Define your generation here. Generation What
الناظم: (4) جمعية الشعراء الأحياء.. أو كيف اخترعت آبائي
 
 

عندما دخل “جون كيتينج” على طلابه لأول مرة في فيلم “جمعية الشعراء الموتى” كانت الابتسامة منحوتة على وجهه، سعادة بسيطة غير متكلفة ينقلها لطلاب في مرحلة المراهقة. كانت فكرته عن الشعر جميلة جمال الفن، لم يحدثهم “عن” الشعر، لكنه حدثهم “به”، وعندما تحدث عن كتابة القصائد أوصاهم  بـ”Carpe Diem” أي “عش يومك”. ليس ثمة علامات إرشادية لكتابة القصائد أو لمحبة الشعر، هو شيء من نفَس الحياة، طريقة للتعرف على الجمال. “عش يومك”، هذه العبارة تبدو غريبة جدًا وسط الشعراء الموتى، ماتوا لأن التراب واراهم، توقفت أجسادهم عن ممارسة الحياة، لكنهم مع ذلك تركوا شيئًا، أودعوا خباياهم ورؤاهم ومحبتهم وضعفهم وغضبهم وقوتهم في بعض السطور. عطايا غير منتهية، قادرة على المشاكسة، خلق الملاحم وتفكيكها، صناعة المأساة والسخرية منها.

عذوبة الفيلم أسرتني في وقت مبكر. كانت علاقتي بالشعر مرتبكة، كنت حائرًا بين أشكاله الموزونة وغيرها، ومختنقًا بجحيم السؤال: ماذا لدي لأقوله، وقد قيل كل شيء؟ رؤيتي للشعر ملحمية جدًا، فكرتي عنه خيال قديم عن شاعر عكاظ، مطرب الحي، أداة الإعلام التي تخشاها السلطة وتحاول كسب ودها، لأن الكلمة منه تغير العالم، تقيمه وتقعده، وكلما زاد تمكنه زاد تأثيره.

سرعان ما تفتتت هذه الفكرة المبتذلة أمام سيل الأفكار المجنون الموسوس، عن طبيعة الفن وجدواه وأهميته، ثم عن الشعر نفسه وسط الفنون، ثم عني أنا وسط الشعراء. الثابت والأكيد إنني أحب الشعر حبًا غير منطقي وغير عقلاني، حبًا متصوفًا لا أدري سبب قوته إلى الآن. أحب الرواية والقصة والتشكيل والسينما، نعم، لكن الشعر في قلبي شيء آخر. أحيانًا يظن أصدقائي أنه “تقديس” للشعر باعتباره أرقى الفنون الكتابية، لكن هذا غير صحيح. أنا أحبه فقط، دون كلمة إضافية.

أدمنت مشاهدة الفيلم، أضحكني وأبكاني. كم محظوظون هؤلاء الأولاد، لا يعرفون قيمة أن يكون لديهم “أب روحي”، لا ليمارس عليهم سلطة، وإنما ليدلهم على شكل الجمال في عينه: هذا كلام جميل وهذا لا. يستوعب التخبط والحماس والفوضى ولا يعاقبها، يتفهم ولا يلوم، الأب الذي لم أجربه. لا مدرس ولا قريب ولا صديق استطاع فهم بحثي عن الجمال في الكلام، ناهيك عن الجمال في الحياة. كل آباء الواقع منضبطون، محبوسون داخل الدرع الحديدي للواجب والضروري، أليس التعرف على الجمال ضروريًا أيضًا؟

هكذا، بعد مشاهدات مستمرة لأيام متواصلة، بدأت أبحث عن آباء أحياء، يقولون لي: “هذا شعر جميل، جرب أن تقرأه، ثم قل لي لماذا هو جميل”، فكان نزولي الأول لوسط البلد، بعد سبعة عشر عامًا قضيتها في السعودية. مشيت منبهرًا بالمباني القديمة التي رأيتها في الأفلام فقط، أبحث عن أماكن تجمع المبدعين كما تخيلتُها، حيث الكتب تملأ جدرانها حتى السقوف، ولا حديث لهم إلا عن الفن والأدب. في ذلك الوقت كنت قرأت عن “ريش” ونجيب محفوظ وحرافيشه، لا بد أنهم يحافظون على العادة المحفوظية إكرامًا له حتى بعد محاولة اغتياله. وصلت إلى “ريش”، ليس كما تخيلته تمامًا، لكنه مليء بصور من أحب كتبهم، فتحتُ الباب ليواجهني وجه متجهم ويسألني بفظاظة: “انت جاي تعمل إيه هنا؟” ارتبكت للحظة وقلت بصوت غمره الإحراج: “حضرتك أنا جاي أدور على الحرافيش”، ليرد بحدة أكبر: “إيه؟! روح يا حبيبي من هنا، مش عاوزين شغل عيال”، فكانت صدمتي الأولى.

مشيتُ بلا هدى، يملؤني الإحباط، لأمر بجوار زهرة البستان. هناك رأيتُ “سعدي يوسف”، هو سعدي؟ آه هو، يا حلاوة يا حلاوة، الشاعر الكبير سعدي يوسف على بعد خطوات، سعدي الذي أثنى أمل دنقل على أخضره بن يوسف، سعدي صديق مظفر، سعدي الذي رأى السياب والبياتي رأي العين. اقتربت منه كعصفور خجول، أقدم رجلًا وأؤخر أخرى، حتى وقفت أمامه وقلت له بما يشبه التساؤل: “أستاذ سعدي يوسف؟” نظر إليّ ولم يرد. أكملت: “أنا بحب حضرتك جدًا وبحب ديوان الأخضر بن يوسف وشواغله”. نظر إلى ثانية بعينين زجاجيتين وقال لي: “مش رايق لك أنا، روح عني”.

عدت إلى البيت بإحباط كبير، فقررت أن أعيد مشاهدة الفيلم، ميكانيزمي للهروب. كلما اشتد علي الواقع، هربت إلى الكتب والأفلام، أنغمس فيها حتى أنسى ذاتي أو أتناساها لبعض الوقت. كرهت ريش إلى الآن، وكرهت سعدي، كرهته ولم أطق أن أقرأ له حرفًا بعدها.

طوال شهرين، كنت أذهب إلى وسط البلد للبحث عن جمعية الشعراء الأحياء، مفتشًا عن أب، أي أب يدلني على الطريق “ذي الخيارات اﻷقل”، كما اقتبس جون كيتينج لطلابه في الفيلم من قصيدة لفروست، وكل يوم أرجع خائبًا لمشاهدة الفيلم. أنا قتلت أبي داخلي لأنه لم يفهم شغفي، لم يكلف خاطره حتى أن يتركه وشأنه، بل حاول بكل الطرق قتله، كان يحاول بدافع الانضباط سد كل الطرق، ذات الخيارات اﻷقل أو اﻷكثر، بلا تفريق.

بعد يأسي من العثور على أب حي قررت أن أخترع، لا آباء فقط بل عائلة تخصني، عائلة خيالية، لا تطردني من أماكنها، ولا تعاملني بفظاظة حين أحتاج إليها. صار أحمد بن زيدون أخي الصغير، هو أحمد مثلي، طيب ورقيق ومخلص في محبته للشرموطة ولادة بنت المستكفي التي كرهتُها لما فعلته به. أبو الطيب “أحمد آخر” وأبو نواس والبحتري ولسان الدين بن الخطيب آباء كبار. أمل دنقل وصلاح عبد الصبور وعفيفي مطر والبياتي والسياب آباء صغار. شيمبورسكا عمتي. عماد أبو صالح ابن عم مسافر. إيمان مرسال حبيبة أعلق صورتها أمام سريري. أبدأ يومي بتحيتهم واحدًا واحدًا. عائلتي كبيرة للغاية، كبيرة وجميلة، ولا تؤذيني.

عندما أنظر إلى هذا اليوم، أضحك؛ أنا لم “أقتل الأب” للخلاص منه بل للبحث عنه، كبرتُ وتحول الآباء إلى أصدقاء، والعائلة إلى رفاق قدامى، لا أزال أحب الكثير منهم دون أن أترك لهم سلطة عليّ. الجمال الذي تخبطت في فهمه بداية، تفهمت بعض تفاصيله لاحقًا ولا أزال أتخبط في الكثير منها.

“كاربي ديم” أو “عش يومك”، جملة لم أتمكن من فهمها كما ينبغي. كنت أبحث عمن يخبرني كيف أعيش يومي. يخبرني عن معنى اليوم وكيفية العيش. كنت أنتظر حدوث الحياة وهي تحدث بالفعل. لم يعنّي الخيال على الواقع بل فصلني عنه. “عش يومك”، كم مضى من الوقت قبل أن أفهمها، لكن هل فهمتها حقًا؟

اعلان