Define your generation here. Generation What

ابن الشارع وابن الناس.. عن حق “طفل المؤسسة” في التعليم

– “التعليم حق لجميع الأطفال بمدارس الدولة بالمجان” (مادة 55 من قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008).

– “التعليم حق لكل مواطن” (مادة  19 من دستور 2014).

– “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق، أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوي الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو لأي سبب آخر” (مادة 53 من الدستور نفسه).

***

لاحت أمامي سعاد حسنى في فيلم “خلى بالك من زوزو” وهى تدافع باستماتة عن مكانتها الاجتماعية كطالبة في كلية الآداب عندما وصمها أحد زملائها المتشددين (أيام السبعينات) بأنها “بنت راقصة لا تستحق لقب الطالبة المثالية، لأنها تحل محل أمها في الكباريهات”، فقالت بإباء: “أنا لو كانت أمي فرّانة، كنت حارجع من الكلية علي الفرن، بتاعة كشك سجاير، كنت حاقف بدالها تلات أربع ساعات علشان أريحها”، حائزة بهذا على تصفيق وتصديق أغلب الزملاء. كما تذكرت أيضًا أحمد زكى في فيلم “أنا لا أكذب ولكنى أتجمل” حين حاول، دفاعًا عن نفس الوضع، تبرير مداراته لخلفيته الاجتماعية، بكونه سيُنبذ من أقرانه في الكلية إذا أعلن أنه ابن تُرَبى وعاملة منزل، وأعلن أنه سيتخطى هذا الوصم بجِده واجتهاده في الدراسة. لم تكسبه مبرراته هذه المرة تعاطفًا من فتاته وزميلته،  التي صحيح أن أباها رباها على قيم العدالة وتقبل الآخر، ولكنها لم تستطع احتمال رؤيته وهو يساعد أباه مواريًا أحد المتوفين، في المقبرة التي يعمل بها، الثرى، فأدارت ظهرها له ولفظته في صمت.

استدعيت هذين الموقفين بنفس استماتة سعاد حسنى وأحمد زكى، بينما أنا والمسؤول التعليمي في المؤسسة التي كنت أعمل بها، والتي ترعى أطفال السجناء والأطفال في الشارع والأطفال المعرضين لخطر النزول للشارع، نحاول إلحاق تسعة من أبناء وبنات المؤسسة لإحدى المدارس التجريبية التي تضم عشرة من أطفال المؤسسة من السنة الدراسية الماضية. ووُجهنا بتعنت وتمنع شديدين من مدير المدرسة، لقبول الأطفال الجدد بحجة أن زملاءهم السابقين يشكلون عبئًا على المدرسة وأنه لا يريد المزيد من “أطفال المؤسسة”. حاول المدير إعطاءنا موعدًا للمقابلة الشخصية التي تقوم بها المدرسة للأطفال، متأخرًا عن الموعد النهائي للقبول في المدارس، بهدف التخلص منهم نهائياً. كان يعتبر الأطفال حجر عثرة أمام النهوض بمستوى المدرسة، ليس التعليمي فقط ولكن الاجتماعي أيضًا، لتكون مثلاً يحتذى من المدارس الحكومية والتجريبية الأخرى.

“لا أستطيع أن أصف لكما حجم المشاكل التي سببها لنا وجود أطفالكم فى المدرسة السنة الماضية”، قالت لنا وكيلة المدرسة. وأضافت أن بنتًا  في الرابعة من عمرها لدى رجوعها من زيارة أهلها -حيث أن معظم الأطفال المقيمين في بيت الإقامة التابع للمؤسسة لهم أسر، ولكنها دفعتهم دفعًا للشارع أو أحضرتهم للمؤسسة لعدم رغبتها في رعايتهم- أخذت تحكى لزميلاتها، بدون لؤم البالغين، عن الأفعال المشينة التي تأتى بها أمها أمام الصغار في المنزل، وأجاب طفل آخر  على سؤال صديقه عما كان يفعل في إجازة آخر العام: “كنت بانضف شبابيك العربيات وأشحت.” وطفل ثالث سئُل “أبوك بيشتغل إيه؟”، فرد بثبات: “أبويا سرق وهو دلوقتي في السجن.”

صاحت الوكيلة: “بالله عليكم كيف أسمح بوجود أطفال صغار يخدشون حياء الأطفال الآخرين، أو بأن تكون هذه نوعية القصص المتداولة في ما بينهم في الفُسحة؟”، أضافت الوكيلة أن كل المجهود المبذول في المؤسسة، وكل المتابعات والزيارات الأسبوعية للمدرسة التي تجري للتأكيد على حسن أداء وسلوك الأطفال، تتبخر بعد أي زيارة أسرية ويبدأ المجهود من نقطة الصفر. وأضافت: “ولكن ما ذنب أطفال المدرسة الآخرين وذنب أولياء الأمور الذين يريدون بيئة صحية لأطفالهم؟”، صدقتُ على النقطة الأخيرة لأننا لا نملك بالفعل سلطانًا على الأهل، عندما يُسَرِّحون أطفالهم أثناء الزيارة الأسرية في الشوارع للتسول، أو عندما يعتدون عليهم بدنيًا وجنسيًا أبشع أنواع الاعتداء. ولا تقوم مؤسسات الدولة بحماية الأطفال من ذويهم، و لهذا حديث آخر.

ولكن هناك قصة مقابلة سمعتها من بعض أطفال المدارس الخاصة والدولية، التي عملت في كثير منها طيلة العشرة أعوام السابقة، ونقلتها لوكيلة المدرسة التجريبية، وأنا أعبر لها عن تفهمي لاعتراضاتها على أطفالنا:

“لماذا تجزعين عندما أخبرك أن الشتائم والحشيش شيئان مألوفان عندنا في المدرسة، وأن كثيرًا من أباء زملائي منفصلون ومطلقون، ولا يكترثون بما يفعله أبناؤهم ويتشاجرون حول من يدفع مصاريف المدرسة، وكثيرًا ما يمتنع الأب عن الدفع للتنكيل بطليقته، وأن بين أهالي اﻷطفال من هو مسجون حاليًا لاستيلائه علي أموال طائلة من الدولة. جنس ومخدرات شغال، ولا يوجد ممنوع، هناك فقط مال كثير.”

وسألتها: “هؤلاء هم “أولاد الناس”. فهل تصفين البيئة التي ينشأ فيها هؤلاء الأطفال بالبيئة الصحية؟ هم ضحايا تفكك أسرى وإهمال، والآخرون ضحايا تفكك أسرى وإهمال، ويضاف إليهما فقر يلازمه في أغلب الأحيان عنف شديد. ولكن الفرق الجوهري بينهم أن أولاد الناس يذهبون إلى مدارسهم الغنية في ورق سيلوفان يخفي بداخله كل موبقات المجتمع، بينما مشاكل أطفالنا مشاع وواضحة وجلية للجميع، ولا تغطيهم إلا مريلتهم الباهتة. هل كتب على أطفالنا أن يُختم على جباههم كونهم أطفال شارع وآفة من آفات المجتمع وحاملي أوبئة وأمراض؟ إلى متى يستمر لفظهم على يد الجميع، أسرهم، ومدارسهم، وومجتمعهم؟”

لم يرضخ وقتها زميلي، المسؤول التعليمي للمؤسسة، لتعنت المدير وتحفظ الوكيلة، وتوجه فورًا للمديرية التعليمية الخاضعة لها المدرسة لتحرير شكوى ضدهما، وقوبل بتفهم تام من المسؤولين الذين طمأنونا وأكدوا على حق جميع الأطفال في الالتحاق بالمدرسة، طالما استوفوا شروط سن القبول واجتازوا اختبار المقابلة الشخصية، التي تُقيّم القدرات الذهنية للطفل. على الفور هاتفتُ الإدارة المدرسة وأصررت على إلحاق الأطفال الجدد ومعاملتهم نفس معاملة الأطفال الآخرين. وفى محاولة أخيرة فكر مدير المدرسة في إيجاد خط رجعة بطلبه سحب ملف الطالب أو الطالبة من المدرسة في حال تسببهما لمشكلة، وهو ما لم توافق عليه المديرية.

أود التنويه هنا إلى أن زميلي هذا، وغيره من الزملاء الموظفين، ألحقوا أبناءهم بحضانة المؤسسة مع بقية الأطفال، أي في “بيئة غير صحية” حسب تعبير وكيلة المدرسة التجريبية.

ومع كل هذا فأنا لا أنكر كونها معضلة. هل تقبل أيها القارئ إلحاق ابنك أو ابنتك بمدرسة حكومية أو تجريبية تعلم أن بها أطفالًا في الشارع أو أبناء لأب مسجون؟ هل تريح ضميرك وتعرض، كما عرض علينا أولياء أمور المدرسة، التبرع بالمال والملابس لأطفالنا، بشرط أن “يبعدوا عنا وعن أطفالنا”؟ وهل تتراجع عن قناعاتك أيها الداعم لحقوق الإنسان، مثلك مثل بطلة فيلم “أنا لا اكذب ولكنى أتجمل” عندما تجد “المشكلة” صدّرت نفسها ودخلت بيتك؟ الأسئلة، على فكرة، لي ولكم.

اعلان
 
 
رانية فهمي