Define your generation here. Generation What

اقتصاد مصر التعيس.. هل يخرج الوضع عن السيطرة؟

اقتصاد مصر مثقل بمجموعة من التحديات المعقدة والمترابطة. فالحكومة تحمل عبئًا لا تحسد عليه يتمثل في مهمة الاشتباك وتجاوز تلك التحديات في سياق عالمي ضعيف بالنسبة للاقتصاديات الناشئة. ساهم التضخم والبطالة في إشعال الثورة في عام 2011 ولم تساعد حالة عدم الاستقرار المستمرة منذئذ على حل الأمور. كما يتناقص رصيد مصر من العملة الصعبة بسبب انهيار التدفقات، ويستمر التضخم في تقليص القوة الشرائية للمستهلكين، قيمة الجنيه في انخفاض، مستوى الاستثمارات الأجنبية المباشرة غير كاف، والبلاد تواجه عجزًا تجاريًا ضخمًا. وبينما تحاول الحكومة الموازنة بين المتطلبات المتناقضة، يهدد الوضع بالخروج عن السيطرة.

مواجهة العجز التجاري ونقص الدولار

بعد ثورة 2011 انحسرت السياحة انحسارًا حادًا في مصر كما انخفضت ثقة المستثمر. ورغم هذه التحديات قرر البنك المركزي في مصر الحفاظ على قيمة الدولار، مضطرًا إلى استخدام الكثير من احتياطي العملة الصعبة لتحقيق ذلك. في عام 2011 وصلت قيمة ذلك الاحتياطي إلى ذروة تجاوزت الـ 35 بليون دولارًا، وبنهاية عام 2011 انخفض ذلك الاحتياطي إلى حوالي 17 بليون مع عجز عن التعافي منذ ذلك الوقت. ورغم دعم ذلك الاحتياطي بواسطة إيداعات دول الخليج، إلا أن احتياطي العملة يكفي بالكاد لتغطية ثلاث أشهر من قيمة الواردات في حين تستمر الحكومة في الاقتراض -سواء الجنيه المصري أو الدولار أو اليورو- في الوقت نفسه الذي يرتفع فيه طلب المستهلك على السلع المستوردة.

تأتي أزمة نقص العملة الصعبة في مصر نتيجة سلسلة من المشاكل. فإلى جانب زيادة الطلب على الواردات، تلقت إيرادات مصر من العملة الصعبة عددًا من الضربات في السنوات القليلة الماضية. شهدت أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر، قناة السويس، انخفاضًا في الإيرادات خلال الشهور الماضية، نتيجة التباطؤ في التجارة الدولية وسعر النفط. وتاريخيًا، كان انخفاض أسعار النفط يعني أن يصبح مرور شركات النقل عبر رأس الرجاء الصالح أكثر جدوى اقتصاديًا من المرور عبر القناة. كما يستمر عدد السياح في الانخفاض، ليس فقط بسبب عدم الاستقرار السياسي وإنما أيضا بسبب انتشار العنف في البلاد، حيث قامت قوات الأمن المصرية، عن طريق الخطأ، بقتل مجموعة من السياح المكسيكيين ومرشديهم المصريين، بينما ادعت الجماعات المحلية التابعة للدولة الإسلامية مسؤوليتها عن سقوط الطائرة الروسية. وأدى هذا الانخفاض في السياحة إلى التقليل من حجم الدولار المتداول في كل من السوق الرسمي وغير الرسمي. في محاولة لمواجهة العجز التجاري ونقص الدولار أعلنت الحكومة أخيرًا نيتها لتقليص فاتورة الاستيراد بمقدار الربع في عام 2016. كما أعلنت الحكومة عن قيود جديدة على الاستيراد لتشجيع استهلاك السلع المصنوعة محليًا وتقليل الطلب على الدولار.

إحدى الوسائل التقليدية لتخفيض استهلاك الواردات هي السماح بتخفيض قيمة العملة. مع انخفاض قيمة العملة، يرتفع سعر الواردات ومن ثم يمتنع المستهلكون عن شرائها أو تنخفض كمية ما يشترونها منها. لكن تخفيض قيمة العملة سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار في وقت تعاني فيه مصر من تضخم يتجاوز العشرة في المئة. في تقرير صدر في ديسمبر 2015 ذكر البنك المركزي أن معدل التضخم السنوي وصل لـ 11.06%، ولذلك تسعى الحكومة إلى تجنب مزيد من ارتفاع نسبة التضخم كلما أمكن ذلك.

بهدف الاحتفاظ بالدولارات داخل البلاد وتقليل معدل الاستيراد، فرضت مصر سلسلة من الإجراءات الحازمة على رأس المال تقيد تحويل الأموال إلى الخارج وتحدد حجم الدولارات التي يمكن للمصريين الحصول عليها بالسعر الرسمي من خلال البنوك. كذلك حاولت الحكومة تقييد الحصول على الدولارات في السوق السوداء من خلال تحديد حجم الإيداعات الدولارية بقيمة خمسين ألف دولارًا شهريًا، بحيث تحد من تمويل المستوردين لوارداتهم.

أخيرًا رفعت الحكومة الحد الأقصى للإيداع، بالنسبة لمستوردي السلع الضرورية، إلى 250 ألف دولار، في محاولة لمواجهة التحديات البارزة الناتجة عن القيود المفروضة على رأس المال. صارعت الكثير من الصناعات المحلية لاستيراد المواد الخام والسلع الأساسية الضرورية مثل الآلات اللازمة للحفاظ على استمرار الإنتاج. ذلك أن هذه الصناعات تحتاج إلى إتاحة المدخلات والآلات الضرورية لكي تستجيب لاحتياجات السوق، الأمر الذي أصبح أكثر إلحاحًا مع سعي الحكومة لتقليل اعتماد المستهلكين على الواردات. كذلك يصبح بمقدور المصانع المصرية المنتجة لسلع صالحة للتصدير أن تزيد من إنتاجها ومن ثم أن تبيعه في الخارج، ما يؤدي إلى زيادة إيراد مصر من العملة الصعبة ويساعد على تقليل عجز البلاد التجاري الضخم. إلا أن رفع الحد الأقصى للإيداعات، يرفع أيضًا من الطلب على الدولار، وقد يؤدي إلى ارتفاع سعره في السوق السوداء مثلما حدث بعد الإعلان السابق على التثبيت.   

كذلك يساهم سعر الدولار في السوق السوداء في معدل التضخم في مصر، حيث أن الكثير من المستوردين المصريين يحصلون على دولاراتهم من السوق السوداء بسبب القيود المفروضة التي تجعل من المستحيل عليهم ضمان الدولارات اللازمة لتمويل وارداتهم. يباع الدولار الأمريكي حاليًا في السوق السوداء المصرية بمعدل أعلى من سعره الرسمي (7.83 جنيه للدولار) بحوالي 20%.

كما ساعد هذا الفرق على تشجيع المصريين في الخارج، وكانوا في العادة يحولون الأموال إلى مصر، على تجنب النظام المصرفي لصالح بيع دولاراتهم في السوق السوداء كلما كان ذلك ممكنًا. قدّر محافظ البنك المركزي السابق، هشام رامز، أن 10% فقط من التحويلات تمر عبر القطاع المصرفي. هذا وتعتبر هذه التحويلات أحد أهم مصادر مصر للعملة الصعبة. في السنة المالية 2014-15 وصل حجم هذه التحويلات ما قيمته 19.33 بليون دولار. وقد ذكر مقال حديث صادر عن غرفة التجارة الأمريكية في مصر أن “التحويلات من الخارج توفر عملة صعبة أكثر مما توفرها السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة مجتمعين.” سيكون من الصعب على الحكومة إعادة توجيه تلك الأموال إلى القطاع المصرفي دون معالجة الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، وهو ما لا يمكن تحقيقه بدون زيادة إيرادات الدولار من خلال القنوات الرسمية، مما يستدعي بدوره تخفيف القيود على حركة المال.

ضغوط غير مالية على المستوردين

إضافة إلى التدابير المالية المتخذة للتأثير المباشر على سعر وتوفر الدولار، فرضت الحكومة سلسلة من اللوائح والرسوم لتقليل اعتماد مصر على السلع المستوردة. أحد تلك التدابير الجديدة المعلن عنها تستوجب على المستوردين أن يسجلوا لدي وزارة التجارة والصناعة أي مصنع يستوردون منه. أحد مبررات هذا التدبير كان ضمان جودة السلع المستوردة. من حيث المبدأ، لا اعتراض على هذا الهدف أو على ضمان جودة الواردات، حيث أن حماية المستهلك من المنتجات الخطرة تمثل هدفًا جيدًا. إلا أن هذا الشرط قد لا يكون عمليًا بدرجة ما. فإذا كان هناك من يستورد منتجات نايك، على سبيل المثال، سيصبح عليه تسجيل مصانع لا حصر لها في شتى أنحاء العالم، وبعضها ليس حتى مملوكًا لشركة نايك وإنما لشركات جرى التعاقد معها لإنتاج ملابس تحمل الوسم الرسمي لنايك. وفي ظل وجود بيروقراطية لم تشتهر يومًا بكفاءتها، فإن إمكانية تنسيق تسجيل منتجات 669 مصنعًا في 43 بلد مختلف تبدو عملية مرهقة إن لم تكن مستحيلة تمامًا.

أعلنت الحكومة عن الرسوم الجديدة على عدد من سلع “الرفاهة” المختلفة.  وأعربت عن أملها أن مع ارتفاع أسعار تلك السلع المستوردة، سيتحول المصريون إلى شراء البدائل المحلية، ما سيؤدي في نفس الوقت إلى زيادة الطلب على الإنتاج المحلي ويقلل من فاتورة الاستيراد المصرية. إنها في واقع الأمر محاولة للسيطرة على تأثير تخفيض قيمة الجنيه دون السماح بتأثير ذلك على المواد الغذائية الأساسية نتيجة التخفيض الكامل لقيمة العملة. من خلال تلك الرسوم تستطيع الحكومة رفع سعر بعض السلع المختارة، مما سوف يخفض الطلب عليها. غير أنه لا توجد بدائل محلية لكل السلع الواردة على القائمة، كما أن إنتاج بدائل محلية جديدة سيستغرق وقتًا ويضر بالمستهلكين والتجار الذين يتداولون السلع المعنية.

تستند السياسات الحمائية التي اتخذتها الحكومة إلى منطق تصنيع بدائل الاستيراد. وهو منطق اكتسب شعبية في البلدان النامية إبان فترة التحرر من الاستعمار وتبناه الرئيس جمال عبد الناصر خلال فترة حكمه. إلا أن الرأي السائد كان فشل هذه السياسة، جزئيًا بسبب فشل حكومة عبد الناصر في التعرف على مزايا مصر النسبية والتركيز على تلك الصناعات. ويمكن قول الشيء نفسه على التطبيق العشوائي للرسوم حاليًا، فبدلًا من اختيار السلع التي تستطيع مصر المنافسة في إنتاجها ومن ثم بيعها للخارج، يبدو أن واضعي السياسات يستهدفون أي سلعة يعتقدون أنها غير ضرورية أو يمكن استبدالها. ليس من الخطأ أن تختار الحكومة صناعات تعتقد أن مصر قادرة على التميز بشأنها، وأن تدعم أو حتى توفر الحماية لتلك الصناعات في حدود المعقول، لكن هذا قرار يستدعي الدراسة. إن إغلاق الطريق أمام مجموعة من الواردات، على أمل أن تجد الصناعة المحلية طريقة لإنتاج بدائل لها، لا يمثل سياسة اقتصادية سليمة.

تقديرًا للجنيه

في محاولتها منع انخفاض قيمة الجنيه تبعًا لضغوط السوق، سمحت مصر في الواقع بزيادة قيمة عملتها مقارنة بأغلب العملات. لقد ركز البنك المركزي سياساته بشأن العملة على علاقة الجنيه بالدولار، ومنذ أنهى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برنامجه الخاص بالتيسير الكمي ارتفعت قيمة الدولار مقابل أغلب عملات العالم. خلال الثماني عشر شهرًا الأخيرة انخفضت قيمة اليورو من 9.60 إلى 8.65 جنيهًا مصريًا. كذلك صمد الجنيه المصري أمام الدولار الأسترالي والكندي والكثير من عملات السوق الناشئة، الأمر الذي دعم من جاذبية السلع المستوردة وخفض تنافسية المنتجات المصرية. كذلك سعت مصر إلى جذب الاستثمار المباشر لجلب العملة الصعبة ودعم نمو الاقتصاد. ورغم زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بدرجة ما، إلا أن مصر عجزت عن تحقيق هدف العشرة بليون دولار المستهدف من السنة المالية الماضية، والذي حدده وزير الاستثمار في عام 2014. جاء أغلب الاستثمار الأجنبي المباشر من دول الخليج، التي تواجه تحدياتها المالية الخاصة نتيجة الانخفاض الشديد في أسعار النفط وتكدس السوق. كذلك أدخلت المملكة العربية السعودية، الأكرم في تمويلاتها واستثماراتها في مصر، اقتطاعات ضخمة على الإنفاق للتحكم في عجز ميزانيتها. وستؤدي هذه الضغوط على الأرجح إلى التقليل من شهية الخليج لدعم اقتصاد مصر، مثلما فعل في السنوات الماضية.

تأثر الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بسياسات التقييد على حركة الأموال والعملة، فقد أجّل المستثمرون الأجانب استثماراتهم نظرًا للوضع الاقتصادي المتعثر لمصر. وحيث أن السوق يتوقع تعويمًا وشيكًا للجنيه فإن الكثير من المستثمرين يعتقدون أن شراء الجنيه الذي سيفقد قيمته قريبًا لا يعد قرارًا استثماريًا جيدًا. وقد ذكرت شبكة بلومبرج أن “خلال اثني عشر شهرًا من عدم التقدم -كما يتوقع أغلب التجار فيما يتعلق بالعملة المصرية- كان سعر العملة 10.45 للدولار في الساعة 1:04 في القاهرة، بانخفاض قدره 25% عن سعر التحويل الرسمي. ثم وصل إلى 10.5 جنيهًا يوم 10 نوفمبر، وهي أقل قيمة له منذ عام 2007″، بحسب البيانات التي جمعتها بلومبرج.

لتوضيح الصورة، ففي حال اعتقاد المستثمر أن الجنيه سينخفض لاحقًا إلى 10 جنيهات مقابل الدولار، وحصوله على قيمة الجنيه اليوم بسعر 8 جنيهات مقابل الدولار، فإن حجم الخسارة في الاستثمار سيصل إلى 25% فقط نتيجة التغير في سعر العملة.

وجل ما يخشاه المستثمر جراء التخفيض المستقبلي لقيمة الجنيه، مع فرض مصر لقيود حازمة على حركة الأموال وإمكانية اتخاذ الحكومة اليائسة المزيد من الإجراءات الجذرية، أن يعجز عن سحب أرباحه في المستقبل. كل هذا يحدث في سياق تباطؤ عالمي في الاستثمار في الأسواق الناشئة.

الخلاصة والتوصيات:

التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري متعددة ومعقدة.

لا شك أن المسؤولين المصريين في موقف لا يحسدون عليه، من حيث حاجتهم لإيجاد وسيلة ما لمواجهة كل تلك المشاكل. مثلما رأينا، هناك مشكلة في كل حل مطروح. سيؤدي تخفيض قيمة الجنيه يؤدي إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، وتنافسية الإنتاج المحلي، كما سينخفض الطلب على الواردات. إلا أن ذلك سيواكب للأسف تدهورًا في مستويات التضخم، ما سيؤدي إلى زيادة أسعار السلع الأساسية، في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من المصريين المثقلين أصلًا. ومع رفع القيود على حركة الأموال سيشعر الاستثمار الأجنبي المباشر بمزيد من الأمان، وستتمكن الصناعة من الحصول على كافة المدخلات اللازمة وستجف السوق السوداء فيما يخص الدولار، إلا أن احتياطي الدولة من العملة الصعبة، المحدود أصلًا، قد يجف أيضًا، مما يضع الدولة في أزمة مالية، تقييد الاستيراد من خلال الرسوم والقيود على التجارة، وسينخفض الطلب على الدولار في مصر نتيجة انخفاض استهلاك السلع المستوردة. إلا أن ذلك سيؤدي إلى تقلص قطاع الاستيراد في الاقتصاد -ومعه الصناعات المعتمدة عليه مثل قطاع النسيج الضخم في مصر- وما يترتب على ذلك من مزيد من تسريح العاملين في بلد يعاني فعليًا من ارتفاع مستويات البطالة.

بغض النظر عن حزمة الإجراءات التي ستستقر عليها الحكومة، فإن هذا سيكون بثمن باهظ، سياسيًا واقتصاديًا. فالمشاكل الاقتصادية غالبًا ما تتحول إلى توترات سياسية. إلا انه من الضروري أن تتوقف الحكومة عن ممارستها الحالية من تطبيق لوائح اقتصادية عشوائية غير مضمونة النتائج، وبدلًا من ذلك عليها وضع استراتيجية متماسكة للسنة المالية التي تبدأ في شهر يوليو، بحيث يتمكن التجار وأصحاب المصانع والمستثمرون من التخطيط لأعمالهم وتوقع اللوائح والتكلفة. في اللحظة الحالية يعجز مجتمع رجال الأعمال عن توقع اللوائح والقيود والرسوم والقيود على رأس المال التي قد تفرضها الحكومة، مما لا يساعد على تشجيع الاستثمار، ويترتب عليه تفاقم التردي الاقتصادي في مصر، واﻹتيان على أية إمكانية للنمو. مرة أخرى، فغياب الشفافية في الحوكمة المصرية يضر بمصر وإمكانياتها للتقدم.

في ضوء الموارد المحدودة المتاحة للحكومة في الوقت الحالي، يبدو أن البديل الوحيد المطروح أمامها هو السماح بتعويم الجنيه. ويجب عليها أن تجرب ذلك بطريقة تدريجية لتجنب إثارة الهلع والتضخم الشديد. يحتاج البنك المركزي المصري إلى تخفيض قيمة الجنيه بالتنسيق مع وزارات أخرى، كجزء من حزمة من السياسات تستهدف استقرار الاقتصاد المصري وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. يجب أن يتاح للمستثمرون توقع القيود على حركة الأموال التي يجب تخفيفها في أسرع وقت ممكن. تخفيض قيمة الجنيه بالتوازي مع تخفيف القيود على حركة الأموال سيؤدي إلى تخفيض سعر الدولار في السوق السوداء.

مع وصول العملة إلى سعرها في السوق، ستنخفض الضغوط المترتبة على توقع تأثير التضخم على الجنيه، ومن ثم سيساعد ذلك على التعامل مع قدر من التضخم الذي سيواكب تخفيض العملة. حاليًا يتكبد المستوردون التكلفة العالية للحصول على العملة الصعبة وتوقع مزيد من ارتفاع تلك التكلفة في المستقبل القريب. محو مثل هذه التوقعات من حسابات المستوردين قد يترتب عليه بعض الفوائد للمستهلكين.

سيسمح تخفيض العملة بارتفاع أسعار السلع المستوردة وبخفض الطلب عليها ومن ثم يقلل من العجز التجاري في مصر والذي استهلك وأجهد احتياطي البلاد. مع ذلك يجب التنويه على أن هذا التضخم في الأسعار يجب أن تقابله سياسات موجهة تخفف من الضغوط الناجمة عنه على الفئات الأضعف من المصريين. قد يكون على الحكومة النظر في إمكانية زيادة الدعم على المواد الغذائية الأساسية تفاديًا لأن يؤدي هذا الارتفاع الشديد في الأسعار إلى المساس بالأمن الغذائي لملايين المصريين الفقراء من ذوي الدخل شديد الانخفاض. ورغم أنه من المعروف أن الدعم لا يمثل آلية فعالة في الحد من الفقر، إلا أن الحكومة لا تملك القدرة حاليًا على تطبيق نظام دقيق لتوجيهه.  وسيكون على سلطات حماية المستهلك الحكومية اليقظة في مراقبة التجار الذين يستغلون ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه. في نفس الوقت يجب على السلطات أن تكون مدركة للارتفاع الطبيعي في الأسعار، الذي سيترتب على تخفيض العملة في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على استيراد السلع الحيوية.

لا شك أن الطبقة العاملة والوسطى في مصر ستتحملان عبئًا اقتصاديًا إضافيًا في المستقبل القريب. لكن تخفيض العملة سيوفر صيغة قابلة للاستدامة لضمان مسار صحي للاقتصاد المصري على المدى الطويل، في حين أن تشكيلة الرسوم والتحكم في حركة الأموال ولوائح الاستيراد الحالية، هي في الحقيقة سلسلة من التدابير الجزئية الضارة لا توفر سوى قدر من الإسعافات الأولية وحسب. إن الاستمرار في هذا المسار لن يؤدي سوى إلى تأجيل الألم الحتمي اللازم لاستقرار الوضع.

________________________

*نُشر هذا المقال لأول مرة بالإنجليزية على موقع The Tahrir Institute

اعلان