Define your generation here. Generation What
اختيار الأمومة
 
 

كانت تلك واحدة من المرات القليلة التي لم يغلبني فيها الإرهاق، اتفقت مع أمي الجلوس مع ابنتي، انتقيت ثيابي واتجهت إلى وسط البلد لأمضي أمسية مع مجموعة من الأصدقاء -الكثيرون منهم غير متزوجين وكلهم تقريبًا ليس لديهم أطفال. اتصلت بي أمي بعد بضع ساعات لتخبرني أن أعود للبيت مسرعة لأن ابنتي ذات الثلاث سنوات قد استيقظت من نومها وهي تبكي وتسأل عني وترفض العودة إلى النوم. وبعد أن أغلقت الهاتف، سألتني صديقتي الجالسة في مواجهتي على المائدة بسخرية ودون الكثير من الاكتراث: “ولماذا إذن اخترتِ أن يكون لكِ طفل؟!”، فوجئت.. وغضبت.. وعجزت عن الحديث. أردت أن أعبر لها عن كل روائع الأمومة؛ أردت أن أتمكن من الإجابة بسرعة وذكاء على سؤالها، عن كيف ولماذا قمت بذلك الاختيار -كنت أبحث ربما عن إجابة أكثر تعقيدًا من مجرد القول بأنني أردت من كل قلبي أن تكون لي طفلة، طفلتي. أردت أيضًا أن أكون اكثر لؤمًا وأقول لصديقتي إنها لن تفهم أبدا. لكن عقلي خانني ولم أجد ما أقوله.

حين طُلب مني، بمناسبة عيد الأم هذا العام، أن أكتب عن اختيار الأمومة شعرت بالخوف. كيف يمكن أن أكتب بتعقل عن تلك الخبرة العاطفية، عن هذا الموضوع شديد الحساسية؟ لكن يبدو أن السؤال سيلاحقني إلى الأبد، وقلت لنفسي: قد أتمكن هذه المرة من أن أجد إجابة مناسبة على اختيار الأمومة، على السبب وراء قراري إنجاب طفل. ولضمان نجاحي استعنت بمجموعة من النساء القويات لدعمي.

بدأت نقاشًا مع دائرة من الأمهات التقدميات، أغلبهن من الطبقة الوسطى والوسطى العليا، الكثير منهن معنيات بمسيرتهن المهنية وبالشأن العام. ووجهت لهن هذا السؤال: هل الأمومة اختيار؟ ولماذا اخترن أن يصبحن أمهات؟

أدرك تمامًا أن الاختيار في هذه الحالة هو نوع من الرفاهية  -ذلك لأن أغلب النساء في مصر والمنطقة غير قادرات على تفادي الضغوط الاجتماعية التي تدفعهن إلى الزواج والإنجاب وإسعاد أزواجهن والاعتناء بالمنزل.. إلخ. أدرك كذلك أن النساء اللاتي يخترن عدم الإنجاب وغير القادرات على الإنجاب يواجهن قسوة المجتمع الذي يتصور ان الأمومة هي المسار الوحيد “الطبيعي” للمرأة.

إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية الاستماع إلى قصص النساء اللاتي اخترن الأمومة. في نصها البديع “عن الأمومة والعنف” توضح الشاعرة والكاتبة المصرية إيمان مرسال كيف أن النسويات الغربيات نادرًا ما اهتممن بخبرة النساء الفردية مع الأمومة. بل دارت معاركهن فقط ضد المؤسسات، من أجل أمور مثل منح النساء إجازة وضع مدفوعة الأجر، أو دعم مراكز رعاية الأطفال.. إلخ. وتضيف: “كأنّ الأمومة خبرة مُغلقة على نفسها داخل جماعة النساء في معركتها مع الذكورة دون الحفر داخل هذه الخبرة “المختلفة” والتي يمكن أن تُغيّر وعي المرأة والرجل معاً.”

لست أهدف هنا إلى الدفاع عن اختيار إنجاب الأطفال وإنما الكشف عن تلك الخبرة وفهمها دون أي حساسية أو خوف من أن أصبح مدافعة عما هو “سائد” أو مهاجِمة لمن تختلف اختياراتهن. هدفي هو أن أنقل جزءًا صغيرًا من الخبرات المعاشة للنساء، بعيدًا عمّا تشير إليه “مرسال” بأنه “المتن المتفق عليه” عن علاقات النساء بأجسادهن والعالم. أود أن أكشف عن معنى اختيار ما يتم تجاهله باعتباره الاختيار الحتمي أو “اللا اختيار”. قد يكون لدي دافع خفي للتأكيد على أن اختيار الأمومة يمكن أن يكون اختيارًا نسويًا. لذلك، فإن النساء اللاتي تحدثت معهن هن إلى حد كبير متمكنات، ذوات إرادة قوية، وإذا كان هناك من يملكن الاختيار فهؤلاء النساء قطعًا من بينهن.

الأمومة على هامش الثورة

عدد من النساء اللاتي تحدثت معهن اتخذن قرارهن بالإنجاب في تلك الفترة القصيرة من البهجة والانتصار التي أعقبت ثورة 25 يناير. تقول لي “نسمة” إن قرار الحمل كان قرارها بعد أن شهدت الموت في مصر وليبيا خلال الثورات. “شعرت أن قراري بالحمل هو قرار باستمرار الحياة. كنت أشارك في كل الاحتجاجات أثناء فترة حملي، كنت أريد تغيير العالم بحيث يصبح مكانًا أفضل حين تأتي ابنتي. لكن بعد أن أنجبتها أصبحت أخاف على حياتها وحياتي.”

تقول “مَيس” إنها اختارت الإنجاب في لحظة اليوفوريا تلك “ربما لو لم تكن الثورة لما اتخذت هذا القرار حتى الآن.. لم أكن أبدًا مهتمة بالأطفال.. لكن الآن أصبح ابني هو أجمل وأهم شيء في حياتي. قد لا أكون اتخذت قرار الإنجاب بشكل واعٍ تمامًا، لكنني اخترت أن أمنحه كل ما أستطيع أن أقدمه، لأنه هو الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أؤثر عليه في هذا العالم القبيح الذي نعيش فيه.”

كان قد مر على زواج “دارين” أكثر من خمس سنوات قبل أن تقرر الحمل في عام 2011 بعد الثورة. تقول: “خلال تلك السنوات الخمس كنت تحت ضغط هائل من أسرتي لكي أحمل، بما في ذلك والدتي التي من المفترض أنها ذات فكر تقدمي، من الواضح في ما عدا الإنجاب”، تستكمل: “لكن الثورة منحتني وأخريات الدافع أن ننجب حياة جديدة.”

الأمومة كتفاوض مع الجسد

الكثير من النساء اللاتي تحدثت معهن كن قد قررن تأجيل قرار إنجاب الأطفال لأسباب تراوحت بين عدم الاهتمام بالإنجاب في البداية -أحيانًا بسبب المناخ السياسي المحبط- أو إعطاء أولوية لمسار عملهن أو دراستهن، أو ببساطة للتركيز على علاقاتهن بشركائهن. لكنني لاحظت أنهن حين كن يدركن أنهن قد لا يتمكن من الحمل -لأسباب طبية أو بسبب السن- كن يصبحن مصممات عليه.

تقول “نسرين” إنها لم تكن أبدًا مهتمة بإنجاب الأطفال، “لكن وقت أن بلغت الأربعين أصبحت مستعدة وراغبة في فعل أي شيء كي أحمل”.

تقول “غادة”: “كنت في البداية أخاف الأمومة. المسئولية كانت تخيفني.. لكنني شعرت بقلق حقيقي حين أدركت أنني تأخرت في أن أحمل.. كدت أفقد عقلي.”

قد تكون هذه هي اللحظة التي لاحظت فيها أهمية “الاختيار”. بمعنى آخر، لم تكن النساء راغبات في أن يحرمن من هذا الاختيار لأسباب بيولوجية -أو أي سبب آخر في الحقيقة. كن قلقات من أن تخذلهن أجسادهن. أردن أن يصبحن قادرات على الإنجاب، متى أردن ذلك.

في أحيان، برزت الأمومة والنساء يصارعن فقدان ما؛ قد يكون إجهاض مؤلم، حتى لو كان الحمل غير مخطط له. قالت لي “فريدة” إنها كانت تعلم مبكرًا أنها قد لا تتمكن من الإنجاب لأسباب طبية، لكنها لم تكن تهتم. أرادت العيش مع شريكها بعيدًا عن منزل الأسرة، أرادا أن يكون لهما منزلهما الخاص، وأن يدعَوا الأصدقاء إليه، لم يفكرا في الإنجاب أو في زواج تقليدي. شكّت “فريدة” بعد خمس سنوات أنها قد تكون حامل، وعندما علمت أنها لم تكن حامل بالفعل انهارت بالبكاء.. تقول: “حَمَلت بعدها بفترة قصيرة وفقدت طفلي في الشهر السادس من الحمل.. حين ولد الطفل ميتًا حملته بين ذراعيّ ولم أمكنهم من أخذه مني سريعًا.. فقدت عقلي تمامًا، إلى أن اكتشفت بعدها بعام أنني حامل في ابني، أحمد.. برغم الصعوبات فأنا دائمًا أقول إن أهم شيء أنه موجود وبخير. هو الآن صديقي، وإن مرت أوقات كان فيها قيدًا وحِملاً.”

عنف الأمومة

تحدثت كل النساء عن صراع الأمومة، القيود، المسئولية، القلق، وتحدي أن يكُن أمهات، وأن يخترن نوع الأم التي يردن أن يكُن، وألا يكُن أمهات طوال الوقت. أحد الأمهات لتوءم قالت لي: “أريد أن أفعل شيئًا لنفسي. أريد أن يتذكرني أطفالي كامرأة قوية وناجحة، وليس مجرد أن أمهم كانت تطبخ أحلى مكرونة بالباشميل”، “سوف يدعوان لكِ لأنكِ حضرتي لهما أطهى الطعام”، تقول امرأة أخرى ضاحكة، وتضيف: “خذي هذا من واحدة لم تطهي والدتها سوى شوربة الكوسة.”

بعيدًا عن النكات، كثيرًا ما يغيب عنف الأمومة عن الرواية الدارجة التي تفترض أنه من “الطبيعي” و”الغريزي” للنساء أن يصبحن أمهات، وألّا يفترقن عن أطفالهن. قد يكون هنا مكمن أهمية نقد مرسال للسردية أو المتن السائد للأمومة. تفتتح مرسال مقالها بقصيدة للكاتبة البولندية “آنا سوير” تتحدث فيها إلى طفلتها الوليدة:
أقول: “أنتِ لن تهزميني
لن أكون بيضةً لتشرخيها
في هرولتكِ نحو العالم.
جسر مشاة تعبرينه
في الطريق إلى حياتِك
أنا سأدافع عن نفسي.”

تستخدم مرسال القصيدة لتتناول الصراع بين الأم وطفلها ولتتحدث ضد الفكرة السائدة عن الأمومة، “حيث يُنظر إلى الأمومة كفطرة إنسانيّة محميّة بشكلٍ طبيعيّ من الصراعات والتوترات”؛ ولتدحض فكرة أن أي شيء خارج إطار هذه الصورة المثالية المتخيلة للأمومة هو نقص أو جريمة.

“الأمومة فخٌ كبير”، تقول أم عزباء، وتُكمل: “لقد اخترت أن يكون لي طفل.. لكن الآن لم تعد لي رفاهية الاختيار. زوجي السابق هاجر، وأصبح الآن يرسل لنا المال فحسب وأحيانا يتصل. ابنتي أقرب إلى أن تكون صديقتي من كونها طفلتي. لكني لا زلت أتحمل كل المسئولية وحدي. أحاول سرقة بعض اللحظات لنفسي، لكن حياتي تدور حول ابنتي وعملي.”

“شيء ما يتغير حين يحدث هذا “الشرخ”،  باستخدام كلمات سوير ومرسال. تقول لي “سوسن” إنها كانت دائمًا ضد القتل حتى لو للدفاع عن النفس، ولكن شيئًا تغير بعد أن أصبحت أمًا، “أول مرة في حياتي أشعر أنني من الممكن أن أقتُل حرفيًا كانت بعد أن ولدت ابنتي..إذا هددني أحد أو هدد بنتي سوف أقتله دون تردد أو تفكير.”

وهناك أيضاً الكثير من التساؤلات. تعبر “أمنية” هنا عن بعض منها: “كنت في الثالثة والعشرين، خريجة حديثة أتلمس بداية طريقي المهني، ويسارية نسوية أقرأ أحيانًا وأنشط في بعض المجموعات أحيانًا. وعندما حملت بالفعل في هذه السن كان جميع المحيطين بي في العائلة أو العمل أو النشاط السياسي يحتفون بي ويؤكدون أن الامومة أحلى شيء حصل لي في حياتي، وأنني سأحب ابني أكثر من أي شيء آخر. لكن كان لدي أسئلة أمتنع عن مشاركتها معهم: “وماذا لو أحببت شيئًا أو شخصًا آخر أكثر منه؟ هل سيكرهني؟ هل سيعرف هذا ويعاقبني فيطلب المزيد من الحب؟ هل سيسجنني هذا الكائن الصغير الذي خرج مني ويُقيد حركتي؟ وهل سأعاقبه بحبي مسبقًا لأنني أعلم أنه سيسجنني؟ هل عليّ أن أفرح حين يؤكد المحيطون أنه “مش بيرتاح غير مع مامته” أم عليّ أن انتبه أنهم ينصبون لي شركًا؟ ما الذي سيتحمل عبء حسم كل هذه الأسئلة: علاقتي بابني أم علاقتي بزوجي ومجتمعي؟”

هناك بالطبع مجتمعات تدعم النساء الأمهات، ومجتمعات أخرى تحبطهن بتوقعات غير واقعية وحسابات أبوية تدفع ثمنها النساء، سواء في المنزل أو مكان العمل. ولست بحاجة لتوضيح في أي مجتمع منهما نعيش.

“الأمومة اختيار، تدفع ثمنه النساء وحدهن في هذا المجتمع. اخترت أن أكون أمًا، لكن المجتمع يجعلني أدفع الثمن على حساب أعصابي وتطوري المهني، لأن المجتمع يرى أن إجازات الوضع ورعاية الطفل تعتبر تعطيلًا لعجلة الإنتاج”، تقول واحدة من الأمهات، وتضيف: “أعرف رؤساء مؤسسات لديهم الرغبة في وقف تعيين النساء لأنهن قد يحتجن لإجازات كثيرة لرعاية أطفالهن.”

الأمومة كخبرة غامضة

في نهاية النقاش، تتدخل إحدى المشاركات في الحوار، وتقول: “لكن ما هي الأمومة في النهاية؟ هل ما أشاركه مع ابني هو الأمومة؟”

توضح واحدة من النساء أنه في لحظات الضيق والقلق كانت الأمومة هي ما منعها من الانهيار الكامل. “لو لم أكن أماً لكنت انهرت أسرع بكثير في لحظات عديدة. كنت سأكون أضعف. أقل قدرة على الصراع. الآن أصبح لدي حوافز ودوافع كثيرة للاستمرار.”

أما أم التوءم فوصفت الوضع كالتالي: “أشعر كل يوم أنهم يضعفونني لشعوري بالقلق والخوف عليهم، خاصة في ضوء أوضاع البلد. وكل يوم أشعر أنهم يقوونني، ويمكنوني من إيجاد الحلول وعدم الانهيار. فهم المعادلة والحلول.”

تتحدث امرأة أخرى عن أن “التحدي اليومي ليس في العناية بالأطفال فحسب، وإنما أيضًا في أن تكوني الأم التي ترغبين في أن تكونيها، ما يعني أحيانًا أن تراجعي نفسك.”

تقول لنا مرسال: “يبدو الشعور بالذنب وكأنه الشعور الذي يوحِّد الأمهات على اختلافهن.”

وهناك أيضا الحب.

عَبَّرت بعض النساء عن أن اختيارهن للأمومة استند إلى رغبة في إعادة إنتاج الحب وتكوين أسرة. فالحب في النهاية هو ما ييسر هذا المسار الوعر بين الحفاظ على النفس والعطاء الذي يشكل هذه العلاقة الخاصة بين الأم وطفلها. “هناك لحظات من البهجة الخالصة، التي لم أعشها من قبل”، تقول واحدة من النساء.

إذا ما هي الأمومة؟

لم يكن التعميم يومًا مفيدًا بأية حال، ففرض مصطلحات جامعة غالبًا ما يؤدي إلى العنف ضد من لا ينضوون تحتها أو لا يتبنون نموذجها. لذلك، لماذا يجب علينا تعريف الأمومة؟ قلت لنفسي إن الأهم هو خبرات النساء.

“احتجت إلى سنوات كثيرة بعد إنجابي لأطفالي كي أستطيع القول بأنني أم، وليكون لديَّ وصف حقيقي لذلك. لقد انتقلت من إنسان عادي إلى تحمل عبء ضخم، كثيرًا ما تمنيت أن أهرب منه. أظن أنني بعد تسع سنوات استطعت أن أقول إنني أم باختياري”، تقول “ياسمين”.

سواء استسلمت المرأة لرغبة أن يكون لها طفل أو قررت أنه “لماذا لا، فلأجرب”؛ وسواء كان وراء قرارها حسابات أخرى -سواء كانت أنانية أو ناكرة للذات- أو اختارت ألا يكون لها أطفال، أو أن تتبنى طفلًا، المهم هو أن يكون لديها الاختيار. يبدو أن المهم هو أن تعيش هذه الخبرة وأن تتحدث عنها بدون حساسيات أو ضغوط للانصياع أو لتكون مختلفة، دون الحاجة إلى أن يتفتق ذهنها عن إجابة ذكية حين تواجه بسؤال عن سبب قدومها على هذا الاختيار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*بُِدلَت الأسماء الحقيقية للنساء اللاتي اشتركن في المناقشة حفاظا على خصوصيتهن.

اعلان