Define your generation here. Generation What

بطالة الشباب: في سخافة خطاب اليمين المصري

أحرص على متابعة برنامج “هنا العاصمة” الذي تقدمه المذيعة الشهيرة لميس الحديدي، ليس فقط ﻷنه عادة ما يقدم تحليلًا لتوجهات السياسة الحكومية إزاء الاقتصاد بدرجة من المهنية لا تتوفر للغالب من البرامج الإعلامية المصرية، بل كذلك لأن الحديدي، دونًا عن الكثير من رموز الإعلام الخاص والعام في مصر، تعبر عن وعي متبلور للطبقة الرأسمالية المحلية، بشكل ربما يفوق حتى وعي هذه الطبقة بنفسها اجتماعيًا وسياسيًا، ومن هنا كان التفاعل مع ما تقوله بوصفه أكثر من مجرد رأي لمقدمة برنامج أو لمعلقة اقتصادية، بقدر كونه اشتباكًا مع طرف فاعل في تشكيل الرأي العام الواسع، ومعبر عن الخط المحافظ اقتصاديًا، أو ما يمكن اعتباره يمينًا مصريًا بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

قبل عدة أيام علقت الحديدي على قضية البطالة في مصر، والارتفاع الشديد لنسبتها بين الشباب المتعلم،  وخاطبتْ “هؤلاء الشباب” قائلة إنه لا عذر لهم في بقائهم قاعدين على القهاوي منتظرين العثور على وظيفة ترضيهم، وإلا فاستمرار الاعتماد على مصروف الوالد. قالتها بكثير من اللوم الذي تجاوز  الحزن على ما بدا وكأنه سوء اختيار فردي متكرر بين الشباب المتعلم، إلى كيفية تسبب هؤلاء الشباب في مشكلة اجتماعية واقتصادية للوطن وللدولة.

كان الخطاب واضحًا وبسيطًا ومباشرًا ومفاده أن البطالة مسؤولية العاطلين، كونهم عديمي المسؤولية وكسالى يفضلون القعود على القهاوي وفي الطرقات، بل وفيهم نطاعة استمرار الاعتماد على إعالة ذويهم لهم حتى وهم في سن العمل، وربما بعض الطمع كونهم ينتظرون وظيفة يعتبرونها لائقة.

لا شك أن لوم الضحية ركن أساسي من أي خطاب يميني منطلقه، وغايته عادة ما تكون تبرير وجود النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم، والدفاع عن طريقة عمله باعتبار المشكلة في الطرف المتضرر أو المهمش، وهو خطاب متكرر وتجلياته عديدة بداية من لوم الفقراء لضلوعهم، من خلال جهلهم وأفكارهم الخاطئة، في بؤس أحوالهم، أو وصم من يموتون تحت التعذيب بالـ “بلطجية”، وصولًا إلى الخطابات العنصرية الفجة التي ترى الفقر أو البؤس ناتجين عن ميراث جيني أو ثقافي لا فكاك منه.

إن الخطاب اليميني الاجتماعي هو خطاب اعتذاري أو تبريري للنظام الاجتماعي، ويعتمد في هذا على الدفع بخصوصية وفردية المشاكل، وكذلك الحلول بالطبع التي عادة ما تأخذ شكل كورسات الكمبيوتر أو دورات التنمية البشرية أو جلسات اليوجا.

ومن هنا كانت الفكرة المتكررة أن أساس البطالة في مصر هو أن الشباب أو المصريين عامة “مش عايزين يشتغلوا”، وعادة ما يُدعم هذا بنوادر وحكايات عن كسل البعض أو تهرب الشباب من فرص عمل يراها البعض مناسبة، ويتجاهل هؤلاء ـوربما يجهلونـ الدراسات الاقتصادية والسوسيولوجية لظاهرة البطالة، والتي ترى المشكلة أكبر من مجرد خصوصية ثقافية لشعب ما أو لشريحة ما، أو من كونها نابعة من خيارات غير عقلانية تُمارَس بشكل جماعي في أوساط العاطلين.

تعاني منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أعلى معدلات بطالة في العالم، ويبلغ معدل بطالة الشباب ما متوسطه ٢٦٪ طبقًا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ٢٠١٢، وهي نسبة تصل إلى ضعف المعدل العالمي، وتجمع الدراسات الإحصائية والاقتصادية أن هذه المعدلات المرتفعة نابعة من عوامل هيكلية ـتتجاوز الطبائع الشخصية للعاطلين وقيمهم الفكرية أو انحطاطهم الأخلاقي، وأن هذه العوامل الهيكلية تأتي من ناحية عرض الوظائف، وذلك لكون غالب اقتصادات المنطقة، ومن ضمنها مصر، لم تكن تنمو بمعدلات مرتفعة كافية لخلق وظائف تستوعب الداخلين الجدد إلى السوق، وهذا عامل ديمغرافي هيكلي هو الآخر، لأن الديمغرافيا بطبيعتها بطيئة وطويلة الأمد بحكم التعريف وكما هو مستقر في الدراسات الديمغرافية.

وبجانب ضعف قدرة الاقتصاد على خلق وظائف كافية، فهناك مشكلة في جانب الطلب نابعة بالأساس من كون التوسع، الذي حدث في التعليم المتوسط والجامعي في العقود الثلاثة الماضية، قد جرى دون اتساق مع المهارات التي يتطلبها سوق العمل، وهو ما أدى إلى وجود معدلات مرتفعة من البطالة ذات الطابع الهيكلي والناتجة عن  التنافر بين ما هو معروض من الوظائف، وما تنتجه المدارس والمعاهد والجامعات من مهارات ومؤهلات. ويضاف إلى هذين العاملين بالطبع التمييز الشديد ضد النساء المتعلمات من جانب القطاع الخاص، والذي يعود لجذور اجتماعية وثقافية عميقة تتصل بدور النساء في الأسرة مقابل الحياة العامة.

ومن المعلوم بالضرورة أن الحصول على التعليم أو التدريب المهني يتطلب تخصيص موارد، إما خاصة عن طريق تمويل الأسرة لتعليم أبنائها وبناتها، أو عامة من الدولة من خلال التعليم المدعوم على اختلاف درجاته، ويُنتظر أن يكون للتعليم عائد خاص وآخر اجتماعي كي تكون تكلفته مبررة من الأصل، ومن هنا فمن المنطقي أن ينتظر كل خريج جامعي، أو حاصل على تعليم متوسط أو فوق متوسط في مصر أو الشرق الأوسط أو أي جزء من العالم، الحصول على وظيفة يعتبرها لائقة نفسيًا واجتماعيًا وماديًا، أي ذات مردود اقتصادي يبرر الموارد المُنفقة على تعليمه في مرحلة ما بعد التعليم الأساسي، وينبغي أن تكون هذه هي سياسة الدولة في الوقت ذاته، وإلا فمن العبث ضخّ موارد نادرة في تعليم المواطنين، ليتخرجوا من معاهدهم وجامعاتهم للعمل في وظائف منخفضة المهارات، وكأنه من الطبيعي أن يعمل خريج الجامعة كجزماتي أو كنقاش، وهي مهن لها كامل الاحترام بالقطع، ولكنها تستلزم من الأصل إعدادًا مهاريًا مختلفًا وتكلفة أقل، إذ أن عمل خريج كلية التجارة نقاشًا هو إهدار لمنطق التعليم من الأساس.

مشكلة البطالة إذن معقدة ومركبة، وتتصل بنمو الاقتصاد وقدرته على توليد وظائف من جهة، وبهيكل النظام التعليمي، وعلاقته بالاقتصاد وبسوق العمل من جهة أخرى، وهي بالقطع أكبر من الاختيارات الشخصية للعاطلين، ولا سبيل لمقاربة مشكلة مثل البطالة في بلد كمصر، أو في أي بلد آخر بالمناسبة، إلا بتغيير في النظام وفي المؤسسات والسياسات العامة، ويبدو أن هذه المسلمة البديهية ليست محل قبول من اليمين المحافظ في مصر.

إن مقتضيات التعدد الأيديولوجي والسياسي توجب وجود تيارات محافظة تدافع عن النظام الاجتماعي القائم سواء عن قناعة أو دفاعًا عن مصالح، وهو أمر مشروع تمامًا ولا غبار عليه من حيث المبدأ، ولكن بما إن القسم الأكبر من التيار المحافظ اقتصاديًا واجتماعيًا بالغ التأثير في إدارة شئون البلاد، سواء من حيث الوزن الكبير في القطاع الخاص أو داخل جهاز الدولة، فمن المفترض أن ينتج هذا التيار خطابًا يعكس درجة أكبر من الوعي بالأزمة الاجتماعية، لا أن يعيد ويزيد في رطانة لا تؤدي إلا إلى اتساع الفجوة بينه وبين الجمهور العريض، ما يؤدي إلى تخفيض الفرص، المتضائلة أصلًا، لتطوير خطاب سياسي يخدم التحول الرأسمالي الذي تنادي به هذه المجموعات وتدفع في اتجاهه.

يسقط خطاب اليمين الاجتماعي المصري في فخ الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية التي تملك رؤية مختزلة للعالم لا تتجاوز النماذج الحسابية للسوق وللفاعلين داخله، ما لا يترك مساحة للواقع بكل تعقيداته غير الاقتصادية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، والتي هي، شاء الاقتصاد الكلاسيكي أم أبى، جزء لا يتجزأ من الظاهرة الاقتصادية ذاتها، وليست أبدًا بمعزل عن العلاقات الاجتماعية والسياسية الأوسع، خاصة في بلاد مثل بلادنا التي لا تتمتع بوجود دولة الحق والقانون، والتي لا تزال الممارسات الاقتصادية فيها منغمسة ومغروسة بعمق في كيانات اجتماعية كالأسرة والعائلة الممتدة والطائفة الدينية، علاوة على التداخل الشديد بين السلطة والثروة على مختلف الأصعدة.

وبما إن منطلقات “العالم كما يجب أن يكون” في نظر الاقتصاديين الكلاسيكيين، ومن يتبعهم من المحافظين، غير موجودة في بلد مثل مصر فعادة ما يدور الخطاب الاجتماعي لهؤلاء حول وصف وتوصيف وتحليل أشياء غير موجودة، من عينة أن الناس بهائم أو  جهلة أو  كسالى، أو أننا بحاجة للتخلص من نصف العاملين في جهاز الدولة، أو أن مشكلة الإسكندرية هي أن بها مليونين إضافيين من المواطنين. وهذا، بوصفه خطابًا عامًا يفترض تصديه لمشكلات البلاد بالتشخيص واقتراح حلول على مستوى السياسات،  لا يمكن وصفه إلا بالسخافة.

وإذا ما أخذنا العداء العميق للسياسة في خطاب اليمين المحافظ المصري، والذي ينتج عنه خطابات لاقتصاديين وفنيين يظنون أنهم يملكون ما يكفي من الخبرة للحديث عن مشاكل البلاد العامة، في صيغة نظريات متعالية لا تخرج عن لغة الروشتات والوصفات الجاهزة، ثم إذا أضفنا إليه أن الخطاب اليساري في مصر لا يزال رهينا للشعبوية ذات الأصل الناصري التي عادة ما تجمع بين فقر الخيال والتناول الرومانسي لتجربة فشلت، مع الكثير من عدم الواقعية، يمكنننا فهم سبب هيمنة خطاب الهوية (علاقة الدين الإسلامي، بمؤيديه وخصومه، بالدولة) على المجال السياسي والثقافي العام في مصر منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، وهو الخطاب الذي يضيق به اليمين المحافظ ذاته، الذي يفضل أن تحتفظ الدولة السلطوية في مصر بذات علاقتها مع الدين في المجال العام، والأهم بنفس تكوين النخبة الحاكمة.

الخلاصة فيما أعتقد أن اليمين المحافظ في مصر بحاجة ماسة لمن ينقذه من نفسه ويلقنه أبجديات السياسة، عله يصل يومًا ما إلى المقدرة على تحويل شغفه الشديد باقتصاد السوق الحر في مصر إلى مشروع سياسي يتحدث به مع الجمهور الواسع.

اعلان
 
 
عمرو عادلي