Define your generation here. Generation What
ما بين عودة جماهير كرة القدم للملاعب واكتشاف الذرّة
 
 
الجماهير المنظمة هي تلك التي تنتمي لجماعات الأولتراس، وهي جماهير تنظّم نفسها بشكل أشبه بالنموذج التقليدي للحركات الاجتماعية
 

مطلع الأسبوع الماضي تابع جمهور كرة القدم في مصر حالة من الشد والجذب بين الأطراف المختلفة المعنية بحضور الجماهير لمباريات الكرة، تزامنًا مع مباراتي الأهلي والزمالك المصريين مع ريكرياتيفو الأنجولي ويونيون دوالا الكاميروني.

فما بين رفض أمني لحضور الجماهير للمباريات، ثم الموافقة على حضور عدد محدود، ومحاولة الناديين منع حضور مجموعات الألتراس الذين صمموا على الحضور، قبل أن يتراجعوا، تجدد الجدل الذي لم يختفي تمامًا منذ سنوات، ويبدو أنه سيستمر إلى فترة غير معلوم مداها، رغم بداهة الحلول.

كانت كرة القدم المصرية، وبشكل أخص الحضور الجماهيري، قد تأثرت منذ ما شهدته الأوضاع الأمنية في مصر تزامنًا مع ثورة يناير 2011. فمع غياب التأمين، حدثت العديد من المواقف التي مرت بسلام، بدايةً من “موقعة الجلابية” في مباراة الزمالك والإفريقي التونسي، ثم مباراة غزل المحلة والأهلي التي لم تكتمل على ملعب المحلة بسبب دخول الجماهير لأرض الملعب، وصولًا لمذبحة ستاد بورسعيد في الأول من فبراير لعام 2012، والتي أسفرت عن وفاة 72 مشجعًا من جمهور الأهلي داخل مدرجات الاستاد.

منذ ذلك اليوم، باستثناء أحداث ومباريات قليلة جدًا، كان الغياب الجماهيري هو السائد في ملاعب كرة القدم المصرية. وأصبح اليوم الذي تُلعب فيه مباراة كرة قدم بحضور الجمهور في مصر بمثابة حدث كبير جدًا يستدعي حالة الاستنفار من كافة الأطراف.

منذ قرابة العام جاء الاقتراح بعودة الجماهير جزئيًا، بحيث يحضر جمهور الفريق المُستضيف فقط، مع استمرار غياب الجماهير في المباريات التي تجمع فريقين جماهيريين. ودخل القرار حيذ التنفيذ لمدة يومين فقط، حتى حدثت كارثة الدفاع الجوي في الثامن من فبراير2015، والتي أسفرت عن وفاة 20 فردًا من جمهور الزمالك على بوابات الاستاد،  وبجانب الخسائر البشرية الفادحة التي شهدها اليوم، فإن عودة الجماهير إلى المدرجات بعد ذلك التاريخ أصبحت أمرًا أقرب للمُحال.

فباستثناء بعض مباريات المنتخب، وأبرزها مباراة تشاد الأخيرة على ملعب برج العرب في نوفمبر الماضي، وبعض المباريات الإفريقية للأندية في الأدوار المتقدمة، فإن العام الأخير شهد غيابًا تامًا للجماهير عن ملاعب كرة القدم.

“لقد مللنا. نكرر الكلام والاقتراحات منذ سنوات ولا أحد يسمع ولا توجد خطوات جادة”، هكذا جاء رد الناقد الرياضي ورئيس مجلس إدارة نادي وادي دجلة، حسن المستكاوي، حين سألناه عن السُبل المقترحة لإمكانية عودة الجمهور لملاعب كرة القدم في وقت قريب.

وأضاف “المستكاوي”: “لا بد من وجود قانون ونظام واضح يلتزم به الجميع، ويعرف كل طرف ما له وما عليه. في غياب نظام واضح، لا يمكن أن نتوقع أي عودة”.

وعن تأمين الملاعب، قال: “شركات الأمن المدنية الخاصة هي الأفضل. لا بد من توفير وسائل التسلية والرفاهية للجماهير في أوقات الاستراحة بين المباريات في مُحيط الملعب. تلك هي العوامل التي ستجذب الجماهير التي قد لا تُسبب أية متاعب”.

فيما رأى المُحلل الرياضي طه إسماعيل أن الموضوع في يد الأمن فقط، ولا توجد حلول يُمكن اقتراحها حاليًا.

وأضاف: “اقتراحات عديدة قُدّمت خلال الأعوام الأخيرة وفشلت. وكل فترة يتم تحديد موعد لعودة الجماهير ثم يتم تأجيله ولا شيء يجد”.

رأي “إسماعيل” توافق مع أراء أتت من بين جمهور الكرة.

من جانبه، قال المُعلّق الرياضي بلال علام إن هناك حالة من الغموض حول مسألة غياب الجمهور، مؤكدًا أن مسؤولي الدولة فقط هُم من يمكن سؤالهم عن أسباب الغياب وموعد العودة، وهي الخطورة التي يترقبها الجميع، حسبما قال.

وعند سؤاله عن كيفية عودة الجمهور، أجاب: “لا يمكن أن يعود الجمهور بشكل مباشر في الوقت الحالي. لا بُد من جلسة تجمع جميع الأطراف المعنية، حيث أن كل طرف يتبنى وجهة نظر محددة. ولا بد من الاتفاق على عدة نقاط يتم على أساسها التجهيز لعودة الجمهور”

مؤكدًا أن “عودة الجمهور بدون حوار لا يمكن أن تكون آمنة، خاصة أننا خُضنا تجربتين صعبتين في وقت قليل، وهما كارثتي بورسعيد والدفاع الجوي”.

“وزارة الداخلية في المقام الأول، واتحاد كرة القدم في المقام الثاني”، هكذا رتب عمر السيد، لاعب الملاكمة بنادي 15 مايو وأحد المواظبين على حضور مباريات الأهلي من داخل الملعب، الأسباب الرئيسية لغياب الجماهير عن الملاعب حتى الآن.

وأضاف: “مسؤولو وزارة الداخلية يُريدون أن يُريحوا أنفسهم من التأمين باختراع أسباب لا وجود لها من جهة، ومن جهة أُخرى ربما يعاقبون فئة من جمهور كرة القدم الذين دخلوا في صدامات مباشرة معهم في أكثر من مناسبة خلال الأعوام الأخيرة”.

وكان اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة والإعلام، قد ذكر في تصريحات تلفزيونية في نهاية الشهر الماضي أن الوزارة تأمل في عودة الجماهير قبل نهاية العام الجاري.

وأضاف: “عودة الجماهير مرتبطة ببعض الاشتراطات الفنية المتواجدة داخل الملاعب. وفي حال تواجد هذه الاشتراطات، سيكون هناك دراسة جدية لعودة الجماهير للملاعب مرة أخرى”.

قبل أن تعدل الوزارة عن هذا الرأي منتصف الشهر الجاري، إذ أكد بيان لها على “ضرورة الالتزام بالتعليمات والضوابط التي تم وضعها لإقامة المباريات بدون جمهور حتى تخرج المباريات بالشكل المشرف للرياضة المصرية.”

في حين استكمل “السيد” قائلًا: “اتحاد الكرة أيضًا لا يسعى بشكل جدي لحل الموضوع. ولا يُريد أن يتعب نفسه في البحث عن حلول”.

كان ثروت سويلم، المدير التنفيذي للاتحاد المصري لكرة القدم، قد صرح في مطلع نوفمبر الماضي أن “عودة الجماهير لمباريات الدوري الممتاز ستكون مع انطلاق مباريات الدور الثاني(للدوري الممتاز)  وبعد موافقة رئيس الوزراء”.

غير أنه تراجع عن هذا التصريح في فبراير الماضي، وقبل أقل من أسبوع على بداية الدور الثاني وقال في تصريحات تليفزيونية: “”أما عن إقامة الدوري بجمهور، فالأمر يحتاج لدراسات، وهناك بعض شركات الأمن عرضت تنظيم دخول الجماهير عبر بوابات الكشف عن المعادن، إلا أن الأمر لا يعد بسيطًا لهذه الدرجة”.

وفي حين وصف عضو آخر بمجلس إدارة اتحاد الكرة، وهو محمود الشامي، عودة الجماهير للملاعب بـ “الوهم”، معتبرًا أنها “من الأمور التي من الصعب حدوثها، سواء بعودتها خلال هذا العام، أو تحديد موعد لها مستقبلًا لأنه لا توجد أي خطوة إيجابية من الجميع تجاه هذا الأمر”، رأى حمادة المصري، عضو مجلس إدارة الاتحاد أيضًا، أن “وزارة الداخلية وحدها صاحبة القرار النهائى في عودة الجماهير للملاعب، وأن اتحاد الكرة ليس له السلطة فى اتخاذ قرار مصيرى مثل هذا، بخاصة أنه متعلق بالأمن والأمان”، وذلك في تصريحات صحفية أدلى بها خلال الشهر الجاري.

يعتقد “السيد”، مشجع “الأهلي”، أن “غياب الجمهور بحجة أوضاع البلاد هو مبرر لا أساس له من الصحة. لا يوجد أي مُبرر منطقي لغياب الجماهير عن الملاعب حتى الآن”، مضيفًا أن الحلول واضحة للجميع، ويقول: “يُمكن أن يقتصر وجود الأمن على محيط الملعب الذي تُقام به المباراة، ويتكفل الجمهور بالتأمين داخل الملعب، أو يتم اللجوء لأحد شركات التنظيم الخاصة داخل الملعب مثلما نجح الأمر في بطولة أفريقيا لكرة اليد”.

وفي حين يظل الحضور الجماهيري محكومًا بالعديد من التفاعلات السياسية، بين علاقة إدارات الأندية الرياضية بالجماهير، وعلى رأسهم مجموعات الأولتراس، من جهة، وعلاقة الأخيرين بالأمن من جهة أخرى، شهدت المدرجات المصرية حراكًا مهمًا خلال شهر يناير الماضي، بتواجد جماهيري بارز خلال بطولة أفريقيا لكرة اليد التي نظمتها مصر.

وشهدت البطولة تجربة جديدة من خلال تواجد شركة خاصة لبيع التذاكر للجماهير، وهي شركة “المدرج”، بالتنسيق مع اللجنة المنظمة للبطولة، والتي رأسها لاعب كرة يد مصري دولي سابق، وأضافت تلك التجربة الكثير فيما يخص عملية تنظيم بيع التذاكر إلكترونيًا عن طريق بطاقات الرقم القومي، وكذلك بدا دور اللجنة المنظمة واضحًا من خلال تأمين مُناسب للجماهير عند الدخول للملعب.

بلال علام كان أحد المتابعين للبطولة، التي حضر مباراتها النهائية قرابة 20 ألف مشجع، وبناء على ما شاهده أكد أن إسناد تنظيم المباريات لشركات خاصة هو أمر ناجح جدًا ومُتبع في جميع الدول الأوروبية، وقد يكون أحد الحلول العملية لمشكلة جماهير الكرة في مصر.

وأضاف: “الشركات الخاصة لديها الكفاءات والقدرة والتفرُغ اللازم لتنظيم تلك الأحداث. وتعرف جيدًا كيف تُحقق أرباحًا من وراء تنظيمها للأحداث الرياضية. هي خطوة إيجابية بلا أدنى شك”.

في السياق نفسه، أكد خالد العوضي، حارس مرمى منتخب كرة اليد المصري السابق ورئيس اللجنة المنظمة لبطولة أمم أفريقيا لكرة اليد، أن التجربة إجمالًا كانت ناجحة ومفيدة.

وأضاف: “كان هناك تسهيلات كبيرة على الجماهير، ولمسنا تعاونهم وتلك كانت خطوة مفيدة”.

واتفق العوضي مع علام بخصوص عودة الجماهير لملاعب كرة القدم، حيث قال: “كل الأطراف مسؤولة عن العودة. لا بد من تنسيق واضح بين الجميع والاتفاق على نقاط مُحددة يتم على أساسها عودة الجماهير للملاعب”.

وذكر العوضي النقطة التي شدد عليها “المستكاوي” بخصوص وجود بعض الفقرات الترفيهية للجماهير خلال المباريات، وتواجد مناطق الـ fan-zones في الملاعب، مؤكدًا أن تلك الأشياء ستعمل على جذب الجماهير بشكل أكبر.

من جانبه، أكد المهندس طارق الرافعي، مؤسس شركة “المدرج”، أن تجربة بطولة أفريقيا لكرة اليد إجمالًا كانت مليئة بالمكاسب.

وسبق للرافعي العمل مُديرًا للتسويق بنادي الزمالك، بالإضافة إلى امتلاكه الكثير من الدراسات والخبرات في مجالات التنظيم والتسويق، قبل أن يؤسس شركة “المدرج”.

واستكمل حديثه عن بطولة اليد قائلًا: “التحدي أمامنا من البداية كان تغيير ثقافة المُشجع المصري في كافة الرياضات بشكل عام. كان هناك تخوفات كبيرة حول تعاون الجماهير مع الأمور التنظيمية، خصوصًا في ما يخص بيع تذاكر المباريات بالهوية الشخصية”.

مضيفًا: “فوجئنا بتعاون وحرص كبير من الجمهور. اكتسبنا الكثير من الخبرات خلال التنظيم، وكل ذلك يُعتبر من المكاسب الهامة”.

وبخصوص السلبيات، أضاف: “لا يُمكن أن نتحدث عن وجود سلبيات حقيقية. ولكن منذ اليوم الثاني لنهاية البطولة، بدأنا بالعمل مباشرة من أجل تحسين الخدمات التي نقدمها من خلال تطوير طريقة عمل قواعد البيانات وغيرها من الأمور التي نعمل على أساسها”.

ولكن ما العائق أمام عودة الجمهور لملاعب كرة القدم؟ وهل تستطيع الشركة تنظيم ذلك الأمر؟

يُجيب الرافعي: “المشكلة الأكبر بخصوص كرة القدم أن عدد الجماهير أكبر، وعدد المُباريات أكبر ويُقام على أكثر من ملعب في أكثر من محافظة، بعكس ما حدث في بطولة كرة اليد مثلًا. مع ضعف التنظيم وعدم معرفة الاستادات التي ستُلعب عليها المباريات حتى وقت قليل قبل إقامتها، يُصبح الأمر صعبًا”.

ويُضيف: “مع تنظيم أفضل لمواعيد وأماكن إقامة المباريات، يُمكن أن أقول أن شركة المدرج قد تكون جاهزة قريبًا جدًا لتنظيم المباريات، بعد التطوير اللازم لبرامجنا التي نعمل عليها، وذلك في حالة اتخاذ قرار بعودة الجماهير”.

وختم حديثه قائلًا: “يُمكن أن نتفاءل بعودة الجماهير إذا حدث ذلك فقط على أساس علمي”، مؤكدًا أننا “لن نكتشف الذرة”، وهو ما يتشابه مع ما أكده حسن المستكاوي من أن الحلول “بديهية”.

اعلان
 
 
علي أبو طبل