Define your generation here. Generation What
جواهر الأدب: أن تكون مصريًا.. وما وجده إيهاب حسن “خارج مصر”
 
 

خلال السنوات الخمس الأخيرة، أصبح كون الفرد مصريًا بالنسبة للكثيرين عرضًا نفسيًا أكثر من هوية إنسانية. فبين المعاناة الاجتماعية، والأخبار الخيالية غير المعقولة التي تبدو وكأنها استُقت من كتب جورج أورويل، وصعوبة أبسط التعاملات اليومية، والتنكيل المستمر بالحريات ومحاولات الفكر النقدي، وانتشار الخوف من الآخر والمشاعر الجماهيرية الفاشية، تزيد مشاعر الاغتراب، فيصبح كل من يؤمن بالتغيير يتيمًا بلا ثقافة تحتضنه وبلا مشاعر انتماء حقيقية، وهنا يظهر احتمالان: الرفض التام للانتماء أو رؤية فرصة نفسية وعاطفية، “إشراقة”.

تعطينا أفكار إيهاب حسن (1925-2015)، الأكاديمي المصري قليل الشهرة في مصر، نقطة انطلاق للنظر في قضية الهوية والكينونة المصرية والبحث عن الذات. توفي حسن منذ أشهر قليلة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد حياة مهنية حافلة -حتى أنه ينسب إليه مصطلح “ما بعد الحداثة” (postmodernism)- تخصص خلالها في فكر ما بعد الحداثة، والنقد الأدبي والدراسات الثقافية. وفي مذكراته “خارج مصر: مشاهد وحجج من سيرة ذاتية” “Out of Egypt: Scenes and Arguments of an Autobiography” (1985) يحدثنا عن هروبه من مصر عابرًا المحيط الأطلسي عام 1946 وكيف أنه تقريبًا لم ينظر للخلف مرة واحدة.

عندما صدر كتاب “خارج مصر” اختلف عليه القراء. انتُقد الكتاب لأنه يقرّ ضمنيًا بالصور النمطية لدى المستشرقين، ولأنه ينقل صورة وردية عن عملية الاندماج في الثقافة الأمريكية، وهذا ما أراه أنا أيضًا. فالكتاب دراسة ذاتية تركز بشدة على السنوات التعيسة التي قضاها إيهاب حسن في مصر (ويدل على هذا بشدة وجود حوار تجريبي بين حسن وكاتب خيالي لسيرته الذاتية) وموضوعها الأساسي هو تقديم مبررات قوية عن أسباب اضطراره للهروب. بقدراته البلاغية الكبيرة يصور حسن للقارئ حياته المرفهة هنا في مصر، وأباه الذي كان محافظًا لإحدى المحافظات، وأمه العصرية، وعائلة من الباشوات وأصحاب الأراضي والوزراء. وتتعلق الحجة الكامنة في الحقيقة ببزوغ فجر عالم جديد.

يعد “خارج مصر” سيرة ذاتية من سير ما بعد الحداثة تحديدًا، لأنه يتعامل مع  تصوير الذات بأسلوب غير مرتبط بثقافة أو شعور بالانتماء، ويعيد ترتيب العلاقات بين الكليات والجزئيات، خاصة في ما يتعلق بمسألة أيهما يُعطى الأولوية: النفس أم الوطن. وبسبب طفولة إيهاب حسن الحائرة ولغته العربية الضيقة نتيجة لتعليمه بالإنجليزية والفرنسية، وأقربائه المزعجين ومجال عمله الأكاديمي الصعب، فقد قرر الهروب وإعادة تكوين نفسه. يستعرض الكتاب موقف الكاتب الرافض لمصر بغير استحياء، ويعلن تبرأه من أصله وتراثه. ويبدأ رحلة التفتيش في داخل نفس الكاتب من الصفحة الأولى، عبر السؤال عما إذا كانت رحلته الفعلية والمعنوية “ميلاد جديد أو إعادة ولادة مزيفة”.

ينساب الكتاب بشكل ممتع، ويمكن الانتهاء من صفحاته الـ 128 في جلسة أو اثنتين. ويأتي سرد الكتاب من وجهة نظر المهاجر، وتنتشر فيه الأفكار الأكاديمية والنقدية ويتعرض لمؤلفين كثيرين من تولستوي إلى رالف إيمرسون. يكتسب الكتاب كذلك قيمة إضافية كبيرة بفضل الاقتباسات التي يمزجها حسن بالنص، علاوة عن تناوله أفكارًا تتعلق بعملية كتابة سيرة ذاتية على وجه العموم.

يخلو “خارج مصر” تمامًا من مشاعر الحنين والأسف التي نجدها تغرق كل سير المهاجرين -مثل كتاب إدوارد سعيد الشهير “خارج المكان” (1999). فلا نجد تصالحًا مع حالة التشرد والتغير الدائم لمكان الاستقرار، ولا صياغة لمنطلقات نفسية وفكرية، تقوم على أساسها الشخصية المتماسكة، على غرار ما نجد في مذكرات إدوارد سعيد. بل يعرض حسن حجة لإلغاء الماضي بأبعاده الجغرافية والنفسية، من أجل المضي قدمًا، وبهذا يعرض علينا سعيه، بداخل نفسه، إلى التخلص من المنفى العاطفي والسجن النفسي اللذين فرضتهما عليه مصر.

الأستاذ الموهوب إيهاب حسن الذي نقابله في “خارج مصر” إنسان يؤمن بالفردانية والاعتماد على النفس، منعزل اجتماعيًا وينصب اهتمامه على النمو الفكري وحب العزلة. ولأن مراده كان دائمًا الحرية من أجل الوصول للاستقلال، فقد تشكل مستقبله من خلال عمله الجاد وذكائه النادر. على الرغم من انتمائه لأسرة قاهرية ميسورة الحال وتخرجه في كلية الهندسة جامعة القاهرة بامتياز مع مرتبة الشرف، لم يستطع حسن أن يرى لنفسه مستقبلًا في مصر المقاومة للتغيير والمنهكة لكل حي.

يكتب حسن متسائلًا: “ما هو إذن ما تمنيت اكتشافه في أمريكا؟ لم تكن القداسة، بل السعة، انفتاح الوقت، تاريخ أكثر قابلية للحياة. كنت كذلك أبحث عن مساحة خاصة أستطيع فيها التغير والنمو، لأني لم أحب ما توقعته لحياتي في مصر الأبدية.”

بدأ حسن حياته في منفاه بالحصول على شهادة الماجستير في الهندسة، ثم قرر بعدها بقليل الاستجابة لصوت أحلامه، فدرس الأدب وحصل فيه على الماجستير ثم الدكتوراه. وعمل أستاذًا في جامعة ويسليان حتى عام 1970، حين انتقل إلى جامعة ويسكونسن ميلووكي التي بقي فيها إلى أن تقاعد. طاف البلاد شرقًا وغربًا كأستاذ زائر، وحاز بفضل أبحاثه وأفكاره على أوسمة كثيرة وزمالات. لكن بخلاف إدوارد سعيد الذي لم يخل عمله الأكاديمي أبدًا من مناصرة للقضايا العربية والفلسطينية، ظل إيهاب حسن صامتًا فيما يتعلق بالقضايا المصرية.

وبغض النظر عن رضا القارئ أو سخطه على اختيارات المؤلف، خاصة رفضه لمصر، إلا أن نظرته المتعمقة وتحليله لنفسه يثيران تساؤلات وإشكاليات كثيرة مفيدة فيما يتعلق بالهوية.

“ظلت مصر على حالها.” يكتب إيهاب حسن. “بعد الثورة [يعني ١٩٥٢] واغتيال رئاسي وأربع حروب، ونمو عدد السكان إلى ثلاثة أضعاف في نصف قرن، ماذا تغير هناك في الحقيقة، بخلاف إعادة تسمية بعض الشوارع والميادين؟ هل من إصلاحات سياسية أو ثقافية حقيقية؟”

وبخلاف الأمل الطاغي الذي يمارسه المتفائلون الصامدون الذين يعتبرون اليأس كفرًا وخيانةً، فمن ذا الذي يحاول مخلصًا إحياء غصون الأمل الذابلة، فيفْرط في وصف أي تغيير بتسميته بزوغ فجر جديد؟ إن “مصر الأبدية” باقية، لا هي ذاهبة إلى الجحيم ولا سترى إشراقة عصر جديد، على الأقل ليس في المستقبل القريب. ستظل مصر تؤلمنا وتشعرنا بالاغتراب. والآن، ونحن في بيئة من التملق الذليل للسلطة، والتأييد المتعصب الأعمى لحكومة مستبدة تستغل ذروة المشاعر الوطنية الجوفاء، نحتاج لأوجه نظر بديلة لفهم معنى أن تكون مصريًا، وللتعامل مع المنفى المعنوي والجسدي. في السنوات الأخيرة، غادر مصر بالفعل كثير من القادرين على المغادرة، إما بسبب فقدان الأمل أو الخوف من الملاحقة والاضطهاد. وإذا استخلصنا الدروس من تشبيه حسن لهروبه من مصر بخروج اليهود من حكم فرعون، فقد نقرر التوقف عن الهيام في غيابة محاولات الانتماء، ونجد مفتاح النجاة ماثلًا أمام أعيننا بكل وضوح.

نحن كيتامى ثقافيًا، في الداخل أو في الخارج، نتمتع بالقوة والحرية الفكرية اللازمتين لإعادة تكوين هويتنا بين ذوات مختلفة وعوالم وانتماءات، حتى وإن كان سبب هذه القدرة هو إقصاؤنا بعيدًا. فمع مشاعر الاغتراب التي يشترك فيها كثير ممن ولدوا منذ السبعينيات، ومع هذه الحالة الجماعية تصبح احتمالات “الميلاد الجديد”، كما يسميه الكاتب، أفضل بكثير. هذه فرصة لإعادة تكوين أنفسنا بلا أنانية، ولترسيخ أقدامنا بدون إرسائها بأغلال تقيدنا بالأعراف الثقافية والاجتماعية، وللنظر بعين فاحصة في باطن نفوسنا بدون معاداة للذات، وللاهتمام بشأن الآخرين بدون أبوية أو تجبر. إنها فرصة تؤهلنا بشكل أفضل للنظر صوب الروحانيات وأدوارنا الجنسية ومهامنا الأسرية والاجتماعية، بل واختياراتنا الغذائية والفنية، وكذلك تفكيك التحيز الطبقي والقومي والتاريخي الذي يشكل جزءًا من تكويننا. وفقًا لمنهج إيهاب حسن في معرفة النفس، ينبغي لهويتنا الجديدة أن تركز على ما ليس فينا، وأن تكون أيضًا، إضافة إلى كونها مظهرًا من مظاهر المقاومة، مظهرًا من مظاهر العلاج.

وبحسب وصفه، فإن شجاعة حسن الفكرية والنفسية في مواجهة مشاعره وآلامه كانت السبب في نجاحه: “عند شعوري وإيماني حقًا بأنه ما من شيء لدي لأخسره، وجدت أني فزت بكل شيء بالصدفة، تقريبا كل شيء”.

وإقرارًا لصعوبة السياق الذي يحيط باختيارات الأشخاص، فهناك آخرون وجدوا هويتهم واستقلالهم من خلال السير في الاتجاه المعارض لحسن ومواجهة الواقع المصري بشكل صريح. من هؤلاء من ضحى بروحه، مثل الشيخ عماد عفت، أو حريته، مثل علاء عبد الفتاح. هذا الأخير، الذي يمثل مصدر إلهام لكثيرين ممن آمنوا بالتغيير -كما تقول عنه علياء مسلم– استطاع التنقيب داخل نفسه واستخراج “حفريات تكوينه الشخصي”. هذه التجربة مفيدة لنا، خاصة إن جمعنا بينها وبين حكمة ما بعد الحداثة من كتاب “خارج مصر”. أطلق علاء عبد الفتاح سهمًا ثقب به قلوبنا حين وصف في رسالته الأخيرة من السجن ما بات واضحًا ومؤلمًا لكل باحث عن الذات: “ليس لدي ما أقوله: لا أمل، لا أحلام، لا مخاوف، لا تحذيرات، لا أفكار، لا شيء، لا شيء على الإطلاق.”

يعطينا إيهاب حسن في كتابه حجة قوية على أهمية العزلة وعلاقتها بالحرية. يتساءل: “هل تضطرنا الحرية إلى العزلة؟”، العزلة هي الدواء المطلوب لاحتضان المنفى النفسي وللاستمتاع بالتاريخ الشخصي المتغير والمتناقض، وفي مذهبه يعظّم الاستفادة من “عزلة البدوي الشرسة وترحاله عبر الرمال السرمدية.” يظل تحقيق هذا في إطار الممكن بدون تشديد بالغ على أشهر كلمة راجت خلال السنوات الخمس اﻷخيرة وتبدأ بحرف الثاء.

اعلان