Define your generation here. Generation What

الحق فى الـ “بي بي”

هل تخيلت يوماً أنك غير قادر على التخلص من فضلاتك الصلبة والسائلة بشكل نظيف؟ هل تشعر بما تعانيه الأسر الفقيرة فى أماكن معيشتها بعد إجبارها على العيش والتعايش وسط مياه الصرف غير المعالجة؟ هل تستطيع الآن تخمين وضع السجناء والمعتقلين -على تدهور حالة وأماكن احتجازهم- وهم يفعلون كما يفعل البشر؟ وماذا عن النساء -أصحاب الميراث الأكبر من التمييز- اللائى يمضين وقتاً طويلاً خارج المنزل ويضطررن إلى تقليل وجباتهن الغذائية لأنهن يعرفن عدم جاهزية الشوارع والأماكن المفتوحة لأسباب الراحة؟

تقول كاتارينا دي البوكيركيه، الخبيرة المستقلة المعنية بمسألة التزامات حقوق الإنسان، المتعلقة بالحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي: “إن من أكبر العوائق في وجه الصرف الصحي ما يتمثل في كونه موضوعاً يقع في دائرة المحرمات. فقضية الصرف الصحي لدى معظم الشعوب مسألة تكتسي درجة عالية من الخصوصية وموضوع تثير مناقشته علناً دواعي الإحراج. ونجم أيضاً عن عدم وضع خدمات الصرف الصحي في قائمة الأولويات عدم وجود سياسات وطنية فعالة، وتشتت المسؤوليات المتعلقة بخدمات الصرف الصحي وتجزؤها عبر الوزارات الحكومية، وغياب تام لمحاولة فهم الآثار الإيجابية التي تترتب على الاستثمار في مجال الصرف الصحي. وإنه لمن الأهمية بمكان وضع هذه المسألة في الصدارة ومعالجة جانب التحريم الذي يحيط ﺑﻬا. وإن التحدث بصدق وصراحة عن براز الإنسان وتبرّزه قد يغير بالفعل حياة الملايين من الناس ويعيد إليهم الشعور بالكرامة”[1].

غالباً ما يشار إلى الحق فى خدمات الصرف الصحى مسبوقاً بالحق فى مياه شرب نظيفة، على نحو يوحى بأفضلية الحق فى المياه النظيفة كحق أساسى لبقاء الإنسان على قيد الحياة، ورغم اختلاف أراء الكثيرين حول ضرورة الاعتراف بالحق فى الحصول على خدمات الصرف الصحى الأمن كحق منفصل من عدمه، إلا أن لا أحد ينكر أن التخلص بنظافة وبأدمية وبطريقة صحية من الفضلات الصلبة والسائلة هو حق يمس جملة حقوق أخرى، مثل المستوى المعيشي والسكن اللائقين، الصحة، التعليم، الماء، العمل، التمتع بشروط عمل عادلة ومواتية، الحياة والأمن الشخصي، كما يخبرنا التقرير السابق الإشارة إليه، مما يجعل تجاهل هذا الحق صعباً.

وبحسب التقرير المقدم لليونسيف عام 2006 عن المياه والصرف الصحي، ترمي الأهداف الإنمائية للألفية إلى خفض نسبة الأشخاص العاجزين عن الحصول على خدمات الصرف الصحي الأساسية، إلى النصف بحلول عام ٢٠١٥، وصحيح أن هذا ما يزال هدفاً بعيداً ولكن يبقى “الحصول على مياه الشرب النظيفة” و”التمتع بخدمات الصرف الصحى” مطلبين مهمين لخفض مستوى نقص التغذية لدى الأطفال -الهدف الأول من أهداف التنمية الألفية- ولخفض معدلات وفيات الأطفال والأمهات، وهما الهدفان الرابع والخامس، ولمكافحة الأمراض -الهدف السادس- ولتعميم التعليم الابتدائي الهدف الثاني.

ويبقى الحرمان من خدمات الصرف الصحى طريقاً للوصم الإجتماعى[2]، وبحسب الفقرة الثانية والعشرين من تقرير المقرر المعني للدورة الحادية والعشرين يوليو 2012، فـ: “كثيرة هي الحالات التي يعتـبر فيها الموصومون على أنهم قذرين وذوي روائح كريهة”، وهو أمر شنيع وحاط بالكرامة الإنسانية وبالغ الإهانة. ففى قضية اﻟﻤﺠلس البلدي المنظورة أمام القضاء الهندى، وصفت المحكمة الهندية العليا، بشكل بليغ، الإهانة التي تنطوي عليها عدم إمكانية الوصول إلى الصرف الصحي، في قولها “إن إخفاق البلدية في توفير أسباب الراحة العامة الأساسية كانت تدفع سكان الأحياء الفقيرة البؤساء إلى قضاء حاجاﺗﻬم في الشوارع، خلسة لبعض الوقت، ثم علناً بعد ذلك، لأن الحياء تحت ضغط الطبيعة يصبح ترفًا، والكرامة فنًا عسيراً”[3].

وفى مصر فإن الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحى هى المختصة والمعنية بتجميع ومعالجة والتخلص الآمن من مياه الصرف الصحى، وقد كشف آخر مسح شامل لقرى الريف، وقام به الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، عن عدم وجود شبكة صرف صحى فى 75% من قرى مصر، كما أظهرت كارثة الأمطار الأخيرة فى الإسكندرية والبحيرة مدى تدنى قدرة شبكات الصرف على مواجهة المشكلة البيئية “البسيطة” التى أزعجت الكثيرين، بمن فيهم رئيس الجمهورية، مما يشى بمدى إهدار الموارد والإهمال فى الإشراف على هذا القطاع، وبمستوى متدن من الشفافية والإفصاح، خاصة أن مصر تعد من أكثر الدول حصولاً على قروض لقطاع الصرف الصحي، مثل قرضيها من البنك الدولي والبنك الحكومي الصيني.

وتبين الدراسة الاستقصائية الصادرة عن منظمة “الشراكة الدولية للميزانية” عام 2012 أن الميزانيات الوطنية لسبعة وسبعين بلداً، من بين مائة بلد خضع للتقييم، لا تستوفي المعايير الأساسية لشفافية الميزانيات، كما أن فرص مشاركة المواطنين والمجتمع المدني في مراحلها المختلفة غير كافية. ولمواجهة هذا تعمل المنظمة غير الحكومية “مهندسون عصريون من أجل الهند الريفية”، الكائنة بولاية أندرا برديش في الهند، على مساعدة سكان القرى على الاطلاع على الميزانية المحلية، للتمكن من رصد النفقات مقارنة بالمخصصات. وبالاستناد إلى قانون “الحق في المعلومة”، نجحت المنظمة في تأمين المعلومات بشأن إهدار الأموال، مما مكّن من استعادتها وتقديم الخدمات اللازمة[4].

إن الاحتياجات الإنسانية الأساسية هى أمر بديهى لمواصلة العيش بشكل آدمي، يحافظ على الكرامة الإنسانية، وما يحدث من تدهور فى منظومة الصرف الصحى، وتداخل مياهها قبل المعالجة مع مياه الشرب النظيفة فى مصر، هى جريمة أخرى تنضم لقائمة جرائم السلطة فى حق هذا الشعب، فضلاً عن الضرر النفسى البالغ الذى يصيب من يعانون التهميش فى احتياجاتهم الاساسية. ففى أحد مراكز محافظة الأقصر حيث أقطن، اضطر الأهالى لإخراج جثة المتوفى لتشييع جنازته من شباك المنزل بدلاً من الباب، لأن مدخل العمارة ممتلىء لربعه تقريباً بمياه الصرف، وسط حزن وحسرة ذويه. أى بؤس هذا؟

____________________________

 

 

 


[1] الفقره السابعة من تقرير المقرر المعنى المقدم إلى مجلس حقوق الانسان فى دورته  الثانية عشر 2009. الخبير المستقل أو المقرر المعنى هو “نظام الإجراءات الخاصةلمجلس حقوق الإنسان، ويتكون من خبراء مستقلين مكلفين بتقديم تقارير ومشورة بشأن حقوق الإنسان من منظور مواضيعي أو خاص ببلدان محددة.   

[2] الفقره 12 من تقرير المقرر المعنى المقدم الى مجلس حقوق الانسان فى دورته الحادية والعشرين، يوليو 2012 .

[3] قضية اﻟﻤﺠلس البلدي، راتلام ضد شري فاردهيشاند وآخرين، ٢٩ يوليو ١٩٨٠. مشار إليها فى الفقرة 55 من تقرير المقرر المعنى 2009 .

[4]دليل تمويل وإعداد الميزانية وتتبع الميزانية لإعمال حق الإنسان في المياه والصرف الصحي” (المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحق الإنسان في الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، كاتارينا دي ألبوكارك) نشر وطبع لأول مرة في البرتغال، 2004 .

اعلان