Define your generation here. Generation What
مصر وفرنسا: سياسة واقتصاد وبعض حقوق الإنسان
 
 

يصل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى القاهرة مساء اليوم، الأحد 17 إبريل، ويغادر صباح الثلاثاء المقبل، في زيارة ستشهد توقيع عدد من الاتفاقات ومذكرات التعاون في مجالات الطاقة المتجددة ومترو الأنفاق والصرف الصحي. ومن المتوقع أيضا أن تشهد الزيارة تقدمًا كبيرًا في المشاورات بشأن عقد صفقة عسكرية بين البلدين، ربما تتوج بتوقيع اتفاق شراء.

على الرغم من الكثير من التغيرات التي طرأت على مستوى الصورة الدولية للدولة المصرية، خاصة في أوروبا، إلا أن التغيرات هذه لم تتخط وسائل الاعلام والأوساط الحقوقية لتشكل عامل ضغط مؤثر على السياسات الفرنسية تجاه حليفها المصري. مصادر مستقلة من خلفيات فرنسية مختلفة تتنوع طرقها لتحليل الأمر إلا أنها تصل للنتيجة ذاتها: فرنسا لا تزال تعوّل على الدولة المصرية ومستمرة في دعمها في المجالات كافة.

الكاتب الصحفي الفرنسي آلان جريش٬ رئيس تحرير جريدة “لو موند ديبلوماتيك” يقول لـ “مدى مصر” إن “العلاقات بين البلدين جيدة جدًا، فرنسا تريد الاستفادة من احتياج الرئيس عبد الفتاح السيسي لتحسين العلاقات مع أوروبا”.

ويستطرد جريش: “المبرر العلني في فرنسا للتحالف بين النظامين هو الحرب على الإرهاب، وأن مصر حليف قوي في هذه الحرب. لكن في الواقع فإن الجانب الأكثر أهمية في هذه العلاقة هو الاقتصاد. تحت الظروف الاقتصادية السيئة في فرنسا استطاعت عقد صفقة بيع طائرات الرافال، بعد أكثر من عقد من الزمن دون بيع أي منها، بالإضافة لبيع معدات عسكرية أخرى”.

كانت مصر وقعّت في العام الماضي عقودًا عسكرية مع فرنسا لتوريد سفينتي الميسترال العسكريتين وطائرات الرافال المقاتلة في صفقات بلغت قيمتها ٩٥٠ مليون يورو و٥.٦ مليار يورو، ما أشار بوضوح لأن الحكومة الفرنسية لها رهان استراتيجي على النظام المصري.

وهنا يقول أكاديمي فرنسي فضل عدم ذكر اسمه: “في هذا الوقت ونحن نقترب من الانتخابات الرئاسية في فرنسا، فإن الرئيس الفرنسي الذي سيخوض الانتخابات لجولة جديدة مهتم بأمرين، الأول تنفيذ عدد من الصفقات العسكرية والاقتصادية لأسباب اقتصادية بحتة، والثاني هو إظهار علامات واقعية لاستمرار الحرب على الإرهاب”.

وكان موقع “لا تريبيون” الفرنسي نشر أخبارًا وصفها بالمؤكدة أن مصر تسعى لعقد صفقة عسكرية جديدة مع مصر بقيمة 1.1 مليار يورو تشمل قطع بحرية ونظام اتصالات عسكري عبر القمر الصناعي.

وفي هذا السياق قال مصدر عسكري فرنسي: “نحن نعرف أن الدولة المصرية حريصة على تنوع مصادرها عندما نتحدث عن شراء الأسلحة، هم أدركوا أن صورة استبدال الولايات المتحدة بروسيا في عقد الصفقات العسكرية ليست صورة صحية، هذا بالإضافة إلى أن مصر بالطبع تريد الاستفادة من التكنولوجيا الفرنسية، خاصة تلك المتعلقة بالأقمار الصناعية”.

وأضاف المصدر العسكري: “الأمر واضح ولا لبس فيه، الإرهاب في الشرق الأوسط وصل إلى مستويات تهديد غير مسبوقة، لو أردنا أولاً حصار المقاتلين الأجانب الموجودين في سوريا والعراق وليبيا، وحصر نفوذ التنظيمات الإرهابية في بيئتها النشطة، وتقويض إمكانات التنظيمات الإرهابية ومقاتلتها، فعلينا فعل ذلك بالمشاركة مع شركاء أقوياء عسكريًا، وفي الشرق الأوسط هؤلاء الأقوياء ليسوا عديدين، ومصر هي المفتاح الأول في حل الأزمة الليبية، كما أنها أحد الأطراف المهمة في سوريا أيضًا، هذا كله بالإضافة إلى أن دولة مثل فرنسا لا طاقة لديها لإرسال أي قوات عسكرية إلى الخارج،  فالإمكانيات البشرية محدودة من جهة، ومن الجهة الأخرى فالرأي العام لا يستطيع تقبل وجود عسكري أجنبي في أماكن الصراع”.

ويضيف الأكاديمي الفرنسي المتخصص في دراسات الشرق الأوسط: “مسألة أخرى، فرنسا ترى أن لمصر دورًا أساسيًا في ليبيا، خاصة مع تطابق وجهات النظر بينهما في الشأن الليبي، حتى أنهما يدعمان الطرف نفسه، ليس خفيًا أن الدولة الفرنسية تدعم قوات خليفة حفتر على الأقل استخباريا”.

ولكن جريش يؤكد أن “مصر وفرنسا مختلفتان في الملف السوري، ونعم فرنسا تدعم المعارضة، لكن الملف هذا لم يبق على نفس القدر من الأهمية بالنسبة لفرنسا. أما في ليبيا، فإن باريس سوف تضغط على السيسي ليقلل دعمه لقوات حفتر ليدعم حكومة الوفاق الوطني، أعتقد أن الملف الليبي سيكون على جدول المناقشات في القاهرة”.

ويرى الأكاديمي الفرنسي أن “السياسة الخارجية الفرنسية ليست ثابتة على طول الخط، في أوقات كثيرة تكون مسائل حقوق الانسان مهمة وذات تأثير واضح، وفي أوقات أخرى تتراجع لصالح أولويات أخرى. الآن نحن بصدد الحالة الثانية، خاصة في حالة دولة مثل مصر وفي هذه الجغرافيا السياسية بالذات”.

وحول إذا ما كانت مسائل تدهور حقوق الإنسان في مصر تشكل ضغطا على الحكومة الفرنسية، قال جريش: “هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية (الفرنسية) والشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، عقدوا مؤتمرًا صحفيًا يوم 13 من الشهر الجاري بعنوان (هل تتناسب حقوق الإنسان مع الصفقات العسكرية؟) ووجهوا فيه رسالة –نشرتها صحيفة اللوموند- إلى الرئيس الفرنسي طالبوه فيها أن تكون حقوق الإنسان في أسس العلاقة مع مصر. كما اجتمعوا مع مستشار هولاند جاك أوديبرت وتحدثوا معه عن وقائع الاختفاء القسري والهجمة على حقوق الإنسان ومقتل المواطن الفرنسي إيريك لانج في أحد أقسام الشرطة المصرية (عام 2013) ومقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، وأكد لهم أوديبرت أن فرنسا سوف تتدخل، لكن “بهدوء”. إذن هناك بعض الضغط، لكن المنظمات نفسها تشك في ما قد تفعله فرنسا. في الواقع لا يوجد تعاطف حقيقي مع ما يحدث في مصر حتى من قبل الإعلام. مثلا صحيفة “لكسبريس” لخصت الأمر في عنوانها: مصر السيسي كارثة إنسانية وأفضل صديق لفرنسا”.

وكان مركز القاهرة لحقوق الإنسان قد أعلن أن الاجتماع مع مستشاري هولاند الأسبوع الماضي، والذي شارك فيه المركز “تداول ملامح التدهور الكيفي غير المسبوق لحقوق الإنسان في مصر، وخاصة احتجاز عشرات الألاف في السجون بغير وجه حق، بما في ذلك عشرات الصحفيين والحقوقيين والأكاديميين والكتاب والأطباء والأدباء والنشطاء المهنيين والسياسيين، وتفشي التعذيب المنهجي وصولا للقتل، فضلا عن تفشي حالات الاختفاء القسري المقدرة بالمئات، وجرائم القتل خارج نطاق القانون، وانهيار النظام القضائي الوطني وإخضاعه لهيمنة الأجهزة الأمنية، ومخططات استئصال المنظمات الحقوقية المصرية، بعد إجبار المنظمات الحقوقية الدولية علي إغلاق مكاتبها ومغادرة البلاد”.

أما الأكاديمي الفرنسي فيقول: “بالطبع هناك قطاعات مهمة في فرنسا غيّرت موقفها تمامًا من ما يحدث في مصر. دعنا نكون واضحين، الرأي العام الفرنسي لن يتعاطف كثيرًا مع الاسلاميين عندما تضطهدهم الدولة، لكنه سيتضامن مع منظمات حقوق الانسان، وسيغضب عندما يعتقل أحمد ناجي بسبب روايته. الفرنسيون متأثرون كثيرًا بالأوساط الثقافية المصرية، وقت عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي كان شخص مثل علاء الأسواني داعمًا للسلطة الجديدة، ويأتي إلى فرنسا ليقول ذلك، لكن نفس الشخص الآن يشير إلى ما يحدث على مستوى حقوق الإنسان.. وهذا بالطبع مؤثر في فرنسا، واستطاع لفت نظر الكثير من الإعلاميين والصحفيين والباحثين إلى انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان في مصر”.

وفي هذا السياق أيضًا، تقول ديبلوماسية فرنسية إن “فرنسا تعتبر أن استقرار مصر أمر مهم لاستقرار المنطقة ككل، بالطبع هناك ملاحظات متعلقة بملف حقوق الإنسان، لكننا نرى أن طريقة إبداء ذلك تأتي في سياق العلاقة الجيدة والصداقة بين البلدين لا في شكل صدامي، نحن نريد دولة قوية في مصر، لكننا نتحفظ على بعض الإجراءات في سياق ليس صدامي، بالضبط كما أبدينا قلقنا لإغلاق مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب”.

اعلان