Define your generation here. Generation What

وجع القلوب: أبناء في السجن.. وأمهات تتألم

“اهتفي يلّا الناس سامعانا، حبس بناتنا عار وخيانة”، “مش ناسيين مش ناسيين، هاتوا بناتنا المعتقلين”، و”قولّي يا قاضي إزاي بتنام، .وأنت بتحكم بالإعدام”، كان هذا بعضًا من هتافات النساء من أسر المعتقلات على سلم نقابة الصحفيين يوم 8 مارس بمناسبة يوم المرأة العالمي. الوقفة، التي حضرتها القليلات من المحسوبات على القوي اليسارية والديمقراطية، كانت صرخة وجع في وجه كل من له قلب، أو بقي في نفسه بعض من إنسانية. ولكن ترى هل سمعها الناس حقًا؟

أوردت “شبكة رصد” في تقرير لها أن عدد النساء اللائي قتلن في التظاهرات المناهضة للسلطة، من 3 يوليو 2013 إلى اﻵن، 123 امرأة، وأن 135 امرأة ماتت بسبب الإهمال، و1933 امرأة اعتُقلت، منهن 65 حالة لا تزال رهن الاعتقال، وأن 111 امرأة تعرضت للاختفاء القسري، منهن 11 لا يزلن مختفيات، وأن هناك 72 حالة اغتصاب وتحرش داخل مقار الاحتجاز، وأن عدد من فُصلن من الجامعة 526 طالبة.

ليس هذا فقط، فخلف كل معتقل/ معتقلة عدد من النساء الموجوعة قلوبهم، سواء كن أمهات أو بنات أو أخوات أو زوجات. واحدة ممن أوجع النظام قلوبهن هي الحاجة مؤمنة ذات الـ 70 عاماً، والدة أحمد الغزالي (25 سنة)، المحكوم عليه بالإعدام بتهم لم يرتكبها، واضطر تحت التعذيب للتوقيع على ما كُتب من اعترافات. حُرمت الحاجة مؤمنة من زيارة ابنها، وكانت تنتظر خارج المحكمة أيام المحاكمات لتراه، فقالت: “رجوت العساكر والضباط خارج المحكمة العسكرية في إحدي جلسات المحاكمة أن يتركوني لأصل إليه فرفضوا، رحت في لحظة فلتّ منهم ودخلت جريت من وسطيهم على أحمد وهو بيركب عربية الترحيلات والعساكر تجرى ورايا، لحد ما لحقته على سلم العربية وهو طالع، كان شايفنى وأنا باجري عليه وقعد يقولى: حاسبى يا أمى.. حاسبى لتقعى. أخدته بالحضن وبوسته وكل اللى قالُه ليا وقتها: أنا كويس يا أمى. كان خاسس وعدمان ودقنه طويلة وشعره طويل، منظره وحاله ما يرضيش ربنا”. ويوم النطق بالحكم بقت خارج المحكمة أيضًا ولم يُسمح بدخولها، كما لم يخبرها أحد بالحكم وإنما عرفته من منظر والد متهم آخر حضر المحكمة بصفته محاميًا.  

في ظل عدم الإعلان الرسمي عن عدد المعتقلين، قدرت بعض الجهات عددهم  في مصر حالياً بـ 62 ألف معتقل ومعتقلة. وإذا افترضنا أن متوسط حجم الأسرة المصرية خمسة أفراد، سنجد أن الاعتقال يدمي قلوب 310 ألف من الأقرباء من الدرجة الأولي، وعلى اعتبار أن نصفهم تقريبًا من النساء، لوجدنا أن السلطة الحاكمة توجع قلوب أكثر من 150 ألف امرأة. فحبس علاء عبد الفتاح يوجع قلب أمه د. ليلي سويف وأختيه سناء ومني، وزوجته منال. وحبس إسماعيل اﻹسكندراني يوجع قلب زوجته خديجة التي كانت برفقته في المطار وقت اعتقاله، ورنوة تتألم من أجل زوجها يوسف شعبان المريض الذي حُرم من العلاج لولا اعتصام الصحفيين، فسُمح له بالعلاج، وتعاني نورهان زوجة أحمد دومة وهي ترى زوجها يذوي يوماً بعد يوم، وهي عاجزة عن مساعدته.

وليت الاعتقال يجري في شروط آدمية، وإنما يكون مصحوبًا بالتعذيب والحرمان من الطعام والأدوية ومن حق الزيارة، أي الحرمان من الحد الأدنى من حقوق المسجونين، خاصة في سجن مثل العقرب. مما يؤدي للموت أحياناً.

تقول مريم محمد -القلقة بشأن أبيها- في منشور على رابطة أسر معتقلي العقرب يوم 6 مارس 2016، عن زيارتها لأبيها: “الناس بتروح السجن علشان تطمن، أنا رحت اتغميت وقلقت، كان بيسلم علينا وكأنه بيودعنا، مش عارف هيشوفنا تاني امتى”.

كان المعتقلون في سجن العقرب قد بدأوا إضراباً كليا عن الطعام يوم 21 فبراير 2016، وأعلنت أسر المعتقلين في السجن أن قرابة 1000 معتقل أعلنوا دخولهم في إضراب كلي عن الطعام احتجاجًا على تردي الأوضاع داخل السجن الذي يُعد الأسوأ على الإطلاق في معاملة نزلائه. طالب المضربون عن الطعام بإنهاء حالات الحصار الطبي المفروضة على المعتقلين من خلال منع العلاج المناسب لهم والأدوية مما أسفر عن مقتل أكثر من حالة بسبب الإهمال الطبي، كما طالبوا بمعاملة إنسانية لذويهم أثناء الزيارة بعد تكرار حوادث الاعتداء عليهم بالضرب ومنعهم من الزيارة، وكذلك إدخال مستلزماتهم الضرورية التي يجلبها اﻷهالي في الزيارة كالأطعمة والملابس والأدوية، والتي تمنعها إدارة السجن في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى إزالة الحاجز الزجاجي في الزيارة بين المعتقل وأهله، وإطالة مدة الزيارة إلى ساعة، بموجب القانون.

ولم يقتصر التعدي علي المعتقلين، بل طال ذويهم، وأغلبهم من النساء، فتتعرض أسر المعتقلين في سجن العقرب على البوابة الرئيسية لمنطقة سجون طرة للتحرش باليد وباللفظ أثناء عمليات التفتيش التي تقوم بها السجانات بدافع الإهانة وللحصول على إتاوة جبرية، ومن تعترض منهن تختلق السجانة مشكلة معها يترتب عليها المنع من الزيارة، وهو ما تكرر عشرات المرات خلال العام الماضي. كما تعرضت ست نساء من أسر معتقلي العقرب للاعتداء بالضرب خلال شهر فبراير 2016، بينهن طفلة لم تتجاوز السادسة من عمرها.

ووقعت 3 حوادث سير على الأقل لنساء من أسر المعتقلين أمام السجن في 2015 لعدم توفير أي إشارة مرور يعبر منها أسر المعتقلين علي طريق الأوتوستراد، وأدت تلك الحوادث إلي مقتل والدة د. حازم فاورق المعتقل بالعقرب، وإصابات لأخريات بعضها شديد الخطورة. وتلخص معاناة المعتقلين وذويهم صورة لزوجة الدكتور عبد الله شحاتة، مستشار وزير المالية بحكومة الرئيس الأسبق مرسي، وهي تنام أمام سجن العقرب بالشارع، لعلها تستطيع زيارة زوجها.

***

ولعل الوجع الأكبر لأي امرأة هو رؤيتها لابنها الذي ما زال طفلاً وهو بعيد عن حضنها وراء القضبان، بل وسماعها عن ألوان من العذاب يتعرض لها ابنها. ماذا  تفعل أم كهذه بعد أن يعاد القبض عليه لتتوقع تعرضه للتعذيب مرة آخرى؟ بعد أن اعتقل الطفل أكرم الصاوي في معسكر بنها، خرج من السجن وفضح التعذيب الذي تعرض له مع أطفال آخرين، فجرى اعتقاله مرة آخرى. وتحدث أكرم عن شهادتهم التي صورتها الشرطة لهم: “فى القسم قعدوا يضربوا فينا، وجه ظابط قال لرئيس المباحث: صورهم فيديو وخليهم يقولوا إنهم يعرفوا ماندو وإنهم ممسوكين من على الدائرى، حفظونا الكلام وبدأوا يصوروا بالموبايل، اللى يغلط فى كلمه أو يقول إنه اتاخد من البيت ينضرب، ويعيدوا التصوير تانى، بعدين لبسونا تيشيرتات ومسكونا شماريخ وصورونا، والصبح ودونا النيابة، وفى النيابة قولنا إننا انضربنا وحكينا كل اللى حصل فى القسم”.

وتتكرر المسألة مع الطفل آسر الذي يبلغ من العمر 12 سنة، والذي اعتقل في يناير الماضي من منطقة فيصل بمحافظة الجيزة، وأحيل لنيابة أمن الدولة العليا للتحقيق في انضمامه لجماعة إرهابية والتخطيط لاستهداف مؤسسات الدولة. وقال والد الطفل، إن قوات الأمن قبضت على نجله الذي يدرس بالصف الأول الإعدادي، وحصلوا على هاتفه المحمول والفلاشة الخاصة به.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أن محكمة جنح أحداث بنى مزار أصدرت حكماً في القضية رقم 350 لسنة 2015 المتهم فيها أربعة أطفال مسيحيين بازدراء الأديان؛ بالسجن لمدة 5 سنوات لكلٍ من مولر عاطف إدوار، باسم أمجد حنا، ألبير أشرف حنا، وكلينتون مجدي يوسف. وقد وصل القبض العشوائي والأحكام الجزافية وغير المدروسة إلى الحكم على الطفل أحمد منصور قرني شرارة، والبالغ من العمر 4 سنوات بالسجن المؤبد ضمن 116 متهمًا.

ترى ما إحساس أمهات كل هؤلاء اﻷطفال؟ وما إحساس أم محمود محمد -الطفل الذي حلم بوطن يعيش فيه حراً بدون تهديد، فقبض عليه بسبب تيشيرت مكتوب عليه “وطن بلا تعذيب”– عندما يمسك طفلها بيدها في النيابة ويقول لها: “خديني معاكي. ما تسيبينيش هنا”؟

قضى محمد حتى الآن ما يقرب من 800 يوم في الحبس بدون حكم، وكبر وتغيرت ملامحه خلف القضبان، بل ويهدده اﻹهمال الذي يتعرض له في السجن  بالعجز، فقد قال أخوه طارق إنه فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، وأنه كان قد أجرى عملية تثبيت عظام في ساقه اليمني قبل السجن، وأكد الأطباء احتياجه لعملية أخرى، كون العظام في قدمه بدأت تتآكل، وإلى خمس جلسات علاج طبيعي أسبوعيًا قبل إجراء العملية، وأكد طارق أن أخاه يتحرك بعكاز الآن. وأوضح أن دكتور مستشفى السجن لا يجري العلاج الطبيعي إلا مرتين فقط، مشيرًا إلى حدوث مشاجرة بين طبيب السجن ومحمود في آخر جلسة علاج، لإحساس اﻷخير أن حالته الصحية تتدهور أكثر، وجاء رد الطبيب: “أنا ما حدش يقولي أعمل إيه، وعاملني كظابط مش دكتور، يعني كل اللي أقوله تنفذه”.

وكشفت حملة “الحرية للأطفال” أن هناك نحو ٤٧٨ طفلًا محتجزًا على ذمة قضايا سياسية، وفقا لآخر حصر أجرته الحملة، بل ورصدت منظمة التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، تواجد أكثر من 3200 طفلًا داخل مراكز الاحتجاز المختلفة على مستوى الجمهورية، إلى جانب احتجاز أطفال دون الثامنة عشرة بصورة تعسفية، وانتهاك الأجهزة الأمنية لهم. وأوضحت أن هناك 78 حالة مورست ضدها عمليات اعتداء جنسي، وأكثر من 948 حالة تعذيب بدني، ووفاة 10 أطفال داخل السجون وأماكن الاحتجاز، إلى جانب إحالة نحو 139 طفلًا للمحاكمة العسكرية، طبقًا لتقرير آخر صدر عن التنسيقية.

كل ما تعانيه النساء من وجع بسبب اعتقال الأحباب والأصدقاء، خاصة لو كانوا مرضي محرومين من العلاج أو أطفال لا حول لهم ولا قوة، يستحق أن نراه ونحسه، وعلينا سماع صرخاتهم واستغاثاتهم للتخفيف عنهم، وستكون هذه أجمل هدية يمكن تقديمها للأم في عيدها.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان