث برسائِلِه على أجسادِ المواطنين ليؤكد قوته وجبروته، يسعى إلى كسرِ مَن يقفون أمامه، ويبطش حتى بمَن يتجنبون السقوطَ في فِخاخه، مُعلنًا ألا حصانة لفردٍ في مواجهة آلةِ التعذيب. بعد انتكاسةٍ أصابت الحراكَ الثوريّ ووسط عنفٍ أمنيّ غير مسبوق لكنه مُتوقَّعٌ بطبيعة الحالِ، يتباهى النظامُ المُستَبِد بنجاحِه في السيطرةِ على مَقاليدِ الأمور، يستعرضُ أدواتِه ولا يعترفُ بحدودٍ، يحرقُ ويضربُ ويقتلُ ولا يفتأ يمارسُ سطوته ويُنكِّلُ بمُعارِضيه ذات اليمينِ وذات اليسارِ، بل ويغدر بأصدقاءِ الأمسِ القريبِ، وكأنما يصرخُ على الملأ ألا حليفَ له سوى ذاته.

برغمِ وطأةِ الضرباتِ وقسوةِ التبعاتِ التي دفعت البعض لإيثار الابتعاد عن مُزاولةِ العملِ الأهليّ بوجهٍ عام، لا يتخلى النديمُ عن دوره ولو للحظاتٍ، لا تتنحى واحدةٌ مِن طبيباتِه عن مَوقِعِها، ولا يُحني مَن فيه رؤوسهم انتظارًا لمرور العاصفة وطلبًا للسلامة والأمان. يتحرك النظامُ ليوصِدَ المكانَ، تتلاعبُ أجهزتُه ومُؤسساتُه بما في يدِها مِن لوائح وتدابير وربما قوانين، تُصدِرُ القرارات التي تبدو في ظاهِرِها مَحض إجراءاتٍ إداريةٍ، لكنها في باطِنِها، وكما يدركُ الجميعُ صِناعةٌ أمنيةٌ، صيغةٌ مِن الصِيَغِ التي دأبَ النظامُ على اللجوءِ إليها كلما واجهته مُقاوَمةٌ لا تلين وكلما صادفَ مأزقًا يسببُ له حرجًا كبيرًا. مَبعَثُ الحرجِ هنا ما صار لأهلِ النديمِ مِن مكانةٍ في أفئدةِ الكثيرين. شبابٌ وشابات اتخذوه قِبلةً لأُمنياتِ الحريةِ، كبارٌ وأطفالٌ لم يجدوا سواه عونًا على تجاوز مآسيهم، سياسيون أدركوا ثِقَلَه في ميزانِ العدلِ والإنصافِ، وأشخاصٌ لا يعرفون مِن السياسة سوى أوجاع الفقرِ والضَنكِ والإهانةِ كان النديمُ لهم مَوطِنًا بَديلا.

ليس هذا بمَبعَثِ الحرجِ الوحيد، فالنظامُ الذي يطلقُ أذرعَه الأمنيةِ لتُذيقَ المواطنينَ مرارةَ الحكمِ العسكريّ وعلقمَه، لا يريد في الوقت ذاته أن يجد مِن ورائه مَن يرصدُ ويجمعُ ويوَثِّق، بل ويُصدِرُ التقاريرَ والإحصاءات. لا يريدُ دليلا على جرائمِه ولا شواهدَ على طُغيانِه. يُفضِّلُ ممارسة بشاعتَه وجنونَه في غفلةٍ مِن الآخرين، بلا صلصلة ولا ضجيج. النظامُ يريد، لكن الإرادةَ ليست حِكرًا عليه، ولا ينسى أحدٌ أن ثمّة هتافًا وُلِدَ مِن رحمِ الثورة في مَخاضِها مُعلنًا أن “الشعب يريد”. لا أظن أن أحلامَ الشعبِ تلخَّصَت في العودةِ إلى حظائرِ العبيدِ، ولا في تَسَوُّلِ القوتِ مِن أكوامِ النفايات، ولا في استباحةِ الدمِّ والأرضِ والكبرياء.

تقولُ الدولةُ فيما تقولُ، والقَولُ هذه الأيامُ غزيرٌ، إن أهلَ النديمِ بدلوا نشاطَ المكانِ وهُويته، فتحولَ مِن عِيادة للطبِ النفسيّ إلى مركزٍ حقوقيّ، انتقلت أفعالُه مِن جلساتِ علاجٍ ووصفاتٍ طبيةٍ إلى حملاتٍ وبلاغاتٍ تناهضُ العنف والتعذيب، والحقُّ أن الدولةَ تبدو بحديثها هذا عاجزةً، وربما للدقة هي “مُتعاجِزةً” عن فهمِ طبيعةِ الأمورِ وإدراكِ ما يتركُه صنيعُ أجهزتها الأمنيةِ مِن أثرٍ . صادفت خلال عملي في النديم أشخاصًا سقطوا ضحايا للتعذيب المُروّع، فأصابتهم أعراضُ التوترِ والكآبةِ، وفقدوا الاهتمام بكل ما كانوا يحبون. زارتهم كوابيس في نومِهم المُضطَرِب وضربتهم في صحوهم أيضًا وباتوا واجمين مُمَزقين، يتحركون بصعوبةٍ ويقطر مِن خطواتِهم الهوانُ والإذلالُ. بعضهم تناول مِن الدواءِ جرعاتٍ تصاعدت مع كلّ زيارةٍ جديدةٍ، لكنها لم تُعطِ الأثرَ المطلوبَ ولم تَمحُ ألمَ النفسٍ العليلةِ. كانت المُعجزةُ تأتي حين تأخذ العدالةُ مَجراها، فيحَقّقُ مع الجاني؛ فردًا أو أمينًا أو ضابطًا، وتبدأ المفاوضات وتُعرَضُ التعويضاتُ، عندها تشعرُ الضحيةَ بأنها صارت أخيرًا في مَوضعِ قوة، أنها قادرة على ردّ اعتبارها أمام الآخرين، والوقوف في نديةٍ ولو جزئية أمام جلاديها. تختفي الأعراضُ العصيّة على التداوي، تلتئمُ الروحُ وربما لا تصبح هناك حاجةٌ للعقاقير.

مساعدة الناسِ على استردادِ حقوقهم جزءٌ أصيلٌ مِن المُعالجة النفسية، لا يستقيمُ الأمر دونه ولا يتحققُ الهدفُ، وفي مِضمارِ تحقيقِ الأهدافِ لا يتوانى أهلُ النديمِ عن اتباعِ الأساليبِ المُتاحةِ كافة. يساعدون بكل ما أوتوا مِن مقدرة، ضحايا نظام توحش وأخرج مخالبه وأنيابه وغرسها في أبدانهم ونفوسهم، يحثونهم على استجماعِ شجاعتهم ولملمة شتاتهم والعودة مرةً أخرى إلى حيواتِهم صامدين، لا راكعين ولا مُستسلمين. يخافُ الجلاد مِمَن يقاومه، يخافُ مِمَن لا يسجدُ أمامه ويعترفُ له بنفوذه وقوته، لذا لا يستحي النظام مُمَثلا في سُلُطاته العليا مِن الهجوم على مَن يأخذون على عاتقهم في دأب مُهمة رأبِ الصدوع، ودفع الآخرين إلى التحدي والصمود. يخافُ النظامُ وفي خوفِه يرتكبُ الحماقاتِ مُجردًا مِن كل عقلٍ وبصيرة. 

انضممت إلى النديمِ منذ ما يزيد على السنواتِ العشر، أنهيتُ دارسةَ الطبّ لألتحقَ به على الفور، دون أن تكون لي سابقُ معرفةٍ بأي فردٍ مِن مؤسسيه، اندمجت سريعًا بين جدرانه لأصبح مِن أهلِه، يجمعُ بيننا توقٌ إلى وطنٍ يحترمُ مُواطنيه، ويحترمُ السائرين على أرضِه، ويحترمُ الحياةَ في كلّ صورها ومعانيها. لي سنوات ثلاث أعمل في جِهةٍ أخرى، لكنني كلما اشتدت الأزماتُ وتكاثفت الهمومُ واضطربت الأجواءُ، وجدتني أصحو مِن نومي وأرتدي ملابسي وأقصد النديم، حيث لا ادعاء ولا تزييف، لا تنازلات ولا مواءمات، ولا شيء إلا الصدقِ ونقاء الضمير.

سلامٌ إليكم أهل النديم. سلامٌ إلى أن يأتي موعدنا مع الحرية.

اعلان
 
 
بسمة عبد العزيز