Define your generation here. Generation What

محامون ولكن.. سجناء وقتلى

وسط معركة الدفاع عن حقوق وحريات المواطنين، التي يُشارك في مقدمتها محامون ومحاميات وضعوا على عاتقهم الدفاع عن المظلومين،  ثمة نقابة يخضع مجلسها لدولة تنتهج الظلم والتلفيق، حتى أصبحت كعجوز تحتضر لا تقوى على الحركة، ويُنتظر أن يُتلقى فيها العزاء. يبدو أن فرمانًا كان قد صدر من الجنرال بالوقوف ضد كل من يحارب من أجل كرامة وحقوق وحريات المواطنين، ويبدو أن دور المحامين قد حان، وبدأ التنفيذ بالقبض على المحامين وقتلهم أحيانًا، وكأن مهنة المحاماة أصبحت جريمة.

بكل الأسف، أصبحت كرامة مهنة المحاماة كالعدم لا يمكن رؤيتها. شاهدنا بأعيننا وسمعنا بآذاننا القبض على محامين من منازلهم وأثناء تأدية عملهم في المحاكم والاعتداء عليهم وتعذيبهم حتى الموت، ووصل الأمر إلى إطلاق النار عليهم داخل ساحات النيابات والمحاكم.

يمكن عدّ عشرات من حالات الاعتداء على المحامين، ويمكن للقارئ العثور على عشرات الأخبار عن قضايا لُفقت لمحامين. تُهدم قلعة الحرية والعدل بأيدي محامين سكتوا عن إهدار كرامة أبناء مهنتهم وكرامة المواطنين، وكم من مرات أغمض الجميع عينيه عن ضياع القانون والعدل من ساحات المحاكم والنيابات! لماذا لم يثُر نقيب المحامين من أجل كرامة المهنة، وهي صنعتُه؟ لتجعلها فوق كل ظالم وفاسد وإلا لترحل غير مأسوف عليك.

حوادث انتهاك القانون بحق المحامين كثيرة، وحالة الشهيد المحامي كريم حمدي، رحمه الله، إحدى الحالات التي ستظل علامة في تاريخ معاداة النظام لأبناء مهنة الدفاع عن الحقوق. كريم حمدي محام شاب سعى ليكون محاميًا مدافعًا عن حقوق وحريات المواطنين، وقد كان، فأصبح شوكة في حلق نظام احترف الظلم والتلفيق، ﻷن هذا العمل ليس على هوى سلطة التلفيق، فلُفقت التهم له، وصدر عليه حكم فوري بالإعدام، وعُذب بقسم شرطة المطرية على يد ضباط أمن الدولة حتى الموت. ولم تتحرك النقابة إلا بعد أن ثارت ثائرة جموع المحامين، فحُكم على الجلادين القتلة، ضباط الأمن الوطني، بالسجن لخمس سنوات!

وهناك حالة المحامي إبراهيم نصر، وكان قد قُبض على ابنته رفيدة من داخل جامعة الأزهر وحُكم عليها أمام محكمة جنح مدينة نصر ثان بالحبس خمس سنوات وغرامة 100 ألف جنيه، وبعد استئناف الحكم عقدت جلسات محاكمتها بأكاديمية الشرطة، وحُجزت القضية للحكم بعد جلسات المرافعة، حتى جاء يوم الحكم داخل الأكاديمية وحضر الأستاذ إبراهيم بصفته محاميًا عن ابنته. انعقدت الجلسة يوم 23 نوفمبر 2014 وبدأ رئيس الدائرة رامي عبد الهادي -والمعروف إعلاميًا بقاضي الرشوة الجنسية والذي أحيل للصلاحية- بنطق الحكم بتأييد حكم أول درجة على رفيدة، فما كان من إبراهيم نصر إلا أن قام بالخروج من القاعة بهدوء، ولكن هذا لم يعجب القاضي، الذي نادى على الزميل: “اجلس مكانك ولا تخرج من القاعة”، فكان رد الزميل: “إحنا مش في فصل. أنا سمعت الحكم وخارج من القاعة”، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أصدر القاضي أمرًا لحرس القاعة بالتحفظ على الزميل المحامي ووضعه داخل قفص الاتهام، ثم قرر حبسه 24 ساعة مع كتابة مذكرة وإحالة للنيابة العامة ضده بتهمة الإخلال بنظام الجلسة وإهانة هيئة المحكمة، وظل إبراهيم محبوسًا احتياطيًا قرابة الـ10 أيام إلى أن أُخلي سبيله.

وفي الشرقية قضية أخرى لمحام آخر. عبد العزيز يوسف المحامي الشاب الذي يعمل بمكتب محاماة بالقاهرة، عاد يوم الثلاثاء 18 أغسطس الماضي إلى منزل أسرته ببلبيس بمحافظة الشرقية، وما أن وصل إلى المنزل حتى داهمته قوات من مباحث أمن الدولة وقُبض عليه وظل مختفيًا لمدة تتجاوز ٤٨ ساعة، ثم ظهر بنيابة بلبيس للتحقيق معه على خلفية مظاهرة اندلعت في قرية بجوار مدينته في الخامسة والنصف صباحًا من اليوم السابق. وجهت له النيابة اتهامات الانضمام لجماعة أُسست علي خلاف أحكام القانون والتظاهر بدون تصريح ومحاولة قلب نظام الحكم، إلخ. ظل يوسف ما يقارب اﻷربعة أشهر محبوسًا على ذمة القضية حتى حكمت المحكمة ببراءته مما هو مُلفق له. ولم نر بالمناسبة أي تواجد أو تمثيل لنقابة المحامين طيلة جلسات نظر أمر حبسه احتياطيًا أو محاكمته.

وفي فارسكور كانت كرامة المهنة تُضرب بالحذاء، فقد اعتدى نائب مأمور قسم فارسكور على عماد فهمي، وهو محام كبير السن، بالحذاء داخل ديوان القسم وهو يقوم بأداء عمله، فأصابه بجرح قطعي بالرأس. وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي تنتفض فيها النقابة لكرامة المحاماة، وإن كنت أراها انتفاضة كرتونية وجزءًا من صراع انتخابي آنذاك.

وفي سياق آخر هناك الأستاذ محمد عبد الفتاح، محام كرس حياته لخدمة المهنة، وكان شغله الشاغل الدفاع عن حقوق وحريات المواطنين، وشهدت المحاكم والنيابات بإصراره على الحفاظ على حقوق موكليه ودفاعه عن المظاليم. وفجأة قرر ضباط أمن الدولة إيقاف الفارس الذي يصول ويجول داخل المحاكم والنيابات، فلفقوا له قضية تفجير سفارة النيجر، وهو حاليًا يُحاكم عسكريًا.

ومؤخرًا، فجر 8 مارس الجاري، قُبض على إسلام سلامة من منزل أسرته، ولُفقت له قضية وهمية بالانضمام لجماعة أُسست على خلاف أحكام القانون وحيازة مطبوعات تحريضية. أي جماعة؟ هل عضويته بنقابة المحامين تهمة؟ هل كتب القانون مطبوعات تدعو لقلب نظام الحكم؟ على العموم  فقد قررت نيابة النظام حبس المحامي خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات.

لم تنته المسيرة بعد، فالمحامين الشرفاء درع يدافع عن كرامة مهنتهم ﻹنقاذها، حتى لا نبكي مهنة ورسالة لم نحافظ عليها كما ينبغي. لنكن كما قال جاز إيزورني، وهو أحد أكبر المحامين في نقابة باريس: “فخر للمرء أن يكون محاميًا، ليبقي مستقلًا لا ينتظر من السلطة شيئًا، وأن يتكلم بصوت عالِ دون تقصير في قول كلمة الحق، وألا ينتظر شيئًا إلا من ذاته”.

 

اعلان
 
 
مختار منير