Define your generation here. Generation What
ما بين الانتهاكات القانونية واستقلال القضاء.. العدالة بميزان “النقض”
 
 

فقد بيشوي كميل، المدرس بسوهاج، ثلاث سنوات من عمره خلف القضبان قبل أن تثبت محكمة النقض أمس الأول برائته من تهمتي ازدراء الدين الإسلامي وإهانة الرئيس الأسبق محمد مرسي، ليتجدد الجدل الذي أثير أكثر من مرة مؤخرًا مع زيادة وتيرة إلغاءات “النقض” لأحكام قضائية، خاصة في القضايا السياسية والمتعلقة بالحريات، حول مهنية القضاء المصري وحياديته خلال السنوات الأخيرة التي اتسمت باستقطاب سياسي حاد.

ربما يكون مسار حصول “كميل” على البراءة نموذجيًا لتوضيح طبيعة الأزمة. كانت محكمة الجنح بسوهاج قد عاقبت المدرس في يوليو 2012 بالسجن ست سنوات بتهم ازدراء الدين الإسلامي وإهانة رئيس الجمهورية وإهانة أحد المدعين بالحق المدني. وفي سبتمبر من العام نفسه أيدت محكمة استئناف سوهاج الحكم. فتقدم محامو المتهم بطعن على الحكم أمام محكمة النقض، وهو الطعن الذي قبلته المحكمة وقضت بإعادة محاكمته أمام دائرة جنح أخرى، والتي قضت في مايو 2014 بسجنه أربع سنوات فقط بعد تبرئته من تهمة إهانة الرئيس. ليطعن المحامون على الحكم الجديد أمام “النقض”، التي قبلت الطعن للمرة الثانية، لتتحول بدورها لمحكمة موضوع، وتنظر القضية بنفسها وصولًا إلى إصدار حكمها الأخير في 13 مارس الجاري ببراءة بيشوي من التهم المنسوبة إليه.

إذا كان بيشوي خسر ثلاث سنوات من حياته في السجن ثمنًا لهذا المسار القضائي، فكم سيتكلف محكومون بإنهاء حيواتهم، خاصة مع التوسع الكبير في إصدار أحكام الإعدام في السنوات الأخيرة ضد متهمين في قضايا ذات طبيعة سياسية، طال الكثير منها مقصلة النقض بالإلغاء وإعادة المحاكمة خلال العامين الماضيين.

في فبراير الماضي ألغت “النقض” حكمًا صادر عن محكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار محمد ناجي شحاتة بإعدام 149 متهمًا، والسجن المشدد عشر سنوات لمتهم قاصر، وبراءة متهمين اثنين في قضية “اقتحام قسم كرداسة”.

كما كانت “النقض” قد ألغت ثلاثة أحكام سابقة لـ”شحاتة”، هي حكمه بإعدام ستة متهمين في قضية “اقتحام قسم كرداسة” نفسها، بعد إدانتهم بتهم القتل العمد والتمثيل بجثث ضباط القسم عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة في 2013، وقضت بإعادة محاكمة المتهمين أمام دائرة أخرى. كما ألغت أيضًا حكمه في قضية “خلية الماريوت” بالسجن سبع سنوات ضد ثمانية متهمين، كما قبلت “النقض” طعن 39 متهمًا في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”غرفة عمليات رابعة”، وقضت بإلغاء الحكم بإعدام 12 منهم، بينهم محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين.

وإلى جانب دائرة “شحاتة”، تعددت إلغاءات “النقض” لأحكام كثيرة صادرة عن دوائر أخرى،  

حيث سبق وألغت الأحكام الصادرة بسجن 19 طالبًا بجامعة الأزهر لخمس سنوات بتهم “العنف والبلطجة، ومحاولة اقتحام مقر مشيخة الأزهر، والتعدي على ضباط الشرطة وموظفي الأمن الإداري للمشيخة”.

كما قضت بقبول الطعن من 18 متهمًا على أحكام السجن المشدد الصادرة ضدهم على خلفية اتهامات بممارسة “الشغب” في محيط قسم شرطة كفر الشيخ عقب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.

وقبلت “النقض” كذلك طعن 13 متهمًا على الحكم الصادر ضدهم بالسجن المشدد ثلاث سنوات على خلفية اتهامات بالتجمهر أمام مبنى محافظة الفيوم تزامنًا مع فض اعتصامي رابعة والنهضة.

من جهته، قال ناصر أمين، مدير مركز استقلال القضاء والمحاماة وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، لـ”مدى مصر” إن “القضاء المصري أصلًا غير مستقل، باستثناء محكمة النقض”، موضحًا أن “السلطة التنفيذية ممثلة في وزير العدل تتدخل في شؤون القضاء باستثناء محكمة النقض”.

يشار إلى أن المادة 67 من قانون السلطة القضائية تنص على أن لا ينقل قضاة محكمة النقض إلى محاكم الاستئناف أو النيابة العامة إلا برضائهم، فيما تجيز المادة 55 من القانون لوزير العدل، عند الضرورة، أن يندب مؤقتًا للعمل بمحكمة النقض أحد قضاة محاكم الاستئناف بشروط معينة لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد بعد أخذ رأي الجمعية العامة للمحكمة التابع لها، والجمعية العامة لمحكمة النقض، وموافقة مجلس القضاء الأعلى.

في حين يمتلك الوزير صلاحيات أكثر بموجب القانون في حالة المحاكم الأخرى بخلاف “النقض”، إذ تتيح المادة 56 لوزير العدل نقل قضاة محاكم الاستئناف إلى محكمة استئناف أخرى، وتجيز المادة 57 للوزير ندب قضاة محاكم الاستئناف للعمل بالنيابة العامة، كما تجيز المادة 58 له ندب الرؤساء والقضاة بالمحاكم الابتدائية لمحاكم غير محاكمهم لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد بعد موافقة مجلس القضاة الأعلى، كما تجيز المادة 62 ندب القاضي مؤقتا للقيام بأعمال قضائية أو قانونية غير عمله أو بالإضافة لعمله بقرار من وزير العدل بعد أخذ رأي الجمعية العامة التابع لها وموافقة مجلس القضاء الأعلى.

ويرى كريم عنارة، الباحث في الشئون الجنائية والأمنية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن “الأحكام الصادرة من المحاكم الأدنى درجة هي ما تلفت النظر، لا أحكام محكمة النقض الصادرة في مواجهتها، حيث تتضمن سلسلة الأحكام الصادرة بعد 30 يونيو انتهاكات غير مسبوقة للقواعد القانونية الراسخة على نحو غير مسبوق في تاريخ المحاكم والنظام القضائي المصري، حتى في ظل أنظمة سياسية شديدة السلطوية”.

ويقول “عنارة”: “لا يرتبط الأمر من وجهة نظري بتدخل مباشر من السلطة السياسية في آداء تلك المحاكم مقابل درجة أعلى من الاستقلال تتمتع بها محاكم النقض، فواقع الأمر أن الأحكام التي صدرت من درجات التقاضي الأدنى متضمنة انتهاكات فاضحة للقواعد القانونية والإجرائية لا ترجع إلى تدخل مباشر من السلطة السياسية لإملاء الأحكام، القضاء نفسه أصبح جزءًا من مناخ الانقسام السياسي العميق، على نحو أصبح ينحاز فيه بدوره ضد خصم سياسي”.

ويعتقد “عنارة” أنه بالرغم من أن سلسلة الإلغاءات التي أصدرتها “النقض” لأحكام من درجات تقاضي أدنى تضمنت انتهاكات إجرائية وقانونية “فاضحة”، إلا أن المحكمة “أيدت أحكامًا قضائية مشددة للغاية، بما فيها أحكام بالإعدام، فقط لأنها لم تتضمن انتهاكات فجة إجرائيًا، ما يؤكد على طبيعة المحكمة المحافظة التي تنحاز لمفهوم إحكام قبضة الانضباط على المجتمع عبر العقوبات الأكثر تشددًا، لا توزيع العدالة”.

كانت “النقض” قد أيدت في فبراير من العام الماضي حكمًا بالإعدام صدر بحق محمود رمضان المتهم بإلقاء الأطفال من أعلى أحد العمارات في الإسكندرية في عام 2013، وأيدت معه أحكام السجن المؤبد بحق 18 متهمًا آخرين في القضية، وفي ديسمبر من العام الماضي أيدت “النقض” كذلك حكمًا بإعدام خمسة أشخاص أدينوا بالهجوم على كنيسة العذراء ومحال ذهب في منطقة السادس من أكتوبر،وذلك في القضية المعروفة باسم “خلية 6 أكتوبر”، كما قبلت “النقض” في فبراير الماضي الطعن المقدم من الملازم ياسين صلاح الدين المتهم بقتل شيماء الصباغ، وألغت الحكم الصادر بحبسه 15 سنة وأمرت بإعادة محاكمته.

ويضيف “عنارة” أن “العدد الكبير من الأحكام القضائية التي أقدمت محكمة النقض على إلغائها أمر يتسق عموما مع أداء محاكم النقض أو المحاكم العليا في العالم، باعتبارها آخر درجات التقاضي التي تشهد عادة أعلى درجات المهنية والاحتراف”، مشيرًا إلى أن ما يجب الالتفات إليه في هذا الشأن هو “الفجوة الكبيرة في الوضع المصري حاليًا بين الدرجات الأدنى في التقاضي من ناحية، ومحكمة النقض من ناحية أخرى”.

أما محمد طوسون، رئيس فريق الدفاع عن متهمي جماعة الإخوان المسلمين في عدد من القضايا، فيقول إن تواتر إلغاءات محكمة النقض لأحكام في هذه الفترة القصيرة “يعيد استقلال القضاء المفتقد إلى نصابه الصحيح”.

ويفسر “طوسون ” مسلك “النقض” بأن “الأحكام المثيرة للجدل في درجات التقاضي الأدنى ما كانت لتصدر أصلًا لولا تشكيل المحاكم ذات الطبيعة الاستثنائية (قبل نحو ثلاث سنوات)”.

ويوضّح قائلًا: “أقدم عدد من رؤساء محاكم الاستئناف على تشكيل دوائر قضائية، من أبرزها محكمة استئناف القاهرة، خصيصًا لمحاكمة متهمين في قضايا ما يعرف بالإرهاب، استجابة لخطاب الرئيس (المؤقت في ذلك الوقت) عدلي منصور، الذي طالب فيه بسرعة الفصل في قضايا الإرهاب تلك”.

ويقول “طوسون”: “ينطبق على تلك الدوائر، التي شُكلت خصيصًا لمحاكمة متهمين بعينهم في قضايا بعينها، ما اعتبرته محكمة النقض في حيثيات حكم سابق إخلال بحق المتهم في المثول أمام قاضيه الطبيعي، وينطبق ذلك على أي محكمة تشكل بغير الآلية التي يتضمنها قانون السلطة القضائية”.

يذكر أن المادة (30) من الفصل السادس من قانون السلطة القضائية تنص على أن “تجتمع محكمة النقض وكل محكمة استئناف أو محكمة ابتدائية بهيئة جمعية عامة للنظر في ترتيب وتأليف الدوائر وتشكيل الهيئات، وتوزيع القضايا على الدوائر المختلفة، وتحديد عدد الجلسات وأيام وساعات انعقادها، وندب قضاة محاكم الاستئناف للعمل بمحاكم الجنايات وقضاة المحاكم الابتدائية للعمل بالمحاكم الجزئية، والمسائل المتعلقة بنظام المحاكم وأمورها الداخلية”. كما تنص المادة (31) على أن “تتألف الجمعية العامة لكل محكمة من جميع قضاتها العاملين بها وتدعى إليها النيابة العامة، ويكون لممثل النيابة رأي معدود في المسائل التي تتصل بأعمال النيابة”، وتنص المادة (34) على أن “تصدر قرارات الجمعيات العامة بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين، وإذا تساوت الآراء رجح الجانب الذي فيه الرئيس”.

إلا أن المادة (36) من نفس القانون تقضي بإبلاغ قرارات الجمعيات العامة ولجان الشئون الوقتية لوزير العدل، الذي يحق له أن يعيد إلى هذه الجمعيات واللجان “ما لا يرى الموافقة عليه من قراراتها لإعادة النظر فيها، وله بعد ذلك أن يعرض الأمر على مجلس القضاء الأعلى ليصدر قراره بما يراه”.

وتعد محكمة النقض قمة الهرم القضائي في مصر، وتعمل على توحيد تطبيق القانون في المحاكم المصرية، ولا تعيد “النقض” الفصل في المنازعات التي عرضت على المحاكم الأدنى منها، بل تكتفي بمراقبة أحكام تلك المحاكم لبيان مدى اتفاقها مع القانون، ووفقًا للتعديل رقم 74 لسنة 2007 أصبح باستطاعة “النقض” الفصل في المنازعات المعروضة عليها للمرة الثانية بصفتها محكمة موضوع، وتعد أحكامها نهائية لا يجوز الطعن عليها.

اعلان
 
 
بيسان كساب