Define your generation here. Generation What

هكذا علينا رفع القبعة للسعودية

خلال الأيام التي أعقبت مفاجأة الحكومة المصرية للمواطنين بالتنازل عن جزيرتي “تيران” و”صنافير” بدأت عاصفة في ابتلاع القصة. تحول الجدل من ملكية الجزر، إلى استحالة التشكيك المبدئي في وطنية الرئيس، وزاد اﻷمر تعقيدًا الدخول في متاهات الخرائط وفخ المصطلحات والكثير من التفاصيل، حتى ضاع النقاش الأصلي، ولم يتبق سوى السخرية.

“رجعت في التاريخ لأجد أي إثبات أن الجزر تتبع السعودية، لكنّي لم أجد السعودية نفسها”. جملة تناقلها الكثيرون بصياغات مختلفة لتذيب مرارة الأمر، بغض النظر عن سؤال من كتب “الإفيه” أولًا.

النقاش عن الأرض وقيمة حبات التراب في مقابل الدماء المسكوبة وكل الملاحظات، العاطفية منها أو الواقعية،  له وجاهته ولا يمكن التقليل من أهميته، على الأقل لحفظ الأمانة التاريخية.

وإذا كانت سخرية الرافضين للموضوع، انطلاقًا من قيمة “العِرض والشرف” تثير خلافات عدة، إلا أن سخرية السعوديين تستحق التأمل والاحترام. نعم، قد يكون التعبير فجًا، إلا أن المملكة استحوذت على نفوذ جديد وهام، وبدون عناء يذكر، حتى أن أهل الأرض السابقين، عرفوا بعد فوات الأوان.

تعيد مسألة تيران وصنافير إلى الأذهان ألفاظًا رنانة تعمّدت الدولة الارتكان إليها في كل معاركها مع  الرافضين: “الوطن”، “دولة الـ 7 آلاف سنة حضارة”، “الحدود الوطنية”، إلى آخر السلسلة المعتادة. لكن تبقى الحقيقة الواضحة وحدها، انتصرت دبلوماسية الدولة التي لم يُعثر عليها في التاريخ، على دولة الحضارة ورائدة القومية العربية. انتصرت، وبعد عدة عقود سيبقى هذا الانتصار وحده مدونًا في التاريخ، وربما تأخذ المعارضة سطرًا عابرًا، اللهم إلا لو استتبعت الخطوة تصريفات أخرى من أصحاب النفوذ، شركاء الرئيس “الحاليين”.

في مقابل المنطق الذي قدمته الدولة المصرية للمسألة لا نجد إلا تفوقًا دبلوماسيًا وسياسيًا سعوديًا لا يمكن إنكاره. في مصر تصدر منطق “والدتي قالتلي ما تاخدش حق غيرك. وزي ما ربنا عطى غيرك هايعطيك”، وووجهنا بإعلام “على استعداد للذهاب حتى محكمة العدل الدولية لإثبات ملكية السعودية للجزيرتين”، ولم نجد من الدبلوماسية العريقة سوى تصريحات من نوع “إحنا لازم نرجع الحق لصحابه”، اعتمدت على مراسلات دبلوماسية عادية، وكأنها سُلطت على البلد، لا تعمل لصالحه.

في السعودية كان الأمر مختلفًا كثيرًا، يتعدى المبالغات المصرية الغارقة في العبثية من نوع “أخي أبغى جزيرة”. في السعودية حمل الأمر معاني أهم وأعمق من ذلك.

أولًا: في السنوات الأخيرة من حكم الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، راهن الكثيرون على بدء معركة حامية بين أجنحة العائلة المالكة، وذهب البعض إلى أن هذه الخلافات قد تؤدي لانقسام أرض الحجاز إلى ثلاث دول متصارعة. إلا أن انتقال السلطة إلى الملك سلمان كان سلميًا إلى حد أن البيان الملكي ذاته الذي أعلن وفاة عبد الله،  هنأ الملك الجديد في فقرته الثانية على بداية عهده. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل بعد ذلك بفترة وجيزة إلى حد الانقلاب على بقايا عهد عبد الله، وجرى تعيين ابن الملك الجديد، محمد بن سلمان، وليًا لولي العهد ووزيرًا للدفاع. كان الأمر سلميًا وناعمًا، إلا أنه شكّل طبقة رقيقة أخفت صراعًا محمومًا مشتعلًا بين أبناء الملك الواحد.

وفي مثل هذه الأجواء، وفي ظل إعلان تقارير حرجة عن صحة الملك سلمان، تأتي الصورة واضحة وبلا لبس. الأمير الشاب، ولي ولي العهد، هو من أخرج المشهد، وهو من استطاع استعادة ما فرّط فيه الأجداد، وعجز الآباء عن حمايته واستعادته.

ثانيًا: مسألة أخرى دقيقة هي العلاقات السعودية-الاسرائيلية. مرّت سنوات طويلة من تقارب المصالح الإقليمية للمملكة مع إسرائيل، على الأقل في ما يخص تأسيس صراع سني- شيعي ومحاصرة النفوذ الإيراني، إلا أن هذا التقارب لم ينعكس على تأسيس علاقات رسمية بين المملكة وإسرائيل. وفي السنوات الأخيرة، مع ارتفاع حدة الصراع الطائفي في المنطقة، وزيادة التخوفات من النفوذ الإيراني، بدأت مساع سعودية واضحة لوجود أجندة رسمية مشتركة مع إسرائيل، حتى إن بعض التقارير الإعلامية تحدثت عن تحالف يجمع مصر والسعودية واﻷردن والإمارات وإسرائيل لمواجهة “الإرهاب”. وباتت مساعي أشخاص من ذوي النفوذ السعودي الكبير، مثل أنور عشقي، واضحة دون إخفاء.

في شهر يونيو الماضي، انتشرت أخبار لقاء أنور عشقي، الباحث السعودي المقرب من الديوان الملكي ومدير مركز “الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية”، مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية “دوري جولد” في واشنطن. قالت الصحف الإسرائيلية حينها إن اللقاء جاء في سياق “الجهود المشتركة بين البلدين لمحاصرة النفوذ الإيراني في المنطقة”. كل هذا في ظل تحريم الحديث عن العلاقات بين البلدين في أي محفل رسمي أو أي من المنابر الإعلامية المهتمة برضا المملكة.

في هذا السياق، وجدت الدبلوماسية السعودية طريقًا ممهدًا، ﻷول مرة منذ ما يقارب الـ 40 عامًا، للدخول في علاقة رسمية مع إسرائيل. ليس هناك أفضل من الانضمام كطرف مباشر في اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، “بحكم الضرورة وليس لرفاهية الاختيار”. الجزيرتان والممر الملاحي مدرجون في “كامب ديفيد”، وأساسيون بالنسبة لأمن إسرائيل ولتأمين الملاحة من ميناء إيلات وإليه. وهذا بالطبع ما كان وراء خطاب وزير الدفاع الشاب محمد بن سلمان لرئيس الوزراء المصري، الذي أكد فيه على أن “السعودية ستحترم كافة الاتفاقات التي أبرمتها مصر وتتعلق بالجزيرتين”. وهذا أيضا ما استلزم موافقة وترحيب إسرائيل بالإتفاق.

ثالثًا: كل هذه اﻹنجازات تأتي بالتزامن مع إخفاقات واضحة منيت بها السياسة السعودية في المنطقة. في الوقت الذي خسرت فيه المملكة الرهان في سوريا، وبات واضحًا أيضًا أنها لم تستطع زحزحة السياسة المصرية في سوريا تجاه موقفها التقليدي، ولم تقو حتى على تغيير الموقف من الإسلاميين وتركيا، استطاعت الدبلوماسية السعودية الانتهاء من كابوس الجزيرتين، بفتح باب صغير على العلاقات مع إسرائيل، وقطع الخطوات اﻷولى للانتهاء من قصة ترسيم الحدود البحرية مع مصر.

ليست المرارة هنا لأن “عواد باع أرضه”، فتعلق الأمل بسلطة قتلت آلاف البشر والدهشة من كونها نقلت بضعة كيلومترات من الأراضي  إلى نفوذ الكفيل، هو أمر لا يتعدى السذاجة الوطنية، وإنما تأتي المرارة من كون الدبلوماسية المصرية التي استطاعت انتزاع اعتراف العالم بأن قتل بضعة مئات من البشر في الشوارع هو ثورة يجب تحيتها، لم تستطع مواجهة دبلوماسية لم يأخذها أحد، وبحق، على محمل الجدّ عندما أعلنت أنها ستتدخل عسكريًا في سوريا. هنا تكمن المشكلة.

اعلان