Define your generation here. Generation What

خواطر بالعامية: جوليو والجزيرتين والأمن القومي

بعد كام شهر من بداية شغلي في دار الوثائق القومية على جيش محمد علي، وقعت على كنز من الوثائق: ٦٣ محفظة بعنوان “وثائق الشام”. المحافظ دي كان فيها مكاتبات غاية في الأهمية عن حملة الشام اللي قادها إبراهيم باشا، ابن محمد علي، من سنة ١٨٣١ لسنة ١٨٤٠.

من ضمن الوثائق الطريفة اللي استوقفتني وثيقة عبارة عن خريطة لموقع القوات العثمانية، يعني قوات العدو، المتمركزة قدام يافا في فلسطين، واللي قوات إبراهيم باشا كانت تستعد للزحف عليها.

الخريطة دي استوقفتني لأنها كانت مرسومة بحبر ملون وكان فيها تضاريس المنطقة، ورسم كروكي لحدود المدينة، وتوضيح لأماكن تجمع قوات العدو. اللي شد انتباهي في الخريطة دي كان دقتها وجودتها، وقعدت أفكر: منين حصل الجيش المصري على الخبرة دي، خبرة رسم الخرائط بالدقة دي؟

وسرعان ما أن عثرت على ضالتي، لأني لقيت اسم الرسام: محمد كاني (على ما أتذكر – الكلام ده بقى له ٢٥ سنة). وبعدين قعدت أدور على محمد كاني ده، واكتشفت إنه كان من ضمن المبعوثين لأوربا وإنه كان لسه واصل من هناك واتبعت ع الجبهة في الشام أول ما رجع من أوربا. المهم، لقيت له خريطتين تانيين: واحدة باقتراح عمل نظام بريد بين مركز قيادة إبراهيم باشا في الشام والقاهرة، وتقسيم المسافة لثلاثين نقطة، كل نقطة يتبني فيها مركز بريد لتوصيل الرسايل بين محمد علي وابنه. والخريطة التانية تاريخها يمكن سنة ١٨٣٨ أو ١٨٣٩، وقت تأزم الموقف مع الدولة العثمانية. وقتها اقترح إبراهيم على أبوه إنه يقوي السواحل الشمالية المصرية بعمل حصون على امتداد الدلتا. وكاني هو برضه اللي عمل الخريطة المرفقة باقتراح إبراهيم باشا ده.

عملت قايمة بالوثائق اللي حبيت أصورها، ومنها التلات خرايط دول، ورحت بيها علشان آخد تصريح بالتصوير. وشوية وجالي الرد الحاسم: “ممنوع تصوير خرايط.”، “ليه؟”، “تعليمات الأمن.”، “بس دي خرايط من القرن التسعتاشر، يعني مالهاش أي قيمة أمنية أو عسكرية.”، “هي دي التعليمات. حتى زميلك اللي كان عاوز يصور خريطة لحي الأزبكية من أسبوع هو كمان طلبه اترفض. ممنوع تصوير خرايط.”

***

بعد وقت طويل قدرت أعرف سر القلق من الخرايط.

لما حصل الخلاف الحدودي على طابا بين مصر وإسرائيل بعد توقيع معاهدة السلام، ولما قدر الفريق المصري، اللي كان بيضم المؤرخ يونان لبيب رزق، إنه يثبت حق مصر في طابا باستخدام وثائق توضح إن مصر كانت بتمارس أعمال السيادة على البلدة، ولما شفع الوثائق دي بخرايط قديمة، انتبهت أجهزة الأمن فجأة لأهمية مقتنيات دار الوثائق، وتحديدًا لأهمية الخرايط للأمن القومي.

ونظرًا لعدم وجود فهارس دقيقة لمحتويات الدار، وبالتالي استحالة معرفة تفاصيل الوثائق أو الخرايط، صدرت التعليمات بعدم التصريح لأي حد بتصوير خرايط، وده بمنطق “الباب اللي يجيلك منه الريح، سده واستريح.”، وكأنهم بيقولوا: “وإحنا نطّمن إزاي إن الباحث الفلاني اللي جاي يشتغل على نظام الأوقاف في القرن الخامس عشر، مثلًا، مش جاسوس. مش ممكن يكون عاوز يلاقي خرايط لسيوة، أو حلايب وشلاتين، أو واحة يغبوب، أو تيران وصنافير؟ إحنا عندنا نزاع حدودي مع كل جيراننا، وبالتالي أي موضوع يتعلق بالحدود مش بس ممنوع تصوير خرايط متعلقة بيه. لأ ده ممنوع أصلًا البحث فيه.”

طبعا الأمن استريح واطّمن. لكن إحنا كباحثين تعبنا وشغلنا وقف. لأن المنطق الأمني ده ما وقفش عند الخرايط وخطورتها ولا عند الحدود وترسيمها. المنطق الأمني بقى يشك في كل موضوع. أنا لي زميل مصري شغال على التاريخ المملوكي واتمنع من الحصول على تصريح بحث. وعندي زميلة أمريكية قدمت طلب لدراسة تاريخ المطابع الخاصة في القرن التسعتاشر، اترفض طلبها. وعندي طالب بيدرس تاريخ فيالق العمال وقت الحرب العالمية الأولى. طلبه اترفض. والقايمة طويلة طويلة. لكن أهم حالة هي حالة الطالب اللي كان عايز يدرس تاريخ الخبرة البريطانية في مجال الري في مصر في أواخر القرن التسعتاشر، طلبه هو كمان اترفض. لكن الطالب ده تحديدا حاولت أعرف سبب رفض طلبه. الرد جا بما مضمونه: “ده واحد بيدرس تاريخ الري، وإحنا عندنا نزاع مع إثيوبيا على مياه النيل. إحنا ما عندناش شك أن الطالب ده أمين ومش جاسوس، لكن إيه اللي يضمن لنا إن رسالته ما تقعش في أيدي خبيثة، وإن رسالته ما فيهاش معلومات تضرنا، مثلًا معلومة عن حق إثيوبيا في مياة النيل، ودي تفصيلة ممكن تضر موقفنا في المفاوضات؟ طبعا إحنا عارفين إن الموظفين في دار الوثائق مخلصين ووطنيين، ونفس الكلام ينطبق على أغلب الدكاترة والطلاب اللي بيبحثوا هناك. لكن إحنا عندنا محاذيرنا اللي محدش يفهمها غيرنا.”

***

العقلية الأمنية دي هي المتحكمة في دار الوثائق القومية وهي اللي مهيمنة عليها. “الأمن” (وبالمناسبة، إحنا عمرنا ما عرفنا إحنا بنتعامل مع أنهي جهة أمنية: الأمن القومي؟ المخابرات العامة؟ المخابرات الحربية؟ أمن الدولة؟) – “الأمن” بيتعامل مع دار الوثائق على إنها أرشيف الدولة، مش دار وثائق قومية تخص المواطنين.

ومن سنة للتانية القبضة الأمنية بتشتد، وعدد التصاريح الأمنية بينقص، وعدد الباحثين بقى ما يزيدش عن عدد أصابع اليدين، ده في دار وثائق تعد من أهم وأغنى دور الوثائق في المنطقة، واللي تقدر محتوياتها مش بالمئات أو الآلاف، إنما بالملايين.

طول فترة عملي في دار الوثائق وأنا حاسس إني باشتغل في جهاز أمني مش مكان علمي. وأنا بأقول الكلام ده وعندي خبرة في العمل في مكتبات عامة ومكتبات جامعية ودور وثائق في بلاد كتيرة، وعارف أهمية إجراءات الأمن، لكن عارف برضه ضرورة توفير خدمات للباحثين، وأهم من الخدمات، بيئة يحس فيها الباحث أو الطالب إن المكان مسخر لخدمته.

طبعا دار الوثائق، شأنها شأن كل مؤسساتنا العامة، مش مبنية على العقلية دي، إنما على عقلية فرض الوصاية والرقابة على أفراد الشعب.

وطول فترة ترددي على الدار تأكدت من النظرة اللي بينظر بيها الموظفين لينا كباحثين: في أحسن الأحوال إحنا ناس فاضية ما عندناش حاجة تانية نعملها غير تضييع وقتنا في قراءة شوية ورق قديم. لكن في أسوأ الحالات إحنا جواسيس جايين نسرق وثائق نسترزق منها، أو ننقل معلومات حيوية تخص الأمن القومي علشان نبيعها للأعداء.

***

في مرة قدرت أشتبك بشكل مباشر مع العقلية الأمنية دي اللي مش فاهمة قيمة البحث العلمي واللي بترتاب في الباحثين.

كنت بأقدم طلب لواحد من طلابي مشفوع بكل الأوراق اللازمة (خطاب توصية من الجامعة، صورة تحقيق الشخصية، استمارة الطلب موضحًا فيها عنوان الموضوع البحثي، والفترة الزمنية والوحدات الأرشيفية المراد الاطلاع عليها). وبدل ما أقدم الطلب لموظفة قاعة البحث رحت مباشرة لظابط الأمن في مكتبه لأني كنت اتعرفت عليه من فترة ونشأت بيننا علاقة احترام وود متبادل. وجرى الحوار التالي اللي باسترجعه بعد أكتر من خمستاشر سنة:

د. خالد، هو غرض حضرتك من البحث إيه؟ ترقية ولا إعارة؟”
“مش فاهم سيادتك.”
“مش حضرتك خلاص حصلت على درجة الدكتوراه بتاعتك؟”
“أيوه، من زمان. من خمس سنين.”
“بالظبط. ليه بقى حضرتك لسه بتيجي قاعة البحث؟ ترقية ولا إعارة؟”
“لا ترقية ولا إعارة. أنا شغال على موضوع مختلف بعد ما خلصت الدكتوراه. مش للترقية أو الإعارة. بحث. يمكن أطلع منه بمقالة.”
“آه. مقالة. طيب، والطلبة بتوعك حضرتك دول اللي بيشتغلوا جوا في قاعة البحث، حضرتك ضامنهم؟”
“ضامنهم؟ أيوه طبعًا. دول من أحسن الطلاب عندي، وأنا شايف إن واجبي إني آجي معاهم الدار.”
“واجبك؟ مين يعني كلّفك بكده؟”
“ما فيش حد كلفني. أنا بأقول ده مجازًا. أنا أستاذ في جامعة نيويورك، ودول طلبة أجانب، وأنا باحاول أوفر عليهم صعوبة البحث وأخفف عنهم بتواجدي معاهم في قاعة البحث وأرد على أي أسئلة ممكن تعن ليهم. علي قدر استطاعتي.”
“آه. جامعة نيويورك. ودي فين حضرتك؟”
“في مدينة نيويورك في أمريكا سيادتك.”
“وبتدرّس في أنهي قسم هناك؟”
“قسم دراسات الشرق الأوسط.”
“آه. ده تبع السي آي إيه؟”
“لأ ما لوش علاقة بالسي آي إيه. ده قسم دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة نيويورك. بندرس تاريخ المنطقة وآدابها ومجتمعاتها وثقافاتها للطلبة.”
“آه. ليه؟”
“علشان يتعرفوا على طبيعة شعوبها ويمكن يطلع منهم حد يتخصص في دراستها. وأنا شخصيًا شايف إن مهمتي إني أجذب الطلبة لدراسة مصر والتخصص في تاريخها.”
“آه. مهمتك. مين اللي كلفك بيها؟”
“سيادتك ما فيش حد بيكلفني بحاجة. أنا بأقول الكلام ده مجازًا. إحنا في القسم بندرّس كل لغات المنطقة وبلدانها، وأنا شايف إن طلبة الدكتوراه اللي ممكن يتخصصوا، مثلًا، في دراسة تركيا أو إسرائيل أو المغرب، لو عرفت أنا أجذبهم للتخصص في تاريخ مصر، أكون كدا نجحت في مهمتي.”
“آه. هي إيه مهمتك بقى؟”
“جذب الباحثين للتخصص في تاريخ مصر.”
“ليه؟”
“علشان يقدروا في النهاية يكتبوا رسالة دكتوراه وبعدين ينشروها ككتاب.”

وقتها الراجل تقريبا انهار، وزعق فيّا: “ليه يا دكتور؟ ليه ينشروا كتب عن مصر؟”

طبعًا أنا كنت فاهم تساؤله واستفساراته، وعارف إنه كرجل أمن مهمته اقتناء المعلومات مش إنتاج معرفة. لكن حسيت إنها فرصة أوضح له إحنا بنعمل إيه، وليه إحنا مش جواسيس.
“سيادتك شايف الرف ده؟” وشاورت على رف كتب جنب مكتبه عليه تلات كتب.
“أيوة.”
“لو افترضنا إن عدد الكتب اللي على مصر هو التلات كتب دي، أنا بقى عاوز الرف كله يتملي كتب عن مصر.”
“ليه يا دكتور بس؟ انت ضامن الكتب دي حيكون فيها إيه؟ انت ضامن الوثائق اللي الطلبة بتوعك بيطّلعوا عليها هنا فيها إيه؟ إيه اللي يضمن لك إن الكتب اللي هينشروها اعتمادًا على الوثائق دي ما فيهاش حاجة تضر بأمننا القومي؟”
“ما عنديش أي ضمان. لو ارتبت وشكيت، ممكن أطلع القطط الفاطسة في أي كتاب. إنما أنا عندي يقين إن مصلحة مصر وأمنها القومي بيزدهر لما الكتب اللي عليها تكتر، ولما عدد المتخصصين فيها يكتر، ولما المعرفة اللي بتنتج عنها تكتر.”

وعندها الحوار انتهى. وكان واضح منه جدًا إن العقلية الأمنية اللي كنت باحس بيها جوا قاعة البحث لها جذور عميقة، وإن حسب العقلية الأمنية دي إحنا كلنا جواسيس ما لناش دية. وإن مستحيل الناس دي تعرف إحنا، كباحثين، بنعمل إيه، ما بالك بتقدير قيمة شغلنا وتعبنا.

***

أنا كتبت قبل كدا إن العقلية الأمنية دي، في حد ذاتها، مش مشكلة، وإن الأمن دوره، في مصر زي في كل حتة في العالم، إنه يشك ويتحرى. وأنا عايش في الولايات المتحدة وعشت قبل كده في إنجلترا وعارف إزاي إن البلاد دي مش سداح مداح، وإن في أوقات الأزمات، زي بعد أحداث سبتمبر، البلد كلها بتتحول لدولة بوليسية.

لكن الفرق هو إن العقلية الأمنية في البلاد اللي بتحترم مواطنيها بتقابلها عقلية تانية تدفع في الاتجاه المعاكس، عقلية بتحترم الحق في الخصوصية، وفي البحث العلمي، وفي التعبير عن الرأي، عقلية بتحيط العقلية الأمنية بظوابط قانونية وإدارية عديدة.

مشكلتنا في مصر، إن العقلية الأمنية ما لهاش رادع، وإن ذكر كلمة “الأمن القومي” في أي حوار كفيل بإنهاء الحوار، مش بتفعيله. وإن الأصوات المنادية بضرورة الدفاع عن الحرية الأكاديمية وحرية البحث العلمي أصوات قليلة (لكنها شجاعة وقوية)، ومن أهمها  حركة ٩ مارس: مجموعة العمل من أجل استقلال الجامعة، ومؤسسة حرية فكر والتعبير، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

ونتيجة خفوت الأصوات المناصرة للحرية الأكاديمية هو إن البحث العلمي في مصر مهيمن عليه الأجهزة الأمنية. البحث في الوثائق التاريخية المحفوظة في دار الوثائق القومية محتاج تصريح أمني ممكن ياخد تلات شهور وممكن أكتر؛ وزي ما قلت، عدد الموافقات على الطلبات دي بيقل من سنة للتانية. أما لو الموضوع يتعلق ببحث ميداني، فحدث ولا حرج. لو الواحد عاوز يعمل أي بحث ميداني أو يوزع أي استبيان أو استطلاع رأي لازم الحصول على موافقة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ويكفي التفكر في التسمية دي علشان الواحد يتأكد إزاي إن فكرة المعلومات والإحصاء مقرونة في العقلية الأمنية بالجهد الحربي والتعبئة.

***

البحث العلمي في مصر ما لوش صاحب، والباحثين مهددين دايمًا بسحب تراخيصهم أو القبض عليهم أو أسوأ من كده.

أنا أول ما شفت صورة جوليو ريجيني منشورة على فيسبوك وقت لما كان لسه مختفي، قلبي وقع في رجليا. ده باحث أجنبي. بيتكلم عربي بطلاقة. ساكن في الدقي وبيتحرك في المدينة زي ما هو عاوز. والأدهى إنه بيتشغل على موضوع حساس جدًا، وهو العمال وحقهم في تأسيس نقابات مستقلة. لأ مش كده وبس، ده كمان ناشط سياسي، وبيكتب في جرنال شيوعي باسم مستعار، وبينشر مقالات ضد النظام. وقتها قلت لنفسي إن السلطات الأمنية لو عارفة عنه يبقى أكيد هتعتبره جاسوس.

لكن جوليو مش جاسوس. ده طالب دكتوراه. أنا عمري ما قابلت جوليو ولا حتى تراسلت معاه. لكن بالرغم  من كده، أنا أعرفه، وأعرفه كويس كمان. جوليو هو الطلبة اللي أنا بادرّس لهم بقى لي عشرين سنة؛ وبعد ما قريت شغله واتعرفت على أعماله أقدر أقول إن جوليو مش بس مش جاسوس، ده طالب مثالي، طالب بيحب مصر وبيحب المصريين وبيجتهد علشان يساعدهم.

جوليو، زيه زي غيره من الطلاب اللي باشرف عليهم واللي أشرفت عليهم، مش بس طالب مجتهد قضّى سنين طويلة من عمره علشان يتعلم لغة أجنبية صعبة وبيتعرف على مجتمع أجنبي صعب وبيحضر لدراسة موضوع غريب وصعب. جوليو، زي والدته ما قالت في البرلمان الإيطالي، شاب منفتح على العالم، مهموم بقضاياه. جوليو كان ممكن يشتغل في بنك أو جرنال، ويستغل اللغة الأجنبية الصعبة اللي اتعلمها (العربية) ويكفي خيره شره. لكن جوليو عنده قضية بيدافع عنها: نصرة المظلومين والدفاع عنهم أيا كان هم فين، وتسخير علمه وجهده للغرض ده.

أنا عارف العقلية دي كويس وباحترمها. وطول سنوات تدريسي في أكبر الجامعات الأمريكية -برنستون، ونيويورك وكولمبيا وهارفارد- وأنا باقابل طلبة زي جوليو، طلبة مش بس شاطرين ومجتهدين، لكن كمان عندهم قضية. وقضيتهم مصر وشعبها. أنا اتعرفت في سنين شغلي في غربتي على عشرات الطلبة اللي بيعشقوا مصر وبيكتبوا عنها وبيفنوا حياتهم في دراستها. طلبة بتشكل فترة دراستهم في مصر أحلى سنين عمرهم. طلبة بينجحوا وبيتخرجوا وبينشروا أحسن كتب أكاديمية عن مصر وبيحصلوا على وظايف تدريسية في أحسن الجامعات، وبيبقوا أحسن سفراء لينا في الخارج.

هم دول تحديدًا الطلبة اللي السلطات الأمنية بتاعتنا بترتاب فيهم وبتعتبرهم جواسيس.

***

إحنا ما نعرفش حقيقة اللي حصل لجوليو، غير إنه اتعذب بشكل حيواني، اتعذب زي المصريين ما بيتعذبوا، على رأي والدته. وجايز إن عمرنا ما هنعرف مين اللي عذبه وقتله بالشكل الفظيع ده.

لكن اللي نعرفه إننا عايشين في لحظة من أسوأ لحظات تاريخنا الحديث، وإن حقوقنا وحرياتنا وحياتنا نفسها مهددة طول الوقت من قِبل الحكومة بتاعتنا.

اللي نعرفه، هو إن حكومتنا، وباسم الدفاع عن الأمن القومي، اعتدت على الأحرم الجامعية وقتلت طلبة جوا الجامعة مش برة بيتظاهروا.

اللي نعرفه هو إن حكومتنا، باسم الدفاع عن الأمن القومي، قفلت المجال العام، وصادرت العمل السياسي، ومنعت الناس من التعبير عن رأيهم بالخروج في مظاهرات سلمية، إلا لو كان غرض المظاهرات إعطاء تفويض للسيسي علشان يعمل اللي هو عايزه.

اللي نعرفه هو إن حكومتنا، باسم الدفاع عن الأمن القومي، بتحارب منظمات المجتمع المدني، وبتتهم العاملين فيها بالعمالة والخيانة وبإنهم بيسترزقوا من التمويل الأجنبي، بالرغم من إن الحكومة نفسها وتحديدًا الجيش، هي أكبر مستفيد من التمويل الأجنبي اللي ما حدش عارف عنه حاجة ولا نقدر نسأل عنه تلت التلاتة كام.

اللي نعرفه هو إن حكومتنا، باسم الدفاع عن الأمن القومي، قبضت على عشرات الآلاف من أعضاء الجماعات الإسلامية وحكمت على المئات منهم بالإعدام في محاكمات ما استغرقتش دقائق معدودة، محاكمات تعد ضربة قاصمة لنزاهة القضاء المصري ولثقة الناس فيه.

اللي نعرفه هو إن حكومتنا ، باسم الدفاع عن الأمن القومي، قبضت على مئات الصحافيين والكتاب والناشطين السياسيين وحكمت عليهم بسنين طويلة في السجن.

واللي نعرفه هو إن حكومتنا بعد كل ده فرطت في الأمن القومي وانتهكت الدستور لما تنازلت عن السيادة على جزيرتي تيران وصنافير من غير ما تعرض الأمر على البرلمان ومن غير ما تستفتي الشعب، صاحب البلد وصاحب السيادة الأصلي.

اعلان