Define your generation here. Generation What
مؤتمر الذكرى الثانية لوفاة «سيف»: أوقفوا الإعدام
شهادات محامين وأهالي تشكك في إجراءات محاكمة محكوم عليهم بالإعدام
 
 
 

لا تحتل قضية عقوبة الإعدام الكثير من الاهتمام بين النشطاء السياسيين والحقوقيين في مصر، رغم تزايد وتيرة إصدار تلك الأحكام وتنفيذها مؤخرًا سواء في قضايا ذات طابع سياسي أو جنائي. لهذا السبب اختارت أسرة المحامي الحقوقي الراحل أحمد سيف الإسلام أن يكون إحياء الذكرى الثانية لوفاته عبر مؤتمر بعنوان: “في رحاب سيف: ضد الإعدام”، بحسب ما قالته منى سيف، الناشطة الحقوقية وابنه المحامي الراحل.

وفي مطلع المؤتمر، الذي استضافته مؤسسة حرية الفكر والتعبير في مقرها بالقاهرة، أمس السبت، أوضحت منى أن عقوبة الإعدام كانت إحدى القضايا التي تشغل “سيف” دائمًا. مضيفة أنها شخصيًا ترفض تلك العقوبة بشكل مطلق، غير أنها لا تتوقع أن يتبنى كل الحاضرين الموقف نفسه، داعية أن يكون هذا المؤتمر بداية لنقاش حول وقف أحكام الإعدام مؤقتًا لمدة خمس سنوات، خاصة مع ما وصفته بـ “إهدار كافة معايير العدالة سواء في المحاكم المدنية أو العسكرية”.

كانت منظمة العفو الدولية قد رصدت في تقريرها الصادر هذا العام أن المحاكم المصرية أصدرت أكثر من 538 حكمًا بالإعدام، ونفذت أكثر من 22 إعدامًا سنة 2015 وحدها.

ما قالته منى عن تراجع معايير المحاكمة العادلة في المحاكم المصرية كان قاسمًا مشتركًا بين كلمات المتحدثين في المؤتمر، الذين تنوعوا ما بين حقوقيين وأهالي محكوم عليهم بالإعدام، والذين كان الراحل أحمد سيف حاضرًا بينهم عبر فيديو تم تسجيله خلال إحدى الندوات التي سبقت وفاته، وتحدث فيه عن عقوبة الإعدام.

خلال ذلك الفيديو أشار “سيف” إلى عدد من القضايا من بينها قضية الممثلة حبيبة التي صدر ضدها حكم بالإعدام بتهمة قتل زوجها القطري سنة 1998، بناء على اعترافها تحت التعذيب. وبعد خمس سنوات من الحكم الذي لم ينفذ، ظهر القاتل الحقيقي أثناء محاولة بيعه إحدى مقتنيات القتيل. لاحقًا، ألغت المحكمة حكمها الصادر ضد حبيبة. ودلل “سيف” بتلك الواقعة على أنه حتى الاعتراف قد لا يكون قرينة كافية لإصدار حكم بالإعدام، خاصة أنها عقوبة لا رجعة فيها إذا ما ثبت خطأ الحكم.

كما أشار “سيف” في الفيديو أيضًا إلى أن حكمًا صدر من المحكمة الدستورية العليا، في يونيو 2013، بعدم دستورية قرارات الاعتقال والتفتيش بأمر من وزير الداخلية وما يترتب عليها، رغم أن الدعوى كانت مرفوعة أمام المحكمة قبل 20 عامًا. وقال “سيف” إن الكثير من القضايا التي صدر فيها أحكامًا بالإعدام خلال فترة التسعينيات، خاصة ضد إسلاميين من الجماعات المسلحة، اعتمدت على قرارات الاعتقال والتفتيش بأوامر من وزير الداخلية، وهو ما يعني أن هذه الإعدامات اعتمدت على مادة غير دستورية، وأضاف: “كل هذه الإعدامات الصادرة من محاكم أمن الدولة ومحاكم عسكرية استندت إلى أدلة غير مشروعة، وهذا في رقبة المحكمة الدستورية العليا التي تأخرت في إصدار حكمها ٢٠ عامًا”.

وخلال كلمته في المؤتمر، قال جمال عيد، المحامي الحقوقي والمدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، إن عقوبة الإعدام تتراجع في العالم كله، مشيرًا إلى أن عدد الدول التي توقفت عن توقيع العقوبة سنة 2012 بلغ 144 بعدما كانوا 14 دولة فقط سنة 1977.

وجاء في تقرير العفو الدولية أن 102 دولة ألغت عقوبة الإعدام من قوانينها، واحتفظت 32 دولة بالعقوبة في القوانين لكنها توقفت عن استخدامهما منذ عشرة سنوات على الأقل، بينما احتفظت ست دول بالعقوبة في الجرائم شديدة الخطورة مثل القتل والجرائم خلال فترات الحرب، فيما استمرت 58 دولة في تطبيق عقوبة الإعدام. وتشكل أحكام الإعدام في إيران وباكستان والسعودية نسبة 90% من الإعدامات التي جرى تنفيذها سنة 2015، بحسب التقرير نفسه الذي يستثني الصين من الحصر لعدم إفصاحها عن أرقام أحكام الإعدام لديها.

بدوره، قال عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، ناصر أمين، أن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد ناشدت الدول التي ما زالت تعمل بعقوبة الإعدام لوجود “أسباب شرعية لذلك” بوقف تنفيذ العقوبة.

يذكر أن الجزائر والأردن وجيبوتي هي الدول الثلاث الوحيدة ضمن العالم العربي التي قررت وقف استخدام عقوبة الإعدام دون تعديل القوانين حتى الآن.

وأضاف أمين: “في الوقت الذي تقتصر فيه عقوبة الإعدام في الأردن على ما يتراوح بين 6 و12 جريمة فقط، فإن مصر لديها العشرات من الأفعال المادية التي تؤدي إلى الإعدام”.

كان المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، الذي يرأسه أمين، قد أصدر سنة 2011 دراسة أشارت إلى أن هناك 56 جريمة في قوانين العقوبات ومكافحة المخدرات والأحكام العسكرية والأسلحة والذخائر، جميعها يؤدي إلى الإعدام وفقًا للتشريعات المصرية، وهو ما يمثل تزايدًا كبيرًا بالمقارنة بثلاثينيات القرن الماضي التي أشار إليها أمين قائلًا: “وقتها لم تكن مصر تعاقب بالإعدام إلا في حالات القتل العمد فقط”.

وفسّر أمين هذه الزيادة المطردة بما وصفه بعجز الدولة عن مواجهة مشكلات المجتمع، ليصبح تغليظ العقوبة هو الحل الوحيد لكل جريمة جديدة تظهر أو تشهد انتشارًا.

أحكام الإعدام في قضية الخلايا النوعية المتقدمة

عقب انتهاء كلمة أمين، بدأ استعراض عدد من القضايا الصادر فيها حكم بالإعدام حديثًا، ومن بينها القضية رقم 174 شرق العسكرية، المعروفة إعلاميًا باسم “قضية الخلايا النوعية المتقدمة”، والتي تحدث عنها المحامي محمد الباقر، محامي المتهمين في القضية.

كانت القوات المسلحة قد نشرت، في يونيو من العام الماضي، فيديو لعدد من المتهمين في القضية ضمّ اعترافات لهم بتشكيل خلية نوعية لاغتيال مسؤولين في الدولة واستهداف منشآتها. وضمن المتهمين الذين ظهروا في الفيديو صهيب سعد وعمرو علي، اللذين كانا مختفيين منذ مطلع ذلك الشهر مع إسراء الطويل التي تم إخراجها من القضية لاحقًا.

وفي 29 مايو الماضي، أصدرت المحكمة العسكرية حكمها ضد 28 متهمًا في القضية، وحكمت ببراءة متهمين اثنين، وإعدام ثمانية، منهم ستة محبوسين بالفعل، والمؤبد لـ 12 متهمًا (ستة هاربين وستة محبوسين منهم صهيب وعمرو) و15 سنة سجن مشدد لستة متهمين محبوسين، وهو الحكم الذي لم يصدق عليه الحاكم العسكري حتى الآن، وفقًا لـ “الباقر”.

وقال “الباقر” إن ملف تلك القضية لم يتجاوز 300 ورقة فقط، ضمّت محضر تحريات واحد ضد كل المتهمين، وشاهد إثبات واحد، ولم تتضمن القضية أي أحراز أو أدلة. مضيفًا أن القضية اعتمدت على الاعترافات التي وقّع عليها المتهمين الذين تعرضوا للاختفاء القسري والتعذيب،حسبما قال، وأن النيابة العسكرية أجبرت المتهمين على توقيع محاضر استجوابهم التي لم يدلوا بها بل أمليت دون إرادتهم تحت “تهديد السلاح”.

وأضاف “الباقر” كذلك أن المتهمين حاولوا في أولى جلسات المحكمة إثبات آثار التعذيب التي كانت ظاهرة على نحو ثمانية منهم ، غير أن القاضي العسكري “تعمّد” تأجيل الجلسة ثلاثة أسابيع بدعوى عدم حضور كافة المتهمين، بحسب “الباقر”، مما أدى لزوال آثار التعذيب التي تنوعت بين صعوبة في الحركة، ونزيف دموي داخلي، وعدم القدرة على الحركة بشكل طبيعي وضعف التحكّم في الأعصاب وتورم الكتفين، فضلًا عن خدوش وآثار حمراء في البطن والظهر.

وأكد “الباقر” أن كافة المتهمين المحبوسين تعرضوا للاختفاء القسري في مناطق متفرقة وعلى مراحل، شارحًا: “هناك 14 شخصًا في القضية تم إلقاء القبض عليهم واختفوا داخل مقار الأمن الوطني أولًا وتم استجوابهم، ثم انتقلوا إلى المخابرات الحربية وتعرضوا لاستجواب آخر، وفي كلا المرحلتين عانوا من التعذيب. بالإضافة إلى احتجاز أربعة أشخاص آخرين في سجن العازولي في الإسماعيلية قبل نقلهم مع كل المتهمين إلى سجن طرة”.

والدتا المتهمين عبد الرؤوف عبد البصير ومحمود الشريف المحكوم عليهما بالإعدام

من جانبهما، أكدت والدتا إثنين من المتهمين في القضية ما قاله “الباقر”. فقالت والدة عبد البصير عبد الرؤوف، أحد المحكوم عليهم بالإعدام، إن ابنها وقّع على الاعتراف بعدما قيل له داخل النيابة العسكرية: “هنعمل فيك زي ما عملنا في إسلام عطيتو وإثبت إنك كنت عندنا”. فيما قالت والدة محمود الشريف، أحد المحكوم عليهم بالإعدام أيضًا، إن محضر الضبط الخاص بابنها مكتوب فيه أنه تم إلقاء القبض عليه من سكنهم القديم الذي تركوه قبل 10 سنوات، مؤكدة أن ابنها تم اعتقاله من الشارع أثناء توجهه لصلاة العشاء في المسجد القريب من المنزل بحلوان.

فيما ختم “الباقر” قائلًا: “منظومة العدالة في مصر لا تعاني من خلل فحسب، بل فساد وانهيار كلي. يجب أن تتوقف عقوبة الإعدام الآن وفورًا”.

أحكام الإعدام في قضية اغتيال ابن المستشار المورللي بالمنصورة

وخلال المؤتمر أيضًا، تحدثّت إسراء، شقيقة أحمد ماهر، أحد المتهمين الخمسة المحكوم عليهم بالإعدام (ثلاثة محبوسين واثنين غيابيًا) في قضية اغتيال ابن المستشار محمود السيد المورللي في المنصورة.

كانت محكمة جنايات المنصورة قد أصدرت في يوليو الماضي، حكمًا بإعدام المتهمين الخمسة في القضية بتهمة مشاركتهم في اغتيال نجل المستشار، استنادًا إلى اعترافاتهم، التي قالت إسراء إنه تم الحصول عليها تحت التعذيب والتهديد بالقبض على “نساء عائلاتهم” والاعتداء عليهن. وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على المتهمين في شهر أكتوبر 2014، بعد شهرين من اغتيال المجني عليه.

إسراء ماهر شقيقة محمود ماهر المحكوم عليه بالإعدام

وروت إسراء أنها تعرضت للاعتقال قبل القبض على شقيقها، وقيل لها أثناء فترة احتجازها أنها يمكنها أن تخرج إذا ما أفصحت عن مكانه. وأكملت أنه بعد إلقاء القبض على شقيقها، أُجبر على التوقيع على الاعترافات المنسوبة إليه في مقابل إخلاء سبيلها من القضية العسكرية التي كانت قد أُلحقت بها. وبالفعل أخلي سبيلها بعد عرض شقيقها على النيابة بيومين قبل أن يصدر ضدها حكم سنتين مع إيقاف التنفيذ من إحدى المحاكم العسكرية.

وبحسب إسراء، فقد تكرر السيناريو نفسه مع عبد الحميد عبد الفتاح، أحد المحكوم عليهم بالإعدام في القضية نفسها. والذي أُلقي القبض على زوجته وابنته الطفلة، ولم تخرجا إلا بعد إلقاء القبض على عبد الحميد الذي اعترف لاحقًا تحت وطأة التعذيب والتهديد بإعادة اعتقال زوجته، وفقًا لإسراء.

وقالت إسراء إن شقيقها كان في المنصورة الليلة السابقة على واقعة الاغتيال، غير أنه قضى الليل كله في قصر الثقافة يتدرب على آلة العود؛ استعدادًا لحفل في اليوم التالي بحضور وزير الثقافة، وعندما تم إلغاء الحفل عاد شقيقها إلى “العاشر من رمضان” حيث تعيش أسرته في نفس توقيت ارتكاب جريمة الاغتيال، مضيفة: “كان بيفطر معانا في نفس الوقت، إزاي هيكون موجود في مكانين؟”.

ماهينور المصري: قضيت فترة عقوبتي بجوار عنبر الإعدام

كما تحدثت ماهينور المصري، الناشطة السياسية والمحامية الحقوقية التي غادرت السجن حديثًا، عن تجربتها بسجن الأبعدية في دمنهور، حيث جاورت عنبر الإعدام، تقريبًا طوال فترة سجنها التي دامت 15 شهرًا.

وأوضحت إنها ضد حكم الإعدام في المطلق، وأنها لا ترى أن تلك العقوبة تحقق الردع العام كما هو متوقع، فالدول التي ألغتها لم تزداد فيها معدلات الجريمة كما هو متوقع.

وشرحت ماهينور أن الصورة التي يتم تقديمها لكيفية تنفيذ أحكام الإعدام بعيدة تمامًا عن الواقع. إذ أن أحكام الإعدام دائمًا ما تُنفذ قبل الفجر، مما يجعل نزلاء عنبر الإعدام لا ينامون يوميًا إلا بعد الفجر، وهو الوضع الذي قد يستمر طوال سنوات انتظار تنفيذ العقوبة، حسبما قالت، وضربت المثل بإحدى نزيلات العنبر التي استمر انتظارها للإعدام ثلاث سنوات، كانت تترقب فيها فرقة الإعدام كل ليلة.

وأضافت ماهينور أن قوة تنفيذ الحكم تأتي لتنفيذ عدد من الأحكام في يوم واحد، بمعدل حالة إعدام كل ساعة. فيبدأون في تنفيذ العقوبة ضد أول شخص وينتظر باقي سجناء العنبر الساعات الباقية في انتظار عودة فرقة الإعدام لهم.

واستكملت قائلة: “لا تُلبى الطلبات الأخيرة للمحكوم عليهم بالإعدام كما نتصور، فقد سمعت سيدة تطلب من فرقة إعدامهما رؤية ابنتها للمرة الأخيرة، وكانت ابنتها مسجونة بنفس السجن على بعد أمتار، غير أن ضباط تنفيذ الحكم رفضوا خوفًا من إحداث فوضى بالسجن”.

مضيفة: “كنا نسمع تهديدات فرقة الإعدام للسجينات إذا ما صرخن أو أصابتهن هستيريا، بأنهم يمكنهم ضربهن دون أي عقاب، فهن ميتات في كل الأحوال”.

وأشارت ماهينور إلى أنه مع عام 2014 بدأ تسريع تنفيذ أحكام الإعدام النهائية، وكان بعض المدانين في الانتظار لمدة خمس سنوات. وفسرت ذلك بأن السجن كان في حاجة لإفساح مكان في عنبر الإعدام لنزلاء جدد.

وختمت ماهينور حديثها بأن “من يُحكم عليهم بالإعدام هم الأكثر فقرًا، فهم غير قادرين على توفير محامي كبير قادر على إيجاد ثغرات القانون التي تنجيهم من الموت”.

فيما انتهى المؤتمر ببيان صادر من مجموعة “ضد الإعدام“، قرأته أستاذة الأنثروبولوجيا بالجامعة الأمريكية، ريم سعد، وجاء فيه: “تناشد مجموعة ضد الإعدام المواطنين ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والحركات الشعبية مساندة مطلبها بالتعليق الفوري لتنفيذ عقوبة الإعدام لمدة خمس سنوات على الأقل لحين فتح نقاش مجتمعي واسع يسمح بتبين أبعاد مشكلات هذه العقوبة، وحتى يأخذ المجتمع حقه ويقوم بواجبه في مناقشة هذه القضية بشكل جدي”.

اعلان