Define your generation here. Generation What
“تحيا مصر”.. كيف تخلص صندوق الرئيس من الرقابة على ملياراته
 
 

 

بعد أيام قليلة من توليه منصب رئاسة الجمهورية، وخلال حفل تخرج الدفعة 108 من الكلية الحربية في 24 يونيو 2014، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، الشعب المصري للتبرع بما يستطيع للمشاركة في حل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر، معلنًا أنه سيبدأ بنفسه بالتنازل عن نصف راتبه وممتلكاته لصالح البلاد. وبعد ساعات من انتهاء خطاب الرئيس، أعلن البنك المركزي، أنه تم فتح حساب باسم “صندوق تحيا مصر” لتلقي التبرعات.

لم يكد يمر أسبوع، حتى أعلنت رئاسة الجمهورية في الأول من يوليو عن تدشين صندوق “تحيا مصر” تحت الإشراف المباشر للرئيس، وخاضعًا لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات “في إطار من الشفافية والمصداقية”، مؤكدة أن “البنك المركزي سيعلن قوائم المتبرعين وحجم التبرعات شهريا”.

بدأت التبرعات في التدفق على حساب الصندوق، وقدرتها تقارير صحفية، بعد أسبوعين فقط من التدشين الرسمي، بخمسة مليارات جنيه، كلها من رجال أعمال، لكن لم يعرف أحد حجم التبرعات بدقة، حيث لم تظهر أبدًا قوائم “المركزي” الشهرية للمتبرعين أو حجم التبرعات، حتى أعلن السيسي في فبراير الماضي أن الصندوق تلقى 4.7 مليار جنيه بينها مليار من القوات المسلحة.

قال محمد عشماوي، المدير التنفيذي للصندوق، لـ “مدى مصر” إن الفارق بين ما أعلنه الرئيس والرقم المعلن في الصحف هو مقدار ما تم صرفه على المشروعات والخدمات التي أنفق عليها الصندوق. في حين أن “عشماوي” نفسه كان قد قال في حوار صحفي في ديسمبر الماضي أن التبرعات “بلغت 7 مليارات فقط”.

في المقابل، قال مسئول بارز بالجهاز التنفيذي للصندوق، طلب عدم ذكر اسمه، إن إجمالي التبرعات “لم تصل أبدًا لما نشرته الصحف”. وأوضح أن “الصندوق تلقى في بداية الأمر 4.7 مليار فعلًا منها مليار جنيه من الجيش، ولم تتجاوز تبرعات رجال الأعمال وقتها 3.7 مليار منها 850 مليون من عائلة ساويرس، هذه الأموال أودعت في البنوك لمدة سنة كاملة في الوقت الذي كانت الدراسات تجرى حول طبيعة المشروعات التي سيضطلع الصندوق بتنفيذها، وبالتالي ارتفعت الحصيلة إلى سبعة مليارات، تمثل في الأساس حصيلة الفوائد (المصرفية) على أصل الأموال بخلاف بعض التبرعات الإضافية”.

وأضاف المسئول: “أعلن (ناصف) ساويرس مثلًا عن تبرعه بمليارين ونصف تمثل قيمة نزاعه الضريبي مع وزارة المالية، بعد صدور حكم لصالحه، لكن وزارة المالية خاضت بعدها مسار الاستئناف على الحكم، وإلى الآن لم يصدر حكم نهائي، وبالتالي لم يتحصل على المبلغ أصلًا ولم يتبرع به”.

الصندوق يراقب نفسه

انطلق الصندوق وتدفقت المليارات، ولا أحد يعرف على وجه الدقة من أين تأتي ولا في ما تنفق، ما أثار الكثير من التساؤلات حول طبيعة الصندوق والجهة الرقابية المشرفة عليها.

في تصريحات صحفية، قال مسئول بالجهاز المركزي للمحاسبات في أغسطس 2014 إنه “لا يوجد أي جهة في الدولة طالبت إلى الآن بإجراء رقابة على صندوق تحيا مصر”، وأضاف: “لا مانع من قيام الجهاز المركزي للمحاسبات بإجراء الرقابة على الصندوق طالما أن القانون اعتبر موارده مالًا عامًا”.

لم يصدر قانون بتنظيم عمل الصندوق حتى نوفمبر 2014، حين صدر قرار رئاسي بالقانون رقم 139 لسنة 2014 لإنشاء “صندوق ذو طبيعة خاصة يسمى صندوق (تحيا مصر) تكون له الشخصية الاعتبارية، ويتمتع بالاستقلال المالي والإداري ويتبع رئيس مجلس الوزراء ويكون مقره مدينة القاهرة ويجوز له إنشاء فروع ومكاتب في المحافظات الأخرى”. وتمتع الصندوق وفقا للمادة الثانية من القانون “بصفة خاصة برعاية رئيس الجمهورية وعنايته”. واعتبرت المادة الثامنة من القانون أموال الصندوق “أموالًا عامة في تطبيق أحكام قانون العقوبات، ويتولى الجهاز المركزي للمحاسبات مراجعة ومراقبة حساباته، ويعد تقريرًا ربع سنوي يعرض على رئيس الجمهورية”.

لم تمر ثمانية أشهر على صدور القانون حتى نشرت الجريدة الرسمية في 8 يوليو 2015 القانون نفسه تحت رقم 84 لسنة 2015 بعد تعديل مادتين، دون أي ذكر لهذا التعديل، حتى أن الصندوق ما زال يعرف نفسه وفقا لقانون 2014 على موقعه الإلكتروني.

أُضيفت المادة الثالثة إلى القانون الجديد، لتنص على أن “يحدد رئيس الجمهورية بقرار منه أساليب الإشراف على الصندوق وإدارته وتصريف شئونه المالية والإدارية، وذلك بما يتفق وطبيعة ونشاط الصندوق ويمكنه من تحقيق رسالته ودون التقيد بالنظم الحكومية المنصوص عليها في أي قانون آخر”. كما تم استبدال المادة الثامنة في القانون القديم بالمادة التاسعة التي ألغت رقابة المركزي للمحاسبات وقصرت دوره على إعداد “مؤشرات” عن الأداء بناء على قوائم مالية يعدها الصندوق بمعرفة أحد مكاتب المحاسبة المعتمدة لدى البنك المركزي يختاره مجلس أمناء الصندوق، ويقدم الجهاز هذه المؤشرات للمجلس.    

كانت العلاقة بين المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، والعديد من مؤسسات الدولة ورجالها، شهدت توترًا متناميًا بعد 30 يونيو 2013، إذ اتهمه البعض بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين باعتباره آخر مسئول لجهاز رقابي قام بتعيينه الرئيس المعزول محمد مرسي، إلى حد إعلان “جنينة” في أبريل 2015 تلقيه تهديدات من النيابة العامة وقيادات في وزارة الخلية على خلفية مطالبة الجهاز التفتيش على الوزارة. وتطور الأمر لاحقًا إلى إصدار السيسي قانونًا يمنحه الحق في إقالة رؤساء الأجهزة الرقابية بعد أيام قليلة من صدور التعديل الأخير لقانون الصندوق.

من جهته، قال مسئول بارز في الجهاز المركزي للمحاسبات، طلب عدم ذكر اسمه، إن “تقارير مراقبة الأداء تختلف عن التقارير المالية من حيث نطاق المراقبة، فالأولى تختص بمراجعة مدى حسن تصرف الجهة من حيث الإنفاق على الوجه الأمثل وتحقيق مستهدفاتها، في حين أن الثانية تختص بمراقبة السلامة المالية ونزاهة الإنفاق”.

برر “عشماوي” النص الجديد للمادة التاسعة قائلًا إن “الهدف هو تخفيف القيود على إجراءات الإنفاق، واختصار الوقت على النحو الذي سمح بالتعويضات والمساعدات العاجلة لمنكوبي السيول مثلًا”.

ويرد مسئول “المركزي للمحاسبات” بأن “الجهاز المركزي أصلًا لا يختص بالرقابة السابقة على الإنفاق، بل بالرقابة اللاحقة. من غير المفهوم كيف يمكن أن يعرقل الجهاز سرعة اتخاذ قرارات وتنفيذها”.

ورغم نص القانون على أن أموال الصندوق تعد أموالًا عامة، إلا أنه خلا من أي ذكر لدور المراقبين الماليين التابعين لوزارة المالية المختصين بالرقابة السابقة على إنفاق الأموال العامة، الأمر الذي يبرره المسئول البارز في الصندوق بكون “تحيا مصر” “ليس جهة حكومية، وأن الإنفاق يخضع لرقابة مجلس الأمناء والمجلس التنفيذي فقط”.

ويرى أسامة دياب، مسئول ملف الفساد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن القانون ينطوي على تضارب فج في المصالح، “حيث يسمح باختيار الطرف الخاضع للمراقبة لمن يراقب عليه، وبمقابل مالي”.

أموال عامة خارج الموازنة

يقول مسئول بارز في إدارة البحوث بمصلحة الضرائب، طلب عدم ذكر اسمه، إن قانون الضرائب يسمح بخصم كامل التبرعات دون حد أقصى من الوعاء الضريبي للممول في حال كان التبرع موجهًا لصالح جهة حكومية أو عامة أو تابعة للإدارة المحلية، أو خصم 10% كحد أقصى من صافي الربح الخاضع للضريبة، إذا كان التبرع موجهًا لجهة خيرية أو غير حكومية.

ويضيف المسئول: “مصلحة الضرائب استنتجت مما ينص عليه قانون تأسيس الصندوق بتبعيته لرئيس الوزراء (المادة الأولى من قانون الصندوق) ضرورة معاملته معاملة الجهات العامة من حيث الإعفاء الضريبي للتبرعات الموجهة له”.

وبالإضافة إلى تمتع المتبرعين بمزايا التبرع لجهة عامة من الناحية الضريبية، نص قانون إنشاء الصندوق في مادته الثامنة: “تعفى من جميع الضرائب والرسوم عوائد الصندوق والتسهيلات الائتمانية الممنوحة له ولا يسرى على الصندوق أحكام قوانين الدخل والدمغة ورسم تنمية موارد الدولة، كما لا يسري عليه أي نوع آخر من الرسوم والضرائب المباشرة المفروضة حاليًا أو التي تفرض مستقبلًا”.

يرى مسئول ملف الفساد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن “هذا يعني أن كل موارد الصندوق جرى خصمها مسبقًا من موارد الموازنة العامة للدولة في صورة ضرائب الدخل، وهو ما يتطلب التزام كامل من الصندوق في المقابل بالإفصاح عن كل موارده ومصادرها في مقابل كل تفاصيل إنفاقه من ناحية، ويستلزم رقابة كاملة من الجهاز المركزي للمحاسبات لا منقوصة كما هو الوضع الحالي، من ناحية أخرى”.

ويضيف دياب: “هذه النصوص تكشف محاولة الدولة منح الصندوق مميزات متناقضة، تتضمن التحرر من الرقابة على المال العام، ومن خضوع المال الخاص للضريبة”، مشيرًا إلى أن “الصناديق الخاصة مثلًا، وهي أِشبه ما تكون بصندوق تحيا مصر، تُحيل 10% من إيراداتها للموازنة العامة للدولة في ما قد يشبه الضريبة”.

“من حيث المبدأ، لا يمكن النظر لصندوق تحيا مصر إلا كصندوق يدار خارج الموازنة العامة دون رقابة تُذكر عليه، وهو أمر يعيد الجدل حول السلامة المالية وشروط الشفافية والنزاهة المفتقدة في هذه الحالات تبعًا لتقارير متواترة من البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انتقدت هذا التوجه”، يقول دياب.

استثمار أموال الصندوق

لا يكشف الموقع الرسمي للصندوق عن حجم نشاطه، باستثناء إشارات عابرة لثلاثة مشروعات فقط.

سأل “مدى مصر” المسئول البارز في الصندوق، فقال إن نشاط الصندوق يتنوع بين الاستثماري والتنموي، ويعمل الأول من خلال شركة قابضة تستهدف تملك عدد من الشركات تساهم في تنشيط الاقتصاد وتدعم أرباحها بقية الأنشطة التنموية”.

وأوضح أن “الصندوق جمد حوالي 2.5 مليار جنيه من حصيلة التبرعات لصالح تأسيس شركة قابضة بالمشاركة مع البنك الأهلي وبنك مصر، وأنفق بالفعل مليار و400 مليون جنيه على تعويض المضارين من السيول في الإسكندرية وكفر الشيخ والبحيرة، ومليار جنيه أخرى على نقل سكان منطقة الدويقة بعيدًا عن خطر سقوط الصخور هناك، وإعادة تسكينهم، والباقي تمثل في مصروفات جارية على قائمة طويلة من المشروعات القائمة”.

ويتركز النشاط التنموي على قطاعات اجتماعية واقتصادية بعينها، ومواجهة الكوارث الطبيعية، كما حدث مع منكوبي السيول، ويعمل الصندوق على صعيد التنمية الاجتماعية في قطاعي الصحة والتعليم، وفقًا للمسئول.

ويوضح: “في قطاع الصحة يعمل الصندوق على مكافحة انتشار فيروس سي بالتنسيق مع وزارة الصحة وشبكة من المنظمات غير الحكومية ، مع توزيع الأعباء المالية على الأطراف الثلاثة بواقع 40%، 40%، و20% بالترتيب. وفي قطاع التعليم يركز على مشروع البرنامج الرئاسي لتطوير التعليم الذي يستهدف بناء 100 مدرسة متميزة بالتعاون مع اليابان، على أن يشغل موقع نظار المدارس يابانيين وموقع مساعدي النظار مصريين، مع تدريس مناهج يابانية”، مشيرا إلى أن المدارس المئة ليست مجانية، وأن مصروفاتها تقترب من مستوى المدارس التجريبية في محاولة لتغطية تكليفها من مواردها الذاتية لاحقًا.

ويتابع: “يتوجه النشاط الاجتماعي للصندوق لمشروعات مدينة تحيا مصر التي يعمل الصندوق على إعادة تسكين الدويقة فيها عبر ثلاثة مراحل تضم كلها 10 آلاف وحدة سكنية، ومشروع أطفال بلا مأوى الذي يستهدف إعادة تطوير دور رعاية أطفال الشوارع بالمشاركة مع وزارة التضامن الاجتماعي، بتكلفة تصل إلى 168 مليون جنيه، منها 118 مليون سيتحملها الصندوق، ومشروع إعادة تسكين قرى الظهير الصحراوي في الصعيد، عبر استكمال خدماتها ومرافقها، كما يضم النشاط الاجتماعي مساندة  ألف من الغارمات عبر تسديد مديونياتهم بالاشتراك مع جمعية مصر الخير، وإعادة تأهيل مناطق العسال وعزبتي جرجس وسمعان العشوائية”.

وعن النشاط الاقتصادي للصندوق، يقول المسئول إنه يتضمن “مشاريع تملك سيارات الأجرة لألف سائق من أصل 10 آلاف تقدموا بطلبات، ومروا عبر مرحلتي الاستعلام الائتماني والكشوف الصحية والقرعة، وحصلوا في النهاية على تخفيض في السيارات من 115 ألف إلى 79 ألف منها 25% تمثل مقدم السعر والباقي تسدد على أقساط، بخلاف هاتف ذكي لتحصيل قيمة الخدمة عبر البطاقات المصرفية وبطاقة للحصول على خدمة الصيانة في مراكز معتمدة و تشغيل مجاني للسيارة بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى مشروع الثلاجات المبردة الذي يشمل 500 سيارة سعة واحد ونصف طن و350 سيارة سعة خمسة أطنان”، مشيرا إلى أن السيارات الأكبر تتيح مشاركة ثلاثة أفراد في تملكها مع تولي الصندوق إتمام إجراءات الشركة وتأهيلهم على إدارتها، وأن المشروع يتضمن صافي أرباح مفترضة تصل إلى 3000 آلاف جنيه للفرد الواحد، ويقوم على اتفاق مع وزارة التموين على نقل وتوزيع بضائعها، وتحمل الصندوق 75% من سعر السيارة. ويشمل النشاط الاقتصادي كذلك ما يعرف بالقروض الدوارة للمرأة المعيلة، و برنامج تدريب الشباب على القيادة تمهيدًا لتولي مناصب سياسية وإدارية في جهاز الدولة”، وفقا للمسئول.

اعلان
 
 
بيسان كساب