Define your generation here. Generation What
الحكومة والبرلمان: هل تنبئ معارك اللائحة عن نزاع محتمل؟
 
 

تستعد الحكومة المصرية لإلقاء بيانها على مجلس النواب، في السابع والعشرين من الشهر الجاري، أملًا في أن تحوز ثقة أعضائه، وسط احتمالات قائمة للإطاحة بها في حال رفض برنامجها، وهي الحالة التي ستفجر نزاعًا داخل المجلس يتعلق بترتيبات اختيار حكومة جديدة. وإن كان هذا النزاع غير مُعلن بشكل كبير حتى الآن، إلا أن أوضح المؤشرات على وجوده ظهرت خلال مناقشة لائحة المجلس في الأسابيع الماضية.

ويخضع برنامج الحكومة المنتظر مناقشته من قبل البرلمان إلى عدد كبير من الضغوط، ما بين أزمة الدولار وشروط مؤسسات اﻹقراض الدولية لتنفيذ خطة تقشف حكومية صارمة من ناحية، وشبح الغضب الشعبي بسبب تردي الوضع الاقتصادي وارتفاع اﻷسعار ونسبة البطالة من ناحية أخرى.

من جانبه، أكد رئيس الوزراء شريف إسماعيل على الموقف الصعب للحكومة المصرية في مواجهة اﻷزمة خلال لقاء جمعه بعدد من الصحفيين منتصف الشهر الماضي. وأوضح أن الحكومة بصدد اتخاذ “قرارات هامة ومؤلمة” خلال الفترة المقبلة لعلاج الوضع الاقتصادي، مؤكدًا على ضرورة رفع أسعار الخدمات التي تقدمها الدولة، ومطالبًا المواطنين بأن يدركوا “أهمية هذه القرارات لمواجهة التحديات التي تقع على الدولة”، حسبما نقل الصحفي عبد الله السناوي في تصريحات تليفزيونية.

كانت وزارة المالية قد كشفت عن أن نسبة العجز خلال النصف اﻷول من العام المالي الحالي -من يوليو إلى ديسمبر 2015- بلغت 5.9% من إجمالي الناتج المحلي، مقابل 5.4% للفترة نفسها من العام المالي السابق وهو ما دفع الحكومة للاتجاه إلى مؤسسات اﻹقراض الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، من أجل الحصول على قروض تسهم في تجاوز اﻷزمة. لكن هذه القروض تأتي مشروطة بخطط تقشف اقتصادي صارم. وكشفت وثيقة نشرها مدى مصر الشهر الماضي عن أن الدفعة اﻷولى من قرض البنك الدولي البالغة مليار دولار، والتي وافق عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد تتوقف إذا لم يتم تطبيق ضريبة القيمة المضافة، المقترحة، بحلول شهر يونيو المقبل. وفي كل الأحوال لا يقوم البنك بتسليم اﻷموال للحكومة إلا إذا حققت مصر تقدمًا مقبولًا في تطبيق برامج اﻹصلاح الاقتصادي.

وحددت اتفاقية القرض عشر شروط مسبقة يجب على الحكومة المصرية تنفيذها، وتشمل خفض الدعم الحكومي المقدم لقطاع الطاقة من 6.6% من إجمالي الناتج المحلي في العام المالي 2014-2015 إلى 3.3% هذا العام. كما يشترط البنك تحرير أسعار الغاز الطبيعي، وإصدار عدد من القوانين لتهيئة بيئة استثمارية معقولة كقوانين الضرائب والاستثمار، وخصخصة قطاع الكهرباء.

وبينما لم تشر الاتفاقية إلى أي شروط محددة في ما يتعلق بقانون الخدمة المدنية، إلا أن الشروط شملت تقليص بند أجور العاملين بالقطاع العام في ميزانية 2016.

كما يتوقع البنك أن تقوم الحكومة بتقليص بند اﻷجور في الميزانية من 8.2% في العام المالي 2014-2015 إلى 7.3% في العام المالي 2018-2019 كشرط لمتابعة إرسال باقي دفعات القرض البالغ 3 مليارات دولار.

وفي ظل الركود الكبير الذي يشهده قطاع السياحة، وتراجع عائدات قناة السويس، وانخفاض المنح والمساعدات الخليجية، فإن الحكومة قد تجد نفسها مضطرة للقبول بالشروط الاقتصادية القاسية. وهو ما قد يكون مردوده سيئًا على علاقتها- غير الجيدة من الأصل- بالمواطنين.

ونقلت صحيفة الوطن عن مصادر حكومية ملامح الخطة المؤلمة التي تقوم الحكومة بإعدادها، والتي جاءت متقاربة مع متطلبات وشروط البنك الدولي من خفض فاتورة اﻷجور الحكومية، وخفض الدعم الحكومي المقدم لقطاعات المياه والطاقة وغيرها.

كما أشار إسماعيل، خلال لقاءه بعدد من نواب البرلمان عن محافظة القليوبية منذ عدة أيام، إلى “اعتزام وزارته اتخاذ قرارات بإصلاحات اقتصادية جديدة في الفترة القادمة، مطالبًا الجميع بتحملها للخروج من اﻷزمة الاقتصادية الحالية”، حسبما نقلت صحيفة المصري اليوم.

لكن عقبة البرلمان قد تعرقل طريق هذا البرنامج المؤلم.

طبقًا للدستور المصري، يتوجب على رئيس الوزراء عرض برنامج حكومته على مجلس النواب وطلب ثقة أغلبية برلمانية فيها. وتنص المادة 146 من الدستور على أنه إذا لم تحصل الحكومة على ثقة اﻷغلبية داخل البرلمان، يرشح الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد البرلمان رئيسًا جديدًا للوزراء يقوم بعرض تشكيل حكومته أمام البرلمان. وإذا لم يستطع رئيس الوزراء الجديد تأمين ثقة اﻷغلبية خلال ثلاثين يومًا على اﻷكثر، يصبح مجلس النواب منحلًا.

وعلى الرغم من أن البرلمان قام بتمرير أغلبية القوانين التي أصدرها رئيس الجمهورية قبل انعقاده، إلا أن رفضه تمرير قانون الخدمة المدنية على الرغم من إلحاح الحكومة للموافقة عليه يشير إلى أن تأييد البرلمان للحكومة ليس مطلقًا.

وبرغم تسابق الكتل البرلمانية المختلفة في إعلان تأييدها للرئيس، أو على اﻷقل عدم معارضتها له، إلا أن إحساس أعضاء البرلمان بأن قانون الخدمة المدنية يلقى رفضًا كبيرًا في أوساط دوائرهم، وخصوصًا موظفي الدولة، جعل التصويت ضد القانون بأغلبية كبيرة وبأريحية مطلقة. كما بدا أن النواب الذين صوتوا لصالح القانون شعروا بحرج إعلامي وشعبي كبير لدرجة أن بعضهم حاول تغيير تصويته في مضابط البرلمان من “نعم” إلى “لا”.

وفي ظل اضطرار الحكومة لتقديم برنامج مؤلم، وغياب كتل برلمانية متجانسة، اندلعت خلافات كبيرة بين أعضاء البرلمان حول عدد من مواد اللائحة الداخلية الجديدة للمجلس، والتي انتهى التصويت عليها اﻷسبوع الماضي بعد 46 يومًا من بدء نظرها.

دارت معظم هذه الخلافات حول المادة 97 المتعلقة بتعريف الائتلاف البرلماني وكيفية تكوينه؛ خاصة أن أحد تلك الائتلافات قد يقوم بتشكيل الحكومة قريبًا.

وأشعل الخلافات إصرار ائتلاف دعم مصر، المحسوب على الدولة، على أن تكون النسبة المطلوبة لتشكيل ائتلاف هي 25% من أعضاء المجلس. فيما أعلن نواب حزب المصريين اﻷحرار وائتلاف 25-30 عن رفضهم لهذه النسبة، مطالبين بخفضها، كما أعلنوا تعليقهم لحضور الجلسات إلى أن يتم التوصل لاتفاق وسط، فضلًا عن إعلان محمد فؤاد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الوفد، في تصريحات لصحيفة اليوم السابع إنهم متمسكون بخفض النسبة إلى 15%.

وأدان ما يقرب من 100 نائب طريقة إدارة جلسات إقرار اللائحة، ووجهوا اتهامات بشكل صريح لرئيس مجلس النواب علي عبدالعال، بتحيزه الكامل في العديد من المواد “لصالح ائتلاف لم يشكل بشكل قانوني بعد يدعى ائتلاف دعم مصر”، حسبما أوضح بيانهم المشترك.

وعلى الرغم من وعود رئيس المجلس بعدم إقرار المادة حتى يتم التوافق عليها، إلا أن الأمر انتهى بتمريرها مع اﻹبقاء على نسبة الـ 25%.

طارق الخولي، عضو ائتلاف دعم مصر، قال في تصريحات صحفية إن أسباب إصرار “دعم مصر” على شرط النسبة الكبيرة لتكوين الائتلافات “تنطلق من تشكيل 4 ائتلافات كبيرة داخل البرلمان بدلًا من تشكيل 10 ائتلافات ضعيفة”.

يأتي هذا اﻹصرار على عدم السماح بتشكيل ائتلافات صغيرة ﻹنهاء أي احتمال بأن يبدأ أحدها صغيرًا ثم يتمكن من الصعود عبر ضم عضويات جديدة أو الاندماج مع ائتلافات أخرى صغيرة، وهو ما يعني قصر المنافسة السياسية وإمكانية تشكيل الحكومة على الائتلافات التي تبدأ كبيرة، وهو ما ينطبق حصريًا، حتى الآن، على الائتلاف المدعوم من الدولة، وهو ائتلاف دعم مصر، في حين قال علاء عابد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار، إنهم سيعلنون خلال 15 يومًا عن تشكيل ائتلاف آخر، بالتنسيق مع عدد من النواب المستقلين غير المنضمين لـ “دعم مصر”.

وعلى الرغم من نجاح الدولة مؤقتًا في اختبار اللائحة الداخلية، إلا أن اختبارًا أهم من المنتظر أن يعقد بحلول نهاية الشهر مع تقديم الحكومة لبرنامجها، وهو الاختبار الذي يبدو أن رئيس الوزراء بدأ في الاستعداد له مبكرًا، حتى لا يتكرر إخفاق مشابه لمحاولة تمرير “الخدمة المدنية”، إذ قام إسماعيل على مدار الأيام الماضية بعقد سلسلة من اللقاءات مع نواب المحافظات المختلفة، صحبه فيها عدد من الوزراء، لعرض برنامج الحكومة على النواب ومناقشتهم فيه، وهي اللقاءات التي ستستمر حتى 24 من الشهر الجاري، فيما عقد في الوقت نفسه اجتماعًا مع الرئيس لوضع اللمسات النهائية على البرنامج استعدادًا لعرضه على البرلمان الذي يقبله أو يرفضه ككل، حسبما أوضح الدكتور رمضان بطيخ، أستاذ القانون الدستوري بجامعة عين شمس.

كان وكيل مجلس النواب سليمان وهدان، عضو حزب الوفد، قد قال إنه بعد عودة اللائحة الداخلية للبرلمان من مجلس الدولة والتصديق عليها من رئيس الجمهورية، سيتم تشكيل اللجان النوعية، والتي ستتولى بدورها مناقشة برنامج الحكومة وإعداد تقارير مفصلة تُعرض على المجلس في جلسة عامة للتصويت على منح الثقة في الحكومة من عدمه.

وفي كل اﻷحوال، يجب ألا تزيد مدة مناقشة برنامج الحكومة والتصويت عليه بالموافقة أو الرفض على ثلاثين يومًا، طبقًا للائحة الداخلية للمجلس. وهو ما يعني أن شهر أبريل المقبل سيشهد مباريات سياسية على ملاعب مختلفة قد يصبح أقرب الحلول للفوز بها جميعًا هو التضحية بالحكومة “المؤلمة” ومناقشة ترتيبات حكومة جديدة.

وفي حين تتواتر تقارير صحفية عن قرب إجراء تعديل وزاري في الأيام المقبلة، خاصة في المجموعة الاقتصادية، إلا أن المهندس شريف إسماعيل نفى ذلك في تصريحات صحفية قبل يومين، وهو ما قاله أيضًا السفير حسام القاويش المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء، الذي رأى أنه “لا يوجد صدى داخل المجلس بأي تعديل وزاري”.

ولكن تصريحات مجلس الوزراء لا تصطدم فقط بالتقارير التي تؤكد قرب هذا التعديل الوزاري، بل تصطدم كذلك بتصريحات أعضاء مجلس النواب الذين تنتظر الحكومة منهم منحها الثقة.

كان “عابد”، قد قال في حوار له مع صحيفة الوطن ، إنه “إذا كانت طموحات رئيس الوزراء ووزرائه الـ 34 غير مرضية للشعب، سيكون مصيره الرفض كما حدث مع قانون الخدمة المدنية”، كما رأى أن “هناك عدد من الوزراء لا مفر من إبعادهم، قبل إلقاء بيان الحكومة، من بينهم وزراء الاستثمار والتنمية المحلية والسياحة والتربية والتعليم”، بالإضافة إلى وزير الري “إذا لم يقدم خطة للتقدم في مفاوضات سد النهضة”. غير أنه أوضح أنه في حالة رفض برنامج الحكومة واﻹطاحة بها، سيقوم ائتلاف دعم مصر بتشكيل الحكومة باعتباره ائتلاف اﻷغلبية. كما أضاف أن الائتلاف الذي سيقوم بتشكيل الحكومة لن يأتي بحكومة غير متوافق عليها.

كما توقع “وهدان” إجراء تعديل وزارى قبل عرض البرنامج، قائلا: “الحكومة يهمها اختيار أفضل العناصر لتحقيق برنامجها لأنها تعلم أن البرلمان يراقبها ويراقب تنفيذ ما وعدت به”، مؤكدا أن البرلمان سيكون داعما للحكومة للوصول إلى تحقيق تنمية يشعر بها المواطن البسيط.

فيما قال النائب أسامة هيكل، القيادي بائتلاف دعم مصر إن غالبية أعضاء الائتلاف يؤيدون إجراء تعديل وزاري قبل بيان الحكومة “وإلا سيكون هناك خطر كبير قد يواجه الحكومة في حالة استمرارها دون تعديل”.

اعلان
 
 
محمد حمامة