Define your generation here. Generation What
باتمان vs سوبرمان: أسئلة ليكس لوثر الخمسة!
 
 

طبيعي أن يثير فيلم Batman v Superman سخط العديد من المشاهدين، وباﻷخص محبي فن الكوميكس، لأن ما فعله المخرج زاك سنايدر ليس طبيعيًا على الإطلاق.

حطم الرجل عن عمد أبجديات ثقافة الكوميكس الشعبية Pop Culture التي نشأنا عليها منذ كنا صغارًا، لدرجة أنه أعدم جيمي أولسون، المصور الشهير بجريدة دايلي بلانت، في أول عشر دقائق من الفيلم، بعد أن اكتشفنا أن الولد الطيب المسكين، الذي كنا نطالع صوره في مجلات سوبرمان بشعره البرتقالي وخدوده المليئة بالنمش، عميل للمخابرات المركزية الأمريكية!

رغم هذا، أرى أن ما فعله “سنايدر” غاية في العبقرية، والفيلم عمل شديد الأهمية، سيغير كل شيء في ثقافة الكوميكس الشعبية. كذلك، فلأول مرة، يجعلني “سنايدر” شخصيًا، أضع كريستوفر نولان في مقارنة مع أحد، ولأول مرة أشعر أن نولان محافظ جدًا في تجربته، بالمقارنة بمبدع مثل “سنايدر”، الذي يملك رؤية تقدمية مذهلة، هي في الحقيقة سبب الصدمة البالغة لدى محبي الكوميكس!

***

الإبداع نوعين، الأول إبداع بيحافظ على اللي قبله Sustaining (زي مثلا سوني ووكمان. كان إبداع جديد قام بتصغير حجم مسجل الكاسيت)، والثاني إبداع بيفجر اللي قبله Disruptive (زي مثلا الآيبود/ الآيتونز، غيروا شكل صناعة المزيكا أساسًا). زاك سنايدر في الفيلم فجّر كل حاجة. فكّك عالم سوبرمان وعالم باتمان بكل مفردات (وأحيانًا ثوابت) ثقافة الكوميكس اللي ولدت الشخصيتين منذ ما يقرب من 80 سنة، وفكّك بجرأة عنيفة إحالات كتير جدا بتربط جمهور الثقافة دي بمفردات القصتين، وبعدين بنى عالم تاني جديد تمامًا، تمامًا يا جماعة، انسوا إطلاقًا إنكم بتتفرجوا على سوبرمان وبات مان اللي تعرفوهم. “سنايدر” (وربما بالتواطؤ مع كريستوفر نولان منتج العمل، ومنتج الجزء الأول Man of Steel، ومخرج ثلاثية Dark Knight) بيقدم منتج جديد تمامًا لا يقارن بأي شيء قبله، منتج مش بيحاول يسوق لقصة كوميكس مشوقة (فقط)، على قد ما بيناقش مفاهيم مهمة، وبيسأل أسئلة حرجة جدًا، ومهمة جدًا، تتعلق بالخير والشر والذاتي والمطلق بشكل عام، ومفهوم الإله وعلاقته بالبشر بشكل خاص.

***

عوالم باتمان وسوبرمان عند زاك سنايدر ليست كما نعرفها، وإنما يقوم بتعديلها وتشويهها بلا رادع. فقد قتل جيمي أولسون، وميرسي، مساعدة ليكس الشهيرة، وقتل ألفريد نفسه كما نعرفه، الذي لم يعد الخادم الإنجليزي الأنيق. قتل سنايدر الخادم، وأحل محله ألفريد صديق باتمان ومساعده التقني. ستجد بروس وين في الفيلم هو من يقدم القهوة لألفريد.

الزمان والمكان مشوهان تمامًا. قارَبَ سنايدر جوثام سيتي ومتروبوليس مكانيًا حتى لم يعد يفصلهما سوى خليج صغير، وزمانيًا أيضًا، فأصبح سوبرمان حديث العهد على باتمان.

لم يعد كلارك كينت صحفيًا خجولًا مغلوبًا على أمره، وإنما أصبح جريئًا مبادرًا، وعلاقته بلويس لين أصبحت مستقرة ومعلنة. بروس وين لا يظهر أيضًا بشكله المعتاد، زير النساء الصاخب الذي لا يكترث بشيء. لعب “بن أفليك” شخصية رجل جاد، مهموم، يعمل طول الوقت دون أدنى فرصة للهو، ويعيش مجاورًا لأطلال قصر أبيه وأمه.

من يتخيل أن يرتدى باتمان معطفًا فوق زيه المعروف؟ 

***

لا أعلم إلى أين سيصل تأثير الفيلم، الذي تخطت إيراداته حتى الآن نصف مليار دولار، كيف سيؤثر على صناعة الكوميكس وأفلام الأبطال الخارقين بصفة خاصة، وطريقة التعامل مع الثقافة الشعبية Pop Culture بصفة عامة. كيف سيُقدّم سوبرمان/ باتمان في الأفلام السينمائية في ما بعد؟ هل بشكلهما التقليدي، أم استمرارًا لمفردات سنايدر الجديدة؟ لا أعلم، لكن بالتأكيد سيكون تأثير تقنية التفكيك/ التركيب التي قدمها سنايدر بالغًا!

***

المشهد الافتتاحي للفيلم اللي تم تقديمه تحت عنوان “البشر يتعرفون على سوبرمان لأول مرة” بيستدعى لقطات من الجزء الأول من الثنائية، أثناء صراع سوبرمان مع عدوه ومواطنه الكريبتوني الجنرال “زود”، في معركة جبارة في سماء “متروبوليس” تنتهي بمقتل الآلاف من الأبرياء قبل أن يقضى سوبرمان على زود. أثناء المعركة الرهيبة ينهار مبنى إحدى شركات “بروس وين”، يفشل الأخير في إنقاذ أصدقائه بالداخل، ولا يتبقى من المبنى سوى “والاس”، موظف بسيط انهارت عارضة حديدية على قدمه التي تعرضت للبتر لاحقًا.

في مشهد تالٍ (وكل حبكة الفيلم حدثت بعد 18 شهر من الحادث السابق)، يعلق كلارك كينت في صحيفة دايلي بلانت على خبر مفاده أن باتمان أصبح يختم المجرمين بشعار “الوطواط الملتهب”، بأن باتمان أصبح، بالتعبير الشائع، دولة داخل الدولة، راعي بقر يعامل الآخرين كقطيع من المواشي، يترك أثره “شفرات الوطواط” كتوقيع في أماكن تواجده معلنًا عن الحدود الجغرافية لنفوذه، وأنه خارج السيطرة، وألا معنى لأن يصبح شخص ما المحقق والقاضي والجلاد في الوقت نفسه دون أدنى احترام لسلطة الشعب. يبدى كينت رغبته في القيام بشن حملة تحقيقات في الصحيفة لردع الوطواط.

يبدو من المشهدين محرك الصراع في القصة: باتمان يريد الانتقام من سوبرمان، وسوبرمان يريد تدجين باتمان، ولكن، في اعتقادي، هذا ليس المحرك الحقيقي!

***

ليس هناك ممثلون في الفيلم!

أداء الجميع كان بسيطًا جدًا ونمطًيا جدًا -عن عمد، وأرى أن لو “أحمد السقا” هو من قام بدور باتمان بدلًا من “بن أفليك“، لم يكن ذلك ليغير من الأمر شيئًا! (باتكلم جد فعلًا).
دور واحد فقط شهد أداء استثنائيًا، هو الدور غير المتوقع لليكس لوثر الذي قام به جيسي أيزنبرج، السايكوباتي، العبقري، الشاب حديث السن، وريث إمبراطورية ليكس كورب، وضحية العنف الأبوي!

ولأول مرة، أشعر أن هناك من اقترب من مستوى تألق الدور الأسطوري لهيث ليدجر “الجوكر في Dark knight” (معلش، الدور ده مسبب لي عقدة)، ساعد ليدجر المكياج والمؤثرات، بينما لم يعتمد جيسي سوى على مهاراته الذاتية كممثل! ومثلما انحفرت عبارة Why so serious؟ في ذهني، مصحوبة بكل ذرة انفعال في صوت وهيئة الجوكر، أعتقد أن عبارة ليكس وهو يكرر: The red capes are coming (الحرملات الحمراء قادمة) ستظل في ذهني أيضا فترة طويلة، تصاحبها تعابير ذهول العبقرية المجنونة في عيني ليكس.

عمومًا، أعتقد أن ليكس لوثر هو البطل الحقيقي للفيلم، وهو المحرك الأساسي للصراع والأحداث، وهو الشخص الوحيد الذي يسأل الأسئلة الصحيحة. بتعبير أدق، هو المتحدث الرسمي لزاك سنايدر!

***

لويس لين، وتقوم بدورها آيمي أدامز، صحفية الـ “دايلي بلانت”، التي تحولت فجأة من الفتاة الجميلة الممتلئة شبابًا الواقعة في غرام كلارك كنت/ سوبرمان، إلى سيدة أربعينية (لا أستطيع كتم ضحكاتي المعجبة بجرأة سنايدر)، تصطحب جيمي أولسن إلى أفريقيا في مهمة صحفية لمقابلة زعيم متمردين أفارقة، تكتشف فرقة المرتزقة المكلفة بحماية الزعيم أن أولسن عميل للمخابرات الأمريكية، فيُقتل، وتُهدد لويس، قبل أن تنشق السماء عن سوبرمان الذي يقوم بإنقاذها، وفي مشهد غريب، تنقلب مجموعة المرتزقة على المتمردين الأفارقة -المفترض بهم حمايتهم- ويقومون بقتلهم في مجزرة بشعة،  لإلصاق التهمة بسوبرمان!

من نصب هذا الفخ لسوبرمان؟

ليكس.

***

السؤال اﻷول لليكس:
ماذا يضمن ألا يتحول سوبرمان إلى طاغية؟

مشكلة ليكس لوثر (وصدق أو لا تصدق، هي محرك القصة الأساسية) أنه قضى ليالي طويلة يستنجد بالله لينقذه من عنف والده. تركت تلك الفترة تشوهات غائرة في نفسه. شعر أن الله قد خذله، وأنه إما كيان مليء بالخير يراه ويسمع استنجاده ولكن غير قادر على مساعدته، أو قادر على المساعدة لكنه ليس كيانًا خيرًا. لم يعد ليكس يثق في الله!

هذه مشكلة ليكس الأساسية مع سوبرمان، الكائن الجبار، الإله متجسدًا، بحد وصفه. كيف يمكنه الوثوق فيه؟

منذ ظهور سوبرمان، وليكس يبحث عن حل لهذه المشكلة. كيف يمكن ردع سوبرمان، كيف يضمن ألا يتحول إلى طاغية، مثل طغاة أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية، الذين كانت الجماهير المقهورة تُسيّر أمامهم ملوحين رغمًا عنهم بالزهور، يصف ليكس هذا المشهد، متذكرًا كلمات أبيه الذي مر بنفس الظروف قبل رحيله من أوروبا إلى أمريكا.

حاول ليكس التحالف مع الحكومة، طلب من عضوة بارزة في مجلس الشيوخ أمرين: أود إدخال شحنة كريبتونايت، عُثر عليها في المحيط الهندي، إلى مدينة متروبوليس، والثاني: أريد الحصول على سفينة الفضاء التي جاء بها الجنرال زود، مع جثة الجنرال نفسه!

***

في نفس الوقت يعلم “بروس وين” بأمر شحنة الكريبتونايت التي عُثر عليها، ويصمم على الحصول عليها بأي ثمن ليتمكن من القضاء نهائيًا على سوبرمان. يتعقب الشحنة ليعلم أن ليكس لوثر على علاقة بها.

يحاول “ألفريد” إثناءه عن عزمه في المضي إلى الحرب، فسوبرمان لا يشكل تهديدًا آنيًا. يرد بروس: ربما لا يكون عدونا اليوم، لكن ماذا عن الغد؟ انظر حولك يا ألفريد، كم شخص جيد ممن كنا نعرفهم في جوثام، ظل جيدًا؟ الناس تتغير يا ألفريد! هل سننتظر حتى يمحونا جميعًا من على وجه الأرض!

يكرر ألفريد أن التخلص من سوبرمان سيخلق لدى الناس حالة خطرة من الشعور بالعجز، سيكفر الناس حينها، وسيرتكبون الفظائع!

لا يثني ذلك وين عن عزمه، يقرر اقتحام قصر ليكس لوثر ليعرف المزيد من المعلومات، يخبره ألفريد، مستسلمًا لعناد سيده، أنه ليس مضطرًا لذلك، لأنه تلقى دعوة بالفعل من ليكس نفسه لحضور حفل خيري يقيمه بمنزله!

***

السؤال الثاني لليكس:
لماذا يُحتّم على الإنسان امتلاك المعرفة دون القوة؟

في حفل جمع التبرعات لإنشاء مكتبة جديدة في ميتروبوليس، والمقام في قصر ليكس لوثر، تدعو مقدمة الحفل المحسن الكبير، رجل الخير، لإلقاء كلمته. ينتبه ليكس فجأة أنها تقصده. يسأل في استنكار حقيقي: “رجل الخير.. أنا؟” يضحك صاعدًا إلى المنصة، ويحكي للحضور قصة من اﻷساطير الإغريقية عن بروميثيوس سليل اﻵلهة الذي سرق نار المعرفة من زيوس ليمنحها للبشر، قبل أن تحل عليه لعنة اﻷخير. في مشهد عبقري، يتساءل ليكس بغضب عارم: ألم البشر يأتي عند امتلاكهم المعرفة دون القوة. ألا يبدو هذا تناقضًا؟ ينتفض ويشكر الناس خاتمًا كلمته القصيرة العصبية.

***

الإله لا يُسأل عما يفعل، هذه مشكلة سوبرمان. كلارك كنت يقابل بروس وين لأول مرة في الحفل الخيري المدعو إليه الاثنان. يسأل كنت: “ما رأيك في المتمرد الموجود لديكم في جوثام؟”، فيرد وين: “أرى أنكم تتعاملون مع الموضوع بنوع من النفاق، باتمان لا يروق لكم، وفي نفس الوقت، تحتفلون وتبتهجون إذا ما أنقذ سوبرمان قطة، متناسين إنه تسبب في مقتل الآلاف، وأن لديه القدرة على محو الجنس البشري لو أراد”. يرد كنت: “أعتقد أن الكثيرين لا يتفقون معك يا سيد وين.”

سوبرمان في المخيلة الشعبية منقذ ومخلص، إله حقيقي متجسد. الناس لم تشاهد الله، ولم ير أحد المسيح، لكنهم يتعاملون يوميًا مع سوبرمان، ويرونه رأى العين. يبتهلون إليه أثناء المصائب، يمدون إليه يد الرجاء، ويجدون منه الإجابة. سوبرمان هو من ينقذ الطائرات الساقطة، ورحلات الفضاء التي تنفجر صواريخها، يجر السفن الجانحة، ينقذ الأمريكيين العالقين وسط موجات تسونامي، ويلبي نداء أسرة فقيرة في أمريكا الجنوبية علقت ابنتها في مبنى محترق.

يكاد الناس يسجدون أمامه في مشاهد وثنية يصورها الفيلم ببراعة، مستدعيًا لحظات الإنسان البدائي الذي عبد البرق والرعد وكل ما لا يُفهم، وكل ما تُخشى قوته الجبارة.
لا يبدو أن سوبرمان يدرك خطورة وجوده وسط جنس بشري ضعيف ومنهك، لا يحاول إطلاقًا نفي  صفة الألوهية عن نفسه، يترك البشر، بعمد أو بغير عمد، يضعون أنفسهم تحته في مصاف العبيد.

لاحقا يرى بروس وين كابوسًا مريعًا: سوبرمان يقود كائنات خارقة للسيطرة على الأرض، يسانده بشر استعبدهم، لتنفيذ هولوكوست جديد ضد البشرية جمعاء.

***

“والاس كيف”، الموظف السابق لدى بروس وين، والناجي من تدمير مبنى وين فينانشيال في متروبوليس، تعرضت ساقاه للبتر إثر الحادث، وأضحى يتنقل على كرسي متحرك.

لدى والاس مشكلة مع سوبرمان، يرى أن الأخير تسبب في مقتل أصدقائه مع آلاف غيرهم، وتسبب في إقعاده، ورغم ذلك فسوبرمان يتحرك كما يريد حرًا طليقًا، وينال محبة وتقديس الناس، بل وكُرّم عبر إنشاء ساحة تذكارية مكان المباني المدمرة (ﻹحياء ذكرى إنقاذه للأرض وصده لهجوم الجنرال زود)، نُصب له فيها تمثال ضخم، مع حائط نقشت عليه أسماء ضحايا المعركة، وأخذ المكان اسم “نصب الأبطال”.

(بالمناسبة، هناك تناظر واضح جدًا بين مشهد الافتتاحية، تدمير وانهيار مبنى وين، والغبار الكثيف المتصاعد الذي انفجر غامرًا جادات متروبوليس، والضحايا الذاهلين المغمورين بالتراب، وبين مشاهد 9/11. كذلك بين “نصب اﻷبطال”، ونصب “جراوند زيرو” الموجود حاليًا مكان برجي التجارة العالمي بنيويورك).

يقاوم “والاس” شعوره بقلة الحيلة، يتحرك إلى النصب التذكاري، ويصارع لكي يصعد إلى كتف تمثال سوبرمان، ويكتب على صدر التمثال بالرشاش الأحمر عبارة “إله زائف!”

تنقل كاميرات التليفزيون ما فعله “والاس” في النصب التذكاري للبطل المحبوب. ينقسمون بين معارض ومؤيد لفعلته، إلا أنه بفعلته يوقظ من جديد النقاش حول طبيعة وقدرة سوبرمان، ومدى التزامه أمام الجنس البشري.

تحتجز الشرطة “والاس” مؤقتًا.

من يدفع كفالته ويخرجه؟

سوبرمان؟ باتمان؟

خطأ.

كلارك كنت؟ بروس وين؟

خطأ.

ليكس.

***

السؤال الثالث لليكس:
هل تعرفين أقدم كذبة في التاريخ الأمريكي؟

يفشل ليكس في إقناع عضوة مجلس الشيوخ “فينش” بتسهيل دخول شحنة الكريبتونايت، ويقرر الحصول على الشحنة بطريقته الخاصة. وتدرك هي أن ليكس لا يسعى لصناعة سلاح ردع ضد كائنات كريبتون الخارقة، كما يدعي، وإنما للقضاء على سوبرمان كليًا. بينما قضية فينش الحقيقية هي إدماج سوبرمان في البناء الديمقراطي للأمة، أن يصبح قابلًا للمساءلة.

يقرر ليكس إزاحة فينش تمامًا من الصورة، ويستخدم والاس كحصان طروادة لتحقيق أكثر من هدف. بعد أن دفع كفالته، يهديه كرسيًا متحركًا متطورًا، ويخبره أنه يؤمن بقضيته ضد سوبرمان، وأنه سيدعمه في حملته، ماليًا وإعلاميًا وسياسيًا.

تقرر فينش إقامة جلسة استماع في مبنى ممثلي الشعب الأمريكي، الكابيتول، وتدعو سوبرمان على الهواء للمثول أمام الشعب لتوضيح موقفه. هي ترى أن عظمة تجربة الشعب الأمريكي تكمن في قدرته على الحوار، يجب علينا إشراك سوبرمان في حوار مع ممثلي الشعب، كل الناس يسألون عما يستطيع سوبرمان فعله، لكن أحدًا لم يسأل عما يجب عليه فعله، هل سوبرمان “جيد” أم لا؟ علينا تعريف كلمة “جيد” بالحوار.

كما تدعو ليكس ووالاس وضحايا آخرين أوقعهم حظهم العاثر في نطاق معارك سوبرمان. قبل الجلسة، يحاول ليكس الضغط مرة أخرى على “فينش”، تقف بشجاعة قائلة: “سيد لوثر، لقد نشأت في مزرعة، يمكنني مصارعة الخنازير.”

يسألها: “سناتور.. هل تدركين أقدم كذبة في التاريخ الأمريكي؟”، ويرد على نفسه قائلًا: “إن القوة (السلطة) يمكن أن تكون بريئة!”

الحقيقة أن ملاحظة ليكس جديرة بالتأمل. إذا كانت قوة/ سلطة البشر المحدودة تصيب من يمتلكها بما يشبه الجنون، بما يجعل اقترانها بالضمير مستحيلًا، فما بالك باقتران القوة/ السلطة اللا نهائية بسوبرمان، إلى أين يمكن أن يصل به الجنون؟ إلى أي مدى سيقدم لنفسه مبررات في سبيل استخدام قوته، وتحقيق ما يريد من “خير برئ” من وجهة نظره؟

ورغم تشكيك العديدين في استجابة سوبرمان لدعوة السيناتور، لدرجة أن إحداهن تقول: “لن يجيبك يا سيدتي. لن يجيب الله نفسه لو دعاه” (لاحظ ترسخ فكرة قوة سوبرمان في المخيلة العامة كقوة تسبق قوة التصور الكلاسيكي للإله)، إلا أن سوبرمان يظهر بالفعل أعلى مبنى الكابيتول. يتحلق حوله المئات من المؤيدين والمعارضين، ويدلف بهدوء إلى قاعة الجلسة، ولا تمضي دقيقتان، حتى يهتز مبنى الكابيتول بانفجار مروع، يقضي على جميع من كانوا في القاعة!

من الوحيد الذي تغيب عن الجلسة، وبقى كرسيه شاغرًا؟

من زرع المتفجرات في الكرسي المتحرك لوالاس؟

من يريد توريط سوبرمان من جديد؟

من يريد إزالة عقبة “فينش” إلى الأبد؟

ليكس!

***

يصاب “سوبرمان” بإحباط شديد؛ المزيد من الضحايا بسببه. ويقرر الاختفاء.

يتخيل مقابلة الراحل جوناثان كنت، الرجل الذي عثر عليه وربّاه مع زوجته مارثا. يحكي له جوناثان حكاية: “حدث عندما كنت صغيرًا أن ساعدت أبي في دفع مياه السيول خارج مزرعتنا، كادت مزرعتنا تغرق، لكننا بذلنا جهدًا خارقًا لصد المياه. عند عودتنا للمنزل نعتتني أمي بالبطل، وصنعت لي كعكة خصيصًا. هل تعلم ماذا حدث بعدها، اكتشفت أن المياه التي صددناها ارتدت للمزرعة المجاورة، وأغرقت جميع الخيول الموجودة هناك. كانت الخيول تغرق بينما أتناول أنا كعكة الأبطال! ومن وقتها وأنا أسمع نحيبهم في أحلامي”. يسأله كنت: “وهل توقف النحيب؟”، فيرد الأب: “نعم، فقط عندما قابلت أمك. أمك جعلتني أؤمن أن ثمة خيرًا في العالم، هي كانت العالم بالنسبة لي”.

يقول للويس لين: “سوبرمان لم يكن يومًا حقيقيًا. كان حلم مزارع في كانساس”، ويقصد والده. ترد لين: “لا، سوبرمان يعني الأمل”.

يبدأ الناس في التساؤل عن اختفاء سوبرمان. هل هو متورط بالفعل في انفجار الكابيتول؟ هل يداه ملطختان بالدماء؟

يدرك ليكس أن طبخته على وشك النضوج. يختطف مارثا والدة سوبرمان لإجباره على الظهور وعلى مواجهة نهائية مع “باتمان”: هل تريد استعادة مارثا؟ آتني برأس الوطواط. بالمناسبة أن لا أعلم أين أخفى رجالي مارثا. طلبت منهم ألا يبلغوني، حتى لو عذبتَني لا يمكنني الإفصاح. أمامك ساعة من الآن، وإلا ستموت مارثا!

مغالبًا تأثره يقول سوبرمان للويس: سأذهب إلى باتمان، عليه أن يساعدني، أو يموت.. لا أحد يظل خيرًا للأبد يا لويس.

***

بالنسبة لباتمان فقد بلغ السيل الزبى. يقتحم أحد مباني ليكس، ويختطف حجر الكريبتونايت، ويترك توقيعه مغروسًا مكان الحجر.

يضئ مصباح علامة الوطواط الشهيرة. يستدعي سوبرمان إلى المنازلة الأخيرة. غير مدرك للفخ الجديد الذي قام ليكس بحبكه. يجهز أسلحة مكونة من عنصر الكريبتونايت، ويرتدى بذلة حديدية إضافية فوق بذلة باتمان العادية، ويقف لينتظر. يظهر سوبرمان، يحاول جعل باتمان يدرك أبعاد الموفق، وطلب مساعدته في إنقاذ مارثا. لا يعطيه باتمان الفرصة ليشرح، ويمضي في المعركة غير عابئ بشيء.

الكريبتونايت يقضي على قدرة ومقاومة سوبرمان.

يصرخ باتمان: الآن، هل تشعر بالخوف؟ أنت لست شجاعًا.. الإنسان شجاع!

يتهاوى سوبرمان بعد صراع عنيف تحت قدم باتمان، ومستجمعًا قواه الأخيرة، لا ينفك يردد عبارة واحدة: “مارثا.. انقذ مارثا”.

لا يعي باتمان ماذا يعني سوبرمان بـ “مارثا”، ولماذا يستمر في ترديد اسم أمه “مارثا وين” -التي شهد مقتلها هي وأبيه بعينيه وهو لا يزال طفلًا. تجيبه لويس لين التي تهرع إلى مكان المعركة على متن مروحية دايلي بلانت: “مارثا هي أمه”.

يهتز “باتمان” لأول مرة. يعلم يقينًا أن سوبرمان استطاع قتله من بداية النزال لكنه لم يفعل، وتركه ينال منه في محاولته لإنقاذ شخص، إنسانة، بشرية، مثل أمه التي لم يستطيع إنقاذها. الإله يعرض نفسه للموت من أجل إنسان!

هل كان مخطئًا في حكمه على سوبرمان؟

إذن، إذا لم يستطع إنقاذ مارثا وين، فلينقذ مارثا كنت!

***

السؤال الرابع لليكس:
لماذا لم يقتل باتمان سوبرمان؟

بإرشاد ألفريد، يتمكن باتمان من العثور على مارثا وإنقاذها بعد معركة ِشرسة مع مرتزقة ليكس، أما سوبرمان الذي عادت إليه قواه، فيبحث عن ليكس.

ليكس اﻵن في حطام سفينة “زود” يقوم بفعل شنيع، يستغل التكنولوجيا المذهلة الموجودة على متن السفينة، ويمزج الحمض النووي الخاص به مع آخر مأخوذ من جثة الجنرال “زود”، ويترك الآلات الرهيبة الموجودة على متن السفينة تعالج المزيج، ليخلق وحشًا كريبتونيًا جديدًا لا يمكن للبشر تدميره. إلهًا كريبتونيًا يخضع لمشيئته هو (إذا كان الإله قد خذل ليكس صغيرًا، فها هو يخلق ويُخضع الآلهة) ساعيًا لهدف واحد فقط: قتل سوبرمان!

لقد أعطيتُ باتمان فرصة. لكن إذا كان الإنسان رفض قتل الإله، فالشيطان سيفعل!

لا يهمني وصف تفاصيل المعركة بين الوحش الجديد وبين سوبرمان، الذي ينضم إليه في معركته هذه باتمان، باﻹضافة إلى ووندر وومان (ومن أهم أسباب وجود ووندر وومان في الفيلم، تعويض غياب عنصر أنثوي قوي أو قصة رومانسية في الفيلم، فكان لا بد من الاستعانة بجاذبية وغموض الشخصية التي لعبتها العارضة الشهيرة جال جادت). ينتهي الصراع بسوبرمان مضحيًا بنفسه من أجل الإنهاء على المخلوق الشنيع.

***

لا مكان للحكومة في عالم سنايدر. هو يحتقرها للغاية. وزير الدفاع الأمريكي شخص هامشي جدًا، يمشي دون حراسة، وتستطيع “لويس لين” التسلل إليه وقتما شاءت، بل أنه هو من يذهب إليها خاضعًا لسلطة الشعب التي يريد سنايدر إعلاءها. لا وجود للشرطة، وصدق أو لا تصدق، لا وجود للمفوض جوردون (الشخصية الأبوية المثالية، التي لعب دورها باقتدار جاري أولدمان في ثلاثية دارك نايت)، ورئيس الولايات المتحدة مجرد صوت مجهول يخرج من الهاتف.

يقول “بيري وايت” رئيس تحرير الـ “دايلي بلانت”: الضمير اﻷمريكي مات مع أبراهام [لنكولن] ومارتن [لوثر كينج] و[جون] كينيدي يا كلارك”!

***

تقام جنازتان لسوبرمان، واحدة بسيطة في مزرعة كنت بكانساس، وأخرى رسمية مع طقس طي العلم و21 طلقة مدفع. تقول دايانا برنس، شخصية الظل الخاصة بووندر وومان، لبروس وين: لا يعرفون كيف يكرمونه سوى كجندي!

يخبر وين دايانا أنه يشعر أنه خذل سوبرمان، وأنه يجب عليهم الاتحاد (يقصد هو والخارقين من أمثال ووندر وومان، البطلة الخارقة الأمازونية)، فترد أنها ابتعدت عن التدخل في مجريات الصراع البشري منذ 100 عام (تقصد منذ الحرب العالمية الأولى)، فالبشر خلقوا عالمًا يستحيل فيه التضامن.

يخبرها وين بأن الإنسان فيه الخير، نعم نقتل ونخون، لكن دائمًا يمكننا إعادة البناء.. يجب علينا إعادة البناء.

وهنا بالظبط محور الحل اللي بيقدمه زاك سنايدر للصراع البشري. الحل ليس في القوة، ولا المعرفة. الحل في العدالة. كيف تقام حضارة بشرية قائمة على فكرة العدل، فقوة ومعرفة الغرب لم تمنعا قيام وتمدد داعش. غياب العدالة هو الذي أنشأ داعش، كذلك تواطؤ الغرب مع ديكتاتوريات الشرق الأوسط، وغض الطرف عن غياب العدل في هذه المنطقة من العالم. لذلك فالعنوان الثانوي للفيلم “فجر العدالة”، وربما يشهد الجزء القادم من الفيلم تقديم سنايدر رؤيته لشكل هذا الإطار البشري الجديد القائم على فكرة العدالة.

يُقبض على ليكس ويودع السجن. يصل إليه باتمان، ويتأهب لوسمه بشعار الوطواط المعدني الملتهب سخونة، ويتراجع في النهاية، فليكس ليس مثل باقي حثالة المجرمين، ليس مجرد سارق أو قاتل. ليكس يفوق باتمان نفسه عبقرية. ولولا الصراع الذي خلقه ليكس، لما زالت غشاوة الانتقام عن عيني باتمان، ولظل يعمل وحيدًا كمجرم مارق، ولما وردت في ذهنه فكرة تكوين رابطة للعدالة. 

يكتشف باتمان في النهاية أنه يكنّ احترامًا لليكس.

***

في هذا الفيلم تحديدا، شعرت أن سنايدر يستغل ظاهرة دخول المشاهدين السينما أكثر من مرة لمشاهدة نفس الفيلم. واضح أن الفيلم، الذي تبلغ مدته ساعتين ونصفًا، مصمم بشكل لا يمكنك فهم أحداثه وربطها سويًا والخروج بخلاصة واضحة المعالم من أول مرة، وأنه يجبرك على دخوله على اﻷقل مرة واحدة مجددًا، وبالتالي تحقيق أرباح أكثر. كما أقحم سنايدر لقطات بعينها في الفيلم بشكل غامض، للتنبؤ بأحداث ستقع في الجزء القادم، مثل لقطات تبشر بوجود كائنات بشرية خارقة، يحاول بعضها التواصل مع بروس وين بشكل غامض وغير مفهوم، والهدف الترويج للجزء القادم.

***

السؤال الخامس لليكس:
هل تأتي الشياطين بالضرورة من الأسفل؟

طول الوقت بنخترع أيقونات دينية على شاكلتنا، وبنـسقط نفسنا عليها. سوبرمان ليس بالضرورة شيطانًا أو مسيحًا. ممكن ببساطة يكون كائن -مثل أي كائن- بيحاول يعمل الصواب وكفى. مجرد بيحاول، لا يدعي أنه إله، ولا يطلب من أحد أن يصبح إلهًا!

ليست تلك المرة الأولى التي يناقش فيها سنايدر العلاقة بين البشر والكائنات الخارقة أو أنصاف الآلهة، فعل ذلك في أفلام مثل Watchmen (والعلاقة مع دكتور مانهاتن) و 300 (وعلاقة اﻹسبرطيين بطبقة الكهان، ومدعي الألوهية مثل الملك الفارسي زركسيس).

رغم سقوط سوبرمان في نهاية الفيلم، لا يزال لدى ليكس هوس بقدوم آلهة جديدة، أو شياطين جديدة، والشياطين لا تأتي بالضرورة من الأسفل. ربما تأتي من الأعلى. ما الفرق بين الإله والشيطان لدى ليكس على أي حال؟

وكما قال لباتمان في لقائهما الأخير: قُرع الجرس، وسُمع النداء من بين النجوم.. وهو قادم!

دينج.. دينج.. دينج.. دينج.

اعلان