Define your generation here. Generation What

أمهات يبحثن عن أبنائهن

كيف شكّل الاختفاء القسري حركات اجتماعية نسائية

______________________

أسهمت جريمة الاختفاء القسري في نشوء حركات اجتماعية تكونت من زوجات وأمهات المفقودين من ضحايا الحروب اﻷهلية والحكم العسكري في المنطقة العربية، وسرعان ما تحولت هؤلاء النساء إلى ناشطات فاعلات في مجتمعاتهن المحلية، ومؤثرات على صانعي القرار. يتناول المقال نماذج كان لها تأثير في تكوين حركات نسائية تشكلت عن طريق نداءات أطلقتها أمهات المفقودين في لبنان والجزائر ومصر.

رغم اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية في تلك البلدان العربية، بين أشخاص فُقدوا خلال الحرب الأهلية في لبنان في الفترة ما بين 1975-1990، وآخرين خلال الصراع بين الأجهزة الأمنية والحركات الإسلامية في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، وانتهاء بالمختفين قسريًا خلال العامين الماضيين في مصر، جراء توحش الأجهزة الأمنية في مصر عقب خلع حسني مبارك عام 2011 ، إلا أن ما يجمع الحالات الثلاث هو غياب العدالة وإفلات مرتكبي الجرائم من العقاب واﻹنكار الدائم من قبل أجهزة الأمن للحقيقة، وهو ما أفقد أهالي الضحايا المفقودين، والنشطاء المتضامنين معهم والمدافعين عن حقوق اﻹنسان، ثقتهم في الدولة.

عندما فقدت الأمهات في لبنان الثقة في السلطة، لجأن لتوحيد صفوفهن وجهودهن عن طريق النداءات والصرخات الجريئة والتحرك الجماعي من أجل الضغط على صانعي القرار لمعرفة مصير أحبائهن، كما مثلت الصداقة وجدار الثقة بينهم عاملًا نفسيًا وحافزًا قويًا لاستمرارهن في نضالهن لمعرفة الحقيقة، في تحدٍ النظام السياسي.

مع انتهاء الحرب اﻷهلية اللبنانية (1975 –1990) تركت لبنان وراءها 150 ألف قتيل و 17 ألف مفقود، فشلت الدولة عقب الحرب في تمكين أحبائهم من معرفة مصيرهم، خاصة وأن تلك الأسر لم تكن تنتظر ما تقدمه الحكومة اللبنانية بعدما أقر البرلمان اللبناني عفوًا عامًا عن جميع الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية. غياب العدالة هو أحد العوامل التي أدّت إلى نشأة حركة اجتماعية تكونت من زوجات وأمهات المفقودين في لبنان في أوج اشتعال الحرب، واستمرت بعد انتهائها مطالبة الحكومة اللبنانية بالكشف عن مصير الأحباء المفقودين.

أجبرت تلك الحركة منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان على الاهتمام بقضية المفقودين في لبنان والحق في معرفة الحقيقة.

“عدنوني، تقاعدك عن العمل لن يقعدني عن الاستمرار بالبحث عنك. ولن يقعدني عن حبك. مقاومتك، ثباتك، صبرك، ستضاعف قدراتي من أجل الوصول إلى حقي حقنا، ثق أني سأصل ذات يوم مهما كان بعيداً، لن تنفع المماطلة الرسمية، ولا الصمت المدروس، ولا السعي الحثيث لإعلان وفاة المفقودين بغية إغلاق هذا الملف”.

جاءت هذه الكلمات على لسان وداد حلواني رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، والتي اختطف زوجها عدنان في عام 1982 إبان الحرب اﻷهلية في لبنان على أيدي المخابرات العسكرية اللبنانية (الشعبة الثانية)، لانتمائه إلى منظمة العمل الشيوعي. بدأت حلواني رحلة البحث عن زوجها بعد أيام من اختطافه، فلم تترك باب مسؤول في الدولة إلا وطرقته، وكان يتردد على مسامعها أن هناك آخرين تعرضوا لنفس ما تعرض له عدنان، دون إنصاف لقضيتها.

لم تفقد وداد حلواني الأمل، وبهدف الحفاظ على القضية حيةً في المجتمع المحلي اللبناني والدولي، وتحويل المعاناة الفردية التي تعانيها أسر المغيبين قسراً إلى ملف يحظى باهتمام منظمات المجتمع المدني في لبنان والمنظمات الدولية، دعت في نداء وجّهته عبر الإذاعة، إلى لقاء يجمعها بأسر المفقودين أمام سراي الحكومة اللبنانية، وفي اليوم المحدد فوجئت حلواني بمئات الأمهات اللائي تعرض ذووهن للاختطاف أيضاً. لتتحرك تلك الأسر بشكل جماعي تحت اسم “لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين”.

أقامت لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين أنشطة عدة من ضمنها إنشاء خيمة دائمة لأسر المفقودين أمام مقر الأمم المتحدة التي اعتبرتها أسر المفقودين بيتاً ثانياً لهم.

بعد إعلان السلم في لبنان وإبرام وثيقة الاتفاق الوطني اللبناني، ظلت أمهات المفقودين تعاني من قسوة الدولة في التعامل مع ملف المفقودين. تابعت الأسر ضغطها المستمر من أجل الكشف عن الحقيقة، ودشنت حملة “حقنا نعرف” من أجل الضغط على المسؤولين، مما أجبر السلطات على تشكيل لجنة رسمية للاستقصاء عن جميع المفقودين، وخرجت اللجنة بورقة نعي اعترفت فيها بوجود مقابر جماعية، مما أزاد ألم أسر المفقودين، ولكن بجانب الألم فقد أتيحت لهم فرصة اللجوء للقضاء الذي ألزم الدولة في عام 2014 بتسليم الأهالي نسخة من التحقيقات التي أجرتها اللجنة. كان حكم المحكمة بمثابة نجاح بالنسبة لذوي المفقودين في لبنان.

***

وفي جانب آخر من العالم العربي، عانت دولة الجزائر، في فترة امتدت من 1992 -1998 وسميت بالعشرية السوداء، من صراعات دامية ومسلحة بين الجماعات الإسلامية  والأجهزة الأمنية، مما نتج عنه آلاف المفقودين.

تروي نصيرة ديتور، رئيسة جمعية المفقودين بالجزائر قائلة:
“تحدثت مع العفو الدولية في باريس ولندن، وعلمتُ منهم أن هناك كثيًرا من الحالات مثلي في الجزائر. كنت أعلم عن الإخفاء القسري لكنني لم أعرف أنه بهذا الحجم. أخذتُ عناوين أسر المفقودين الذين يعيشون في باريس وجمعتهم في نوفمبر 1997. كنا حوالي 10 أو 11 شخصًا. أخبرتهم أن يملؤوا الاستمارة ويرسلوها لفريق الأمم المتحدة. طرقت القانون الدولي لأني كنت أبحث عن بعض الحقيقة. لدينا الآن 3000 ملفًا مسجلًا لديهم”.

تناضل ديتور، رئيسة جمعية المفقودين بالجزائر ورابطة أمهات المفقودين، من أجل الكشف عن حقيقة اختفاء ابنها عام 1997، والإبقاء على قضية المفقودين حية في المجتمع الجزائري رغم القيود التي تحيط بها، مثل محاولات الدولة طي ملف المفقودين، وتفريق تجمعات الأهالي التي يقومون بتنظيمها، وتعاملها بمنطق أنهم يسعون إلى تعطيل بناء الوطن، وقبول بعض أسر المفقودين بالتعويض مقابل اعتبار أبنائهم أمواتًا. وبحسب منظمات غير حكومية بالجزائر فإن 25% من العائلات رفضت هذه التعويضات، وحتى العائلات التي قبلتها لا تزال تطالب بجثث ذويها لتتمكن من إعلان الحداد عليهم.

تبحث الأمهات عن إجابة لسؤال مصير أبنائهم، كيف اختطفوا ولماذا، فإن كانوا في عداد القتلى فمن حق اﻷمهات إقامة مراسم العزاء والوقوف عند قبورهم.

***

وفي مشهد ثالث، يبدو الوضع في مصر، في ظل الاضطرابات السياسية التي شهدها البلد على مدار عامين ونصف، مختلفاً عن النموذجين السابقين من حيث العوامل والظروف المكونة لمجموعات الأسر، ولكن مصر تسير على خطى لبنان والجزائر في ظهور تجمعات عفوية للأمهات والزوجات المطالبات بحقهن في معرفة مصير ذويهن المفقودين.

تعمل تلك المجموعات على نطاق ضيق لعدة عوامل، لعل من أهمها: تجنب أسر بعض المفقودين الحديث عن ذويهم نظراً للتهديدات الأمنية من قِبل الأجهزة الأمنية، ولاعتقادهم أن الحديث عنهم في وسائل الإعلام أو للمنظمات العاملة بحقوق الإنسان قد يشكل خطورة على أبنائهم في محبسهم، وبالمقارنة بالجزائر ولبنان، فضعف التواصل بين أسر المفقودين في مصر يعد عاملًا أساسيًا في عدم قدرتهم على إيصال رسالتهم للرأي العام.

لكن مع استمرار المشهد السياسي بالشكل الذي تسير به الأجهزة الأمنية، من ناحية التضييق على المجال العام، وحبس وإخفاء المعارضين للسلطة من النشطاء السياسيين والتضييق على العاملين بالمجتمع المدني، ستتسع الفجوة التي بدأتها تلك الروابط الصغيرة منذ أكثر من عامين أمام مكتب النائب العام بالقاهرة، والمجلس القومي لحقوق اﻹنسان، ومؤخراً أمام نقابة الصحفيين بالقاهرة.

ويجب أن تستفيد أسر المفقودين في مصر والعالم العربي مما وصلت إليه تلك التجارب من تأثير على المجتمع المدني والدولي في حراكهم، فقد أفرزت معاناة أسر المفقودين، الذين غُيبوا قسراً في تلك البلدان وغيرها، حركات خارج الأطر والحسابات السياسية، فمعاناة اﻷمهات ولدّت بينهن صداقة قوية خلقت بين تلك الأسر مناضلات مؤثرات في الرأي العام المحلي والدولي.

فمشاركة وداد حلواني في كتابة مشروع قانون بالتعاون مع المركز الدولي للعدالة الانتقالية وتوحيد أمهات الجزائر بقيادة نصيرة ديتور، تعدان مصدر إلهام لأمهات المفقودين في بلدان العالم، بأن الوصول للحقيقة ومحاسبة القتلة ليسا من المستحيل.

اعلان
 
 
عبد الرحمن جاد