Define your generation here. Generation What

لهذا سُجِنَت آية حجازي

التهمة: القدرة على التنظيم

_____________

ما الذي يدفع نظامًا سياسيًا، مهما بلغ من قسوة، لاعتقال صاحبة جمعية تهتم بقضية أطفال الشوارع؟ على افتراض صحة التهم الموجهة إلى آية حجازي، باستغلال الأطفال، هل يعقل أن ينتفض النظام فجأة للدفاع عن اﻷطفال الذين ينتهكون تحت سمعه وبصره، صباحًا ومساء، على ناصية كل شارع وتحت كل إشارة مرور؟ هل آية مجرد ضحية بلاغ كاذب وتحريات عشوائية، أم أن للقضية أبعادًا أخرى أخطر من ذلك؟ أسئلة يجب طرحها بعد أن اقتربت آية وزوجها وستة متطوعين آخرين بالجمعية من إتمام عامهم الثاني خلف القضبان، في انتظار محاكمة عادلة.

في البداية ينصح بقراءة مقال الكاتب عمر حاذق بعنوان “آية حجازي.. لقد فرغ المداد من القلم” المنشور في “مدى مصر” لقراءة حيثيات القضية وملاحظة التضارب بين الشهود والتناقض في التحريات، الذي يجعل الأعمى يرى شبهة التلفيق، ويفتح المجال للتساؤل: لماذا سجنت آية حجازي؟

إجابة هذا السؤال سهلة إذا كان الحديث عن أحد أعضاء اﻹخوان، أو أحد مؤيديهم، أو جار أحد مؤيديهم، أو أي مشتبه فيه بمعارضة النظام بوجه عام. ولكن هذه الشابة الرقيقة ذات الابتسامة الوضيئة الواسعة، لم تكن يومًا ذات انتماءات سياسية، وإنما ركزت جهودها في مجال التنمية مثل والدتها التي ربت فيها حب الخير منذ الصغر، فمنذ التحاقها بكلية الحقوق بجامعة القاهرة؛ لإيمانها بأهمية القانون كأداة لتغيير حياة اﻹنسان إلى الأفضل، كانت تشارك في محو أمية سيدات عين الصيرة، كعضوة في جمعية “علشانك يا بلدي” بالجامعة الأمريكية، وفي وقت قصير حظت آية بشعبية كبيرة بين سيدات المنطقة نظرًا لحماسها المشتعل، فقد لمسن فيها أنها تزورهن لتحسين ظروفهن المعيشية، وليس لتلميع سيرتها الذاتية. وحين غادرت بصحبة أسرتها إلى الولايات المتحدة للبقاء بجوار جدتها المريضة، التحقت بجامعة جورج ماسون بولاية فرجينيا وبدراسة جديدة باسم “فض النزاع –Conflict Resolution”، وكان هذا قبل الثورة، قبل أن تصبح مصر في أمس الحاجة لهذا التخصص.

كانت تسعي دومًا لفض النزاع، لا لتكون أحد أطرافه، ولذلك فقبل أشهر قليلة من حبسها نظّمت في وسط القاهرة ماراثون  حظى بتغطية إعلامية كبيرة باسم “ياللا نجري من السياسة”، في محاولة لمواجهة حالة الاستقطاب السياسي عن طريق البحث عن النقاط المشتركة واستغلال ما يجمع الناس والتغاضي عما يفرق بينهم، وهي أبجديات ما تعلمته في دراستها لأساليب فض النزاعات. كانت تسعى دومًا لتغيير الظروف بدلًا من الاكتفاء بلعنها، وتمارس كل ما تروج له من مبادئ، حتى وإن خالفت أعراف المجتمع وتطلعات العائلة. وفي مجتمع تجري فيه الطبقية مجرى الدم، تزوجت آية ساكنة المعادي، عن حب واقتناع، ساكن إمبابة الذي تعرفت عليه في ميدان التحرير، لأنها تعلم جيدًا أن مشاركة الآمال والطموحات والقناعات الفكرية أهم كثيرًا من الانتماء لنفس الطبقة الاجتماعية. وبدلًا من العودة ﻷمريكا لدراسة القانون الذي طالما أرادت إجادته، قررت البقاء في مصر وإنشاء جمعية “بلادي” لرعاية أطفال الشوارع، مستخدمة بذلك المال المخصص لحفل زفافها، وهو أهم حدث في حياة معظم الفتيات اللاتي يرين الزواج غاية وإنجازًا في حد ذاته، ويرين الفرح فرصة للتباهي بالإفلات من العنوسة أمام الأهل والأصدقاء، ولو كلّفت الليلة واحدة راتب سنة كاملة. ولكن آية لم تكن كمعظم الفتيات، وإنما كانت تؤمن بشدة أن أطفال الشوارع مثلهم مثل بقية الأطفال، أرضًا بكرًا، إذا توفر لها الاهتمام والرعاية ستحصد منها الخير، وإذا هُجرت تصبح مرتعًا للشوك والحشائش. ولكن بعد القبض عليها وإغلاق الجمعية بعد أقل من ثلاث أشهر على افتتاحها، بسبب اتهامات واهية، أصبح واضحًا أن هناك من يصر على زرع الشوك، وإذا افترضنا براءة آية من التهم الموجهة إليها، وهو افتراض تدعمه حتى الآن الأدلة والبراهين، فهذا يضعنا أمام عدة أسباب محتملة لسجنها، تختلف تمامًا عن المذكور في أوراق القضية.  

من المؤكد أن آية حجازي ظلت مرصودة من الأجهزة الأمنية قبل إنشاء الجمعية بكثير. فبالإضافة إلى حملها الجنسية الأمريكية، فقد شاركت بعد الثورة كمساعدة تحقيقات في اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق التي أمر بإنشائها ملك البحرين بعد مشاورات واسعة مع لجنة حقوق اﻹنسان بالأمم المتحدة في يونيو 2011، للنظر في أحداث احتجاجات فبراير ومارس من ذلك العام. ساهمت آية كما هو مكتوب على صفحتها بموقع Linked in في زيارة المشرحة ومكاتب وزارية ومستشفيات وأماكن احتجاز، باﻹضافة إلي المساعدة في توثيق مقابلات الشهود في الفترة من أغسطس إلى أكتوبر من نفس العام. لم تكن تفضل الجلوس في الفنادق الفارهة وقضاء الوقت في غرف الاجتماعات المكيفة مثل العديد من زملائها، وإنما كانت تسعى للنزول والتحاور مع الناس في كل فرصة وأي مكان. في النهاية قامت اللجنة بنشر تقرير من 500 صفحة في شهر نوفمبر من العام نفسه، بعد الاستماع إلى 9000 شخص، وتوثيق 46 حالة وفاة، و559 مزعم تعذيب، وتسريح 4000 عامل بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات. انتقد التقرير قوات الأمن ﻹطلاقها النار في مناسبات عديدة بدون داع ولا تمييز، ووجد أن بعض الأفعال مثل تدمير الممتلكات لا يعقل حدوثها دون علم القادة. كما أكد التقرير على استخدام الحكومة لأساليب التعذيب المنهجي وغيرها من أشكال الإيذاء البدني والنفسي على المعتقلين، ورفضت اللجنة ادعاءات الحكومة أن الاحتجاجات جاءت بتحريض من إيران. كانت اللجنة شديدة الأهمية للمهتمين بالشأن البحريني، وجاذبة بشدة لأعين الأمن، الذي لا يفوت فرصة التعرف على كل من له دخل بالتغيير والحراك الديموقراطي، لمراقبته عن كثب ولضمان عدم انتقال فيروس الديموقراطية اللعين لبلاده.

بعد المشاركة في هذه اللجنة الشائكة التي جذبت بلا شك العديد من الأنظار، عادت آية إلى مصر لتتزامن عودتها مع اندلاع أحداث محمد محمود. كانت آية من رواد الميدان ولكنها لم تكن تذهب، كما قد يظن البعض، للتظاهر، وإنما للحوار. كانت تعلم جيدًا أن تبادل الأفكار بين الفئات المتعاركة من رواد الميدان أهم بكثير من تراشق الحجارة مع قوات الأمن، وكانت على يقين من ضرورة مد جسور التفاهم بين جزر الميدان المنعزلة لتحويل طاقة الغضب إلى حلول بناءة. وهكذا كانت تذهب باستمرار إلى ميدان التحرير وتقوم بجمع الموجودين في حلقات نقاش واسعة لمناقشة المشاكل واقتراح الحلول، وكان أحدها إنشاء مؤسسة “بلادي”. وبما أن الميدان كان ممتلئًا بالمخبرين عن آخره، فقد جذبت الأنظار إليها بلا شك مجددًا، ليس فقط كمحققة في لجنة تقصي حقائق دولية، وإنما كشخص ذي قدرة عالية على التنظيم وإنشاء شبكات فعالة قد تكون نواة لحراك شعبي قادم. قد يتساءل البعض مستغربًا، لِمَ يهتم النظام بها وهي لم تتظاهر؟ ولكن الحقيقة أن التنظيم أخطر كثيرًا على النظام من التظاهر، فصدى الهتاف يخفت وتظل الشبكات باقية، وأهداف الثورة لم تتحقق ليس لغياب التظاهر، وإنما لغياب التنظيم. كانت آية تسعى بحكم دراستها إلى إنهاء النزاع، وبالطبع لم يكن ليسمح بذلك المستفيدون من استمراره.

المرة الثالثة والأخيرة التي جذبت فيها أعين الأمن، كانت عندما قررت إنشاء جمعية للاهتمام بأطفال الشوارع تقع في وسط البلد، عاصمة دولة المخبرين، وكما يقال فـ “التالتة تابتة”. كانت آية ترى دومًا أن أطفال الشوارع قنبلة موقوتة يجب العمل على إبطال مفعولها، ولكن هؤلاء اﻷطفال أثمن من منجم ذهب بالنسبة لمافيا كبيرة من المنتفعين بهم الذين يشملون تجار الأعضاء، والمسرّحاتية (معلمي التسول)، وتجار المخدرات، والمستشفيات التي تجري عمليات الزرع في الخفاء، وبيوت الدعارة، وأمن الدولة. بالنسبة لتجارة الأعضاء، تقع مصر في المركز الرابع على مستوي العالم نظرًا لوفرة العرض، بسبب وجود أكثر من مليوني طفل شارع، طبقًا لإحصاء اليونسكو الأخير، وأغلبهم بلا أهل وبلا ثمن. لا تقوم تجارة الأعضاء   على السماسرة فقط وإنما تشمل أطباء ومستشفيات وغطاء أمنيًا يعمل على سير العملية بسهولة ويسر. ففي بلد كان متوسط سعر الكُلية فيه عام 2008 يبلغ 3000 دولارًا، كان من الصعب ترك آية وأمثالها حائلًا أمام تلك السبوبة الدسمة. ورغم  تفشي الظاهرة إلى حد مناقشتها في أعمال فنية مثل فيلم “القط” الذي أخرجه إبراهيم البطوط وقام ببطولته عمرو واكد، لا تزال الدولة تقف متكاسلة أو متواطئة، بينما يساق أطفالها إلى الذبح.

من ينجون بأجسادهم ويعيشون من الأطفال يُستغلون في التسول وتجارة المخدرات، وحين يكبرون تتجه بعض فتياتهم إلى الدعارة، وشبابهم إلى البلطجة. كما ذكر محمد العتر في مقاله بموقع “ساسة بوست”، تحت عنوان “كيف أسست الداخلية المصرية لدولة البلطجة” فطبقًا ﻹحصائية أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 2002، يبلغ عدد البلطجية في مصر نحو نصف مليون شخص ممن يمتهنون العنف واﻹجرام. وفي لقاء تلفزيوني عام 2013، قال منصور أبو جبل المنسق العام لاتحاد أفراد الشرطة بالشرقية، إن جهاز أمن الدولة لا يزال يستعين بالبلطجية المسلحين لمواجهة المتظاهرين. في العام نفسه، صرح أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط في مؤتمر حزبي أن جهاز أمن الدولة هو من كان يدير تنظيم البلطجية المتعاونين مع الداخلية في أخر سبع سنوات قبل الثورة طبقًا لما أخبره به محمد مرسي قبل عزله.

البلطجية بالطبع سلاح فعال في يد الدولة، يرفع عنها الحرج ويمنع الدماء من تلطيخ ثوبها. غني عن الذكر أن أطفال الشوارع اليوم هم بلطجية الغد، فالطفل الذي أمضى طفولته في التسول بعيدًا عن المدرسة، من الصعب أن يصبح مهندسًا أو جراح قلب. فهل يعقل بعد ما ذُكر أن تُترك شابة حالمة تعمل على منع المادة الخام -أطفال الشوارع- عن مصانع الانحطاط والمال الحرام التي تديرها شبكة مصالح متنافسة لم تتفق إلا على ضرورة غلق الجمعية التي تمنعها من أغلى ما لديها، أجساد الأطفال وأعمارهم؟ بالطبع لا. لهذا سجنت أية، ولهذا مر عامان على سجنها دون محاكمة.

لم تُسجن آية حجازي اعتباطًا، ولم يتم اختيار جمعيتها من وسط عشرات الجمعيات الأخرى المهتمة بنفس القضية عشوائيًا، بل استُهدفت بعناية بعد وضعها تحت الملاحظة منذ وطأت قدماها البلاد. فآية ومن مثلها نعمة على المجتمع، ونقمة على النظام، وسجنها رسالة بأن المرء إذا أراد أن يحيا أمنًا في مصر ليس عليه اعتزال السياسة فقط، ولكن عليه اعتزال أي مبادرة تهدف للإصلاح والتغيير بوجه عام، وإذا أمكن فليعتزل العالم أجمع، فالحياة الفردية كخلايا منعزلة هي أحد أهم مقومات دولة الخوف التي يسعى النظام إلى تثبيت أركانها بقوة. وفي دولة الخوف، لا مكان لمن هم مثل آية. فمن يتبادلون الزهور خلف القضبان قادرون على بدر بذور الأمل خارجها، ولكن هناك دومًا من يستفيدون من بقاء الأرض قاحلة.

اللهم فك أسر آية حجازي، وفك أسر هذا الوطن.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله