كيف يمكن أن تكشف حوائط مقبرة توت عنخ آمون أسرارًا جديدة عن مصر القديمة
 
 

يبدو أن هناك احتمال قوي لوجود غرفتين لم يتم الكشف عنهما بعد خلف حوائط مقبرة توت عنخ آمون، وذلك وفقًا لنتائج مسح الرادار الأخيرة التي أعلنت عنها وزارة الآثارة المصرية يوم 17 مارس الماضي.

لكن هذا الاكتشاف أكثر من مجرد كشف أثري مثير، فبدايات حكم توت عنخ آمون من أكثر الفترات التي يدور حولها جدل مكثف في علم المصريات. وحسب الفرضية التي طرحها نيكولاس ريفز الأستاذ بجامعة أريزونا، والتي لم تثبت بعد، قد يظهر هذا الكشف الجديد أن قبر توت عنخ آمون هو في الأصل قبر نفرتيتي.

يأتي الرابط بين توت عنخ آمون ونفرتيتي من خلال الملك إخناتون، حاكم مصر لمدة 17 عامًا من 1352 إلى 1336 قبل الميلاد تقريبًا، حيث كانت نفرتيتي “الزوجة الملكية العظيمة” لإخناتون، وكان توت عنخ آمون ثاني خلفائه. إلا أن التاريخ ليس على هذا القدر من البساطة.

ثلاثة أسئلة

هناك ثلاثة أسئلة محورية حول حياة وموت كل من توت عنخ آمون ونفرتيتي قد تعطينا لمحة عن مدى أهمية هاتين الغرفتين السريتين لمعرفتنا بتاريخ مصر القديم.

أولًا، نحن لا نعلم ما الذي حدث لنفرتيتي، فهي لم تُذكر في أي وثيقة بعد العام السادس عشر من حكم إخناتون، ولم يعثر على مكان دفنها. ثانيًا، لا أحد يعلم من كان خليفة إخناتون خلال السنوات القليلة ما بين موته وتولي توت عنخ آمون الحكم. ثالثًا، فنحن لا نعرف والدي توت عنخ آمون بشكل قاطع، كما لا نعلم كيف تولى العرش.

لقد رفض إخناتون ديانة تعدد الآلهة وكان عمرها آلاف السنين في مصر، ليركز على عبادة إله واحد، آتون قرص الشمس، ما جعل العديدين يعتبرونه أول من دعا إلى التوحيد. رسخ إخناتون الدين الجديد من خلال بناء عاصمة جديدة ونقل مقره إلى موقع لم تطأه قدم من قبل اسمه تل العمارنة في الصحراء شرق المنيا. وكانت نفرتيتي في عهده تحظى بسلطة واسعة بصفتها الزوجة الملكية العظيمة، وأيضًا لكونها حلقة وصل رئيسة مع آتون. ونجد الرسومات القديمة لنفرتيتي غير عادية، وتشير إلى التغيرات الأوسع نطاقًا والناتجة عن إصلاحات هائلة اجتماعيًا وسياسيًا، لكنها صُورت كملكة قوية تكاد تكون ندًا لإخناتون، ونُسبت إليها متعلقات وأيقونات مرتبطة بالملكية، حتى أنها كانت تقود عربة تجرها الخيل.

اعتقد علماء المصريات لسنوات عديدة أن نفرتيتي قد اختفت في العام الثاني عشر من حكم إخناتون، نظرًا لعدم وجود أي نقوش تشير إلى الملكة بعد هذا التاريخ. وتراوحت التكهنات حول أسباب ذلك ما بين موتها مبكرًا أو فقدانها حب إخناتون أو نفيها. لكن في عام 2012 نشر فريق بلجيكي نقشًا أُكتشف حديثًا في دير البرشا، سجل عليه أن نفرتيتي (بالإشارة إلى لقبها الزوجة الملكية العظيمة) كانت حية وبصحة جيدة في العام السادس عشر من حكم إخناتون.  وهكذا قد تغير قطعة واحدة من دليل مفقود ما نعرفه عن تاريخ مصر القديمة.

إلا أننا ما زلنا لا نعلم ما حدث لنفرتيتي بعد موت إخناتون في العام السابع عشر من حكمه. فقد فشلت تجربة إخناتون الدينية بعد موته وعادت عبادات الآلهة القديمة إلى سابق عهدها. وكانت الردة بعد إخناتون واسعة النطاق. وقد شوِّه العديد من تماثيله (وتماثيل أعوانه) في محاولة لطمس اسمه، ما زاد من صعوبة إعادة ربط تسلسل الأحداث في عهود خلفائه.

ثلاثة أسماء غامضة

يكمن الغموض الذي يشوب خليفة إخناتون السابق لتوت عنخ آمون في الشخص أو الجماعة التي تدعى نفرنفرو آتون أو سمنخ كا رع. والأمر معقد لأن كل ملك وملكة كانت تنسب له عدة أسماء.

لدينا هنا ثلاثة أسماء مفتاحية: نفرتيتي نفرنفرو آتون (وهو اسم نفرتيتي بالكامل)، وعنخ خبرو رع نفرنفرو آتون (أو نفرنفرو آتون اختصارًا)، وعنخ خبرو رع سمنخ كا رع (أو سمنخ كا رع اختصارًا أيضًا). بعد موت إخناتون مباشرة ولمدة ثلاثة أو أربعة أعوام كان كل من نفرنفرو آتون وسمنخ كا رع إما الملك أو شريك الوصاية على العرش، أي الخليفة الرسمي الذي يشارك في الحكم أثناء السنوات الأخيرة القليلة من حياة الملك. لا نعلم تحديدًا هوية نفرنفرو آتون وسمنخ كا رع، لكن من الظاهر أمامنا أن هذه الأسماء الثلاثة مرتبطة باسمي نفرنفرو آتون وعنخ خبرو رع.

بذل الباحثون جهدًا واسعًا في محاولة تحديد هوية هؤلاء الأشخاص ومكانتهم السياسية وتسلسل الأحداث التي وقعت في عهدهم. لقد تولى/تولت نفرنفرو آتون الحكم في مرحلة ما في نهاية عهد أخناتون. وهناك دلائل بالنقوش الأثرية ترجح على نحو معقول أن نفرنفرو آتون تولى/تولت الحكم لمدة ثلاث سنوات على الأكثر، لكن ما زال الجدل حول كونه/كونها الحاكم الأوحد أو شريك الوصاية على العرش محتدم.

الأمر المثير حقًا هنا هو أن بعض علماء المصريات يرجح أن نفرنفرو آتون قد تكون بالفعل نفرتيتي نفسها. فقد تغير اسم عنخ خبرو رع نفرنفرو آتون في مرحلة ما إلى عنخة خبرو رع نفرنفرو آتون. ويبدو أن هذه التاء المربوطة تحمل دلالة هامة، فنظرًا إلى أن وجود هذا الحرف في نهاية الكلمة كان علامة على التأنيث في اللغة المصرية القديمة، يفترض بعض العلماء أن نفرنفرو آتون كانت امرأة. وهناك العديد من الأسباب التي ترجح كونها نفرتيتي، من بينها الاسم الثاني المشترك، نفرنفرو آتون. وإن صح ذلك فلا بد وأنها صورت نفسها كرجل لكي تتولى المُلك، في حركة مشابهة لما حدث في عهد الملكة الشهيرة حتشبسوت. وهكذا قد تكون نفرتيتي من تولى حكم مصر قبل توت عنخ آمون.

أما سمنخ كا رع فيظهر/تظهر فجأة في الوثائق التاريخية دون أدنى إشارة إلى نسبه/نسبها أو علاقته/علاقتها بإخناتون. وحسب ما جاء بالنصوص القديمة تولى/تولت سمنخ كا رع الحكم لمدة عام تقريبًا، لكننا غير واثقين إن كان ذلك بصفة الحاكم الأوحد أم كشريك في الوصاية على العرش. يرى بعض الباحثين أن سمنخ كا رع كان رجلًا من أقارب إخناتون، وربما كان أخًا غير شقيق له أو ابنه، وأنه قد حكم كملك أوحد. وتعتقد مجموعة أخرى أن سمنخ كا رع هي نفرتيتي بعد تغيير اسمها عند اعتلائها العرش. وفي هذه الحالة تحولت نفرتيتي في البداية من نفرتيتي (الزوجة الملكية العظيمة)، ثم إلى نفرنفرو آتون (شريك الوصاية على عرش أخناتون)، وأخيرًا إلى سمنخ كا رع (الحاكم الأوحد). وهناك مجموعة ثالثة تقول إن سمنخ كا رع قد عاش قبل نفرنفرو آتون، ولم يصبح ملكًا قط في الحقيقة. وترى هذه المجموعة أن سمنخ كا رع كان رجلًا وشريك الوصاية على عرش أخناتون، وكان يتم إعداده للحفاظ على ديانة آتون، لكنه اختفى من السجلات (ربما لموته مبكرًا) تاركًا إخناتون ليرفع نفرتيتي خليفة له تحت اسمها الجديد نفرنفرو آتون. ولا توجد أدلة كافية تدعم أيًا من هذه النظريات بقوة.

لكن في حالة اكتشاف قبر نفرنفرو آتون أو سمنخ كا رع، ووجود نقوش أو رسوم أو متعلقات بالمقبرة تشير إلى أي منهما، لا شك أن ذلك سوف يزيح ستار هذا الغموض.

بعد موت سمنخ كا رع أو نفرنفرو آتون صعد توت عنخ آمون على العرش. وعلى مدار حكمه المضطرب الذي امتد إلى عشرة سنوات (من 1336 إلى 1327 قبل الميلاد تقريبًا) نجح الملك وحاشيته في إعادة العاصمة إلى ممفيس، وإعادة بناء المعابد، وجعل طيبة مركز مصر الديني مجددًا، وبناء العديد من النصب الصغيرة، وإرسال حملات عسكرية إلى النوبة وربما إلى الشرق الأدنى أيضًا. لكن أبرز معالم حكم توت عنخ آمون كانت محل دفنه في وادي الملوك الذي فلت بطريقة ما من عمليات نهب القبور التي تحدث منذ قديم الأزل.

المشكلة الكبيرة التي تواجهنا مع توت عنخ آمون أننا لا نعلم من هما والديه، كما هي الحال مع العديد من الشخصيات الأخرى في عصره. فقد جاء في أحد النقوش أنه “ابن الملك من صلبه”، ما يؤيد فكرة أنه كان ابن إخناتون. إلا أن فحص الحمض النووي الذي أجراه زاهي حواس ومجموعة من العلماء في مركز القاهرة القومي للبحوث عام 2010 أفاد بأن توت عنخ آمون ابن رجل وجدت مومياؤه في مقبرة في وادي الملوك (المقبرة 55) احتوت على عدد من المومياوات وخليط من مقتنيات المقابر. ومع أن نقوش النعش كانت محطمة، إلا أن مقتنيات الدفن وشكل النعش تشير إلى أنه يعود إلى عهد إخناتون تقريبًا. جعل هذا العديدين يفترضون أن مومياء الأب تعود حتمًا إلى إخناتون أو سمنخ كا رع. لا توجد أي نصوص تفصح عن هوية والدته، لكن فحص الحمض النووي يشير إلى أن مومياء من مقبرة ملكية مختلطة أخرى في وادي الملوك (المقبرة 35) هي والدته. وهكذا أصبحنا أمام جسد بلا هوية معروفة مرة أخرى.

مقبرة لا تليق بملك

كما أن طريقة دفن توت عنخ آمون لا تلائم أشكال الدفن الملكي من عدة جوانب. فحجم القبر الذي يبلغ 109.83 مترٍ مربعٍ ضئيل جدًا بالمقارنة مع سائر المقابر في وادي الملوك. على سبيل المثال، نجد قبر الملك تحتمس الرابع، وقد حكم لمدة عشرة سنوات فحسب، يبلغ 407.4 مترٍ مربعٍ ويحظى بتصميم أكثر تعقيدًا. كما أن معظم مقتنيات مقبرة توت عنخ آمون لم تصنع من أجله في الحقيقة. فهناك العديد من الأشياء التي نهبت من المدافن الملكية من عصر إخناتون، ومعظمها يعود إلى نفرنفرو آتون وسمنخ كا رع، وقد أعيد نقش اسمه عليها. حتى أن تابوت توت عنخ آمون الشهير قد أخذ على الأرجح من مجموعة مدفن سمنخ كا رع.

ولعل أفضل تفسير لذلك أن الملك قد مات فجأة في سن صغيرة، تاركًا الجميع يتخبط في تجميع مدفنه.  وهكذا قرر خليفته الاستيلاء على مقبرة في وادي الملوك تعود إلى شخص لا ينتمي إلى العائلة المالكة ومصادرة مقتنيات دفن أشخاص آخرين. لكن مقتنيات الدفن التي تعود إلى نفرنفرو آتون وسمنخ كا رع، والتي أعيد استخدامها، نسبتها كبيرة على نحو غير عادي، ما يثير العديد من التساؤلات بخصوص مكان دفن هذين الشخصين.

مع تأكيد وزارة الآثار على وجود الغرفتين في مقبرة توت عنخ آمون، أصبحت هناك إمكانية كبيرة لحل هذه الأسئلة المعلقة حول فترتي حكم إخناتون وتوت عنخ آمون. على أسوأ تقدير، قد نجد خلف هذه الأبواب غرفتين فارغتين، لكن يظل الأمر مثيرًا للاهتمام على نحو بالغ، لأن ذلك من شأنه تغيير فهمنا لهذا الأثر. لكن من ناحية أخرى قد يفضي هذا الكشف إلى نقوش أو لوحة أثرية أو رسوم أو مقتنيات تلقي ضوءًا على نهاية عهد إخناتون، وما حدث لنفرتيتي، وهوية نفرنفرو آتون وسمنخ كا رع ووالدي توت عنخ آمون.

اعلان
 
 
ميريدث براند 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن