Define your generation here. Generation What

أزمة الصحف اللبنانية: “أنا من أنا لأنني أملك هذه الجريدة”

منذ وقت غير طويل يحتفي الكثيرون بلبنان باعتبارها قلعة الديمقراطية وحرية التعبير، أسطورة حققها رواد من لبنان والشام من خلال المبادرة بإصدار صحف ناطقة بالعربية، سواء في بلادهم أو في البلاد العربية المجاورة.

وساهمت شخصيات مثل جورجي زيدان، من خلال نشره لمجلة الهلال الشهيرة، أو بشارة وسليم تكلا، مؤسسي جريدة الأهرام المصرية اليومية، إضافة إلى شخصيات أخرى بارزة، في منح الصحافة اللبنانية تلك المنزلة.

كما ساهم في تعزيز تلك السمعة صعودُ الأنظمة الشمولية في مختلف أنحاء العالم العربي، وهي الأنظمة التي لم تتسامح كثيرًا مع النقد أو الاختلاف في الرأي. منذ بدايات الخمسينات، اكتسبت العديد من الصحف اليومية اللبنانية شهرة إقليمية، من خلال تغطيتها الدقيقة نسبيًا للانقلابات والصراعات الكثيرة الدائرة في المنطقة.

سيدفع الصحفي البارز كريم مروة، مؤسس ورئيس تحرير جريدة الحياة العربية ثمنًا باهظًا مقابل هذه الليبرالية، حيث توجه قاتل مستأجر، يُعتقد أنه كان مكلفًا من قبل الرئيس المصري عندئذ، جمال عبد الناصر، إلى مكتبه، وأطلق عليه الرصاص في وضح النهار. قد يُعتبر هذا الحدث نقطة تحول في تاريخ الصحافة اللبنانية، إذ كان بمثابة إنذار ورسالة بضرورة التزام كافة الهيئات الإعلامية بدرجة ما من التوافق الإقليمي. ورغم التحديات الكثيرة التي لاحقت الإعلام اللبناني عبر السنوات إلا أن خطرًا أكثر تهديدًا قد يضع هذه القطاع أمام اختبار حقيقي.

في الفترة الأخيرة، سربت ثلاث من بين ثلاثة عشر جريدة تصدر في بيروت، هي النهار والسفير واللواء، مذكرة داخلية تخطر العاملين بها بعدم قدرتها على تسديد رواتبهم الشهرية، مطالبة إياهم بتحضير أنفسهم لأيام صعبة قادمة. كما نوّه بعضها إلى الاستعداد لوقف إصدار النسخة المطبوعة والاكتفاء بالنشر على اﻹنترنت.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تدعي فيها هذه الجرائد، أو غيرها، أنها على وشك الإفلاس. إلا أن هناك عددًا من العوامل الخارجية والداخلية التي تجعل من إمكانية إغلاقها هذه المرة واقعًا أكثر منه مناورة لتوليد الأموال.

لقد أثر تراجع أسعار النفط، والتي انخفضت إلى ما يقارب الـ 27 دولارًا أمريكيًا للبرميل، بدرجة كبيرة على اقتصاد المنطقة وأمور أخرى ذات صلة. كما فاقمت من الوضع التوتراتُ بين دول الخليج المنتجة للنفط من ناحية، ومحور إيران- روسيا من ناحية أخرى، حيث تحاول الأولى استخدام الاقتصاد لكسر شوكة خصومها، ما يترتب عليه الإضرار بها هي ذاتها.  

كذلك توقفت السعودية، التي استثمرت لسنوات في إعادة بناء وتمكين الدولة اللبنانية، مؤخرًا عن تقديم منحة الثلاثة مليارات دولار أمريكي للقوات المسلحة اللبنانية، ليس فقط بسبب احتماء حزب الله المستمر بالدولة، وإنما أيضًا بسبب فشل حلفائها، حركة المستقبل التي أسسها الراحل رفيق الحريري، في التعامل مع تلك التحديات، ما أدى بدوره إلى تراجع كبير في حجم تمويل الأحزاب السياسية اللبنانية، بما في ذلك الكثير من الوسائل الإعلامية المحلية التي تعتمد جزئيًا أو كليًا على ذلك الدعم، الذي يأتي أغلبه إما من دول الخليج أو إيران، بحسب انحيازات الجريدة.

كما أدى تفاقم الصراع السني الشيعي وتداعياته المباشرة، سواء في سوريا أو اليمن، إلى التقليل من تأثير الإعلام اللبناني وانعدام فائدته، ومن ثم عدم استحقاق اﻷخير للدعم السياسي السخي من قِبل القوى الراعية له. كذلك، وهو الأدق، أصبحت للمملكة العربية السعودية وإيران الآن منافذهما الإعلامية الخاصة القادرة على تبني وجهة نظرهما، وذات القدرة الأكبر على الانتشار الإقليمي، وهو ما لا يمكن أن تدعيه أي من المجموعات الإعلامية اللبنانية.

جدير بالذكر أن الكثير من مصادر الدخل التقليدية المستخدمة في تمويل تلك الهيئات الإعلامية لم يعد لها وجود، حيث كانت العديد من الديكتاتوريات المتحللة في العالم العربي والتي سقطت مع الربيع العربي، مثل ليبيا وتونس ومصر، من بين داعمي العديد من المنابر الإعلامية.

رغم أن تلك العوامل الإقليمية قادرة بدون شك على تعطيل إصدار أي جريدة، إلا أن السبب الحقيقي وراء هذا الوضع المالي المتدهور يظل داخليًا ومحليًا. الكثير من المشروعات الإعلامية في لبنان والعالم العربي تدار باعتبارها مشروعات أسرية، أكثر منها شركات إعلامية متماسكة ذات خطة مالية واضحة.

أغلب، إن لم يكن كل التمويل الذي “حصلت عليه” كل من جريدة النهار والسفير، جرى تحويله للحسابات الشخصية لمالكي الصحيفتين وأسرهما الممتدة، بدلًا من استثماره في تطوير المؤسسات وتجهيزها للانتقال إلى القرن الحادي والعشرين.

لأكثر من عقد لم يكن سرًا أن الصحافة المطبوعة تمر بأزمة مالية، ما دفع العديد من كبريات الصحف إلى التكيف وتحضير منصاتها للإصدار الرقمي. كما قررت بعض المنظمات الجديدة، مثل “كريستيان ساينس مونيتور” التوقف عن إصدار نسختها المطبوعة والانتقال تمامًا إلى النشر عبر اﻹنترنت.

وفي محاولة هزيلة للتكيف مع هذا الميل العالمي، أضفت الصحف اللبنانية بعض التحسينات على مواقعها الإلكترونية. وفي كثير من الأحوال اكتفت بنشر موادها المطبوعة كما هي على الموقع، دون أي تعديل يناسب جمهور قراء الإعلام الرقمي.  

تاريخيًا، فشل اﻹعلام اللبناني التقليدي في لعب دور الراصد والمراقب لفروع الحكومة الثلاثة، وبدلًا من ذلك وقع فريسة للخريطة السياسية اللبنانية. حيث انتُخب الراحل غسان تويني وابناه جبران ونايلة تويني، الناشرة الحالية لجريدة النهار، في البرلمان في فترات مختلفة. وأدى هذا الانجذاب للسلطة والشهرة إلى تحويل الكثير من الإصدارات إلى منابر استخدمتها وأساءت استخدامها الفصائل السياسية المختلفة، ما أدى في النهاية إلى تحلل هياكلها، أو عدم قدرتها الصمود في مواجهة التوتر السياسي.  

في روايتها الشهيرة “الخسارة السوداء” تكتب الكاتبة الإنجليزية إيفيلين واو عن أزانيا، وهي جزيرة أفريقية خيالية في وسط المحيط الهندي. يُعيّن باسل سيل، خريج جامعة أكسفورد، لمساعدة سيث، إمبراطور أزانيا الحاصل على تعليم انجليزي، على تحديث بلاده. يدور حوار بين سيل ومالك “صوت أزانيا”، وهي إصدار متوسط المستوى من ورقة واحدة. يرفض السيد برتراند، صاحب الجريدة، عرض سيل بشرائها ويرد عليه بإجابة كاشفة، قد تنطبق بدرجة ما على الصحف اللبنانية. “أنا من أنا لأنني أملك هذه الصحيفة، وإذا وافقت على بيعها لك سأصبح لا أحد.”

بغض النظر عن الموقف الشخصي من إمكانية إغلاق تلك الصحف، يبقى السؤال البديهي والمباشر: لماذا نتوقع أن يكون الإعلام اللبناني أفضل من النظام الطائفي والفاسد الذي يسكنه ويحافظ عليه، ولماذا يجب على المرء دعم أي من تلك التجارب الفاشلة؟

 
اعلان